شعرية الانتماء

(قراءة في كتاب شعرية الانتماء للدكتور مجدي الخواجي)

صالحة حكمي*

مدخل:

إليك يحلو انتمائي.. يزدهي فرحي

فأنت دفئي، وترنيمي ومنعطفي

وأنت رجع انفعالاتي، وأنت صدى

صوتي، وأنت البديع الفرد في صحفي

علي النعمي

 

في وسط بحر متلاطم تبدو المملكة كما لو كانت جزيرة وارفة، تعبأ وتهتم، وترسم لأبنائها مستقبلهم وتسعى لمدّ المشترك الثقافي بينهم جميعًا، فلا يهجرها أحد، بل هي التي تبتعث لتعلِّم، وتدعو إلى السفر لجني الفوائد السبع..، تعلي من شأن الإنسان، وتستثمر فيه. فكسرت الرهبة والخوف، وحرَّرت أبناءها من هاجس اللجوء إلى الغربة وأهوال الارتحال وركوب الأمواج الهائجة.

 من قلب هذا الإحساس العميق كنا بحاجة إلى ربَّان متمرس، بل إلى ناقد واعٍ يظهر مسارات الحقيقة، ويعيد رسم مفهوم الانتماء، و يبين العلاقات بين المعاني المخبوءة والألفاظ المسموعة يعرف قدر بلاده ويكون خبيرًا بأنامل أبنائها، هكذا أمسك مجدي الخواجي بقلمه ومحبرته وكان مداده غناء لأبناء بلاده، لا كلفة فيما يستخرجه، ولا عييا.

تحت عنوان «شعرية الانتماء.. قراءة في القصيدة السعودية»، كتب كل ما يمليه عليه ضميره المحايد، المنتصر للكلمة الصادقة المعبرة.

ونحن اليوم نرصد شيئا من هذا الانتماء، وهذا التفاعل الثلاثي بين القيم التي دأب الكاتب على تبنيها (الانتماء، الفداء، الولاء) أو ما يمكن تسميته بالهمزات الثلاث، التي هي أسس الهوية لأبناء البلاد.

ولكن هل تكفي تعابير الكلام أو كتابته على أوراق الكتب لسرد انتمائية الشعراء السعوديين؟!

– لا، ولن تكفي أضعاف أضعافها!

–   ما الحل إذًا؟!

الحلُّ في تخيُّرِ موطن من مواطن الشعر، ونسج شعري خالص، وأرض طيبة كأرض جازان، يكسوها مدّ القصائد، وتروج فيها روح الأدب الذي يحفل بسماء الوطن بأكمله، ويحتفي بأرضه.

سُعودِيٌّ ولونُ دمي سُعُودي

ولي في البدءِ فاتحةُ الخلودِ

سعوديّ وأفخرُ بانتمائي

    إلى وطنِ التلاوةِ والسجودِ!

إبراهيم صعابي 

 ولأن النقد إبداع رديف، ولأن الناقد المتمرِّس فنان حقيقي يمزج اللون والصوت والحركة في صورة فنية ليخرج لنا رؤيته، وليمكننا من النظر بعينيه؛ فقد أعاد الخواجي منظومة الولاء إلى مضامينها الصحيحة تارة أخرى، متكئًا على مواهب حقيقية، ومصغيا السمع لأنغام عذبة لا نشاز فيها ولا خروج، ساعيًا لوضع قواعد رحبة لا تؤطر، ولكنها تمنع الأصوات المتداخلة، تعطي للمتفرد حقه في الأداء المستقل، و لا تحرم المجموع من مسافة الاستمتاع بالغوص.

أليس الانتماء هويةً وسلوكًا وقضية، والولاء عمقه، والفداء أساسه، هرم ثلاثي العماد، تُعلق عليها أسماء الشهداء، وأحلام المملكة، ورؤية المستقبل، وحاضر التعليم؟! أليس الانتماء هو المسمى والاسم، هو الموطن والسكن، هو الألفة والأهل، هو أنت وأنا؟! والولاء هو الامتنان والشكر الجزيل والاعتراف بالفضل لأهله وربط أبناء المملكة بقيمة المواطنة؟ أليس الفداء هو التضحية، ومنح الفداء، وإسداء كل معروف!

بلى.. هي كل هذا.. وأكثر! هكذا تعانق في جازان الشاطئ والجبل والأودية، وازدهرت الشعاب وارتفعت منها اللحون والترانيم والأهازيج وانتشر العبق من أعطافها المخملية ووقفت الجموع تسمع هذا الإنشاد الذي انتخب أجزاء منه الخواجي في كتابه، حيث ضبط معياره بين الإشارة إلى تقاليد الشعر التي تهتمّ بالسلامة والجدية من جهة، وبين توظيف القيم الوطنية وعادات المناطق وطبائع البشر من مكان إلى آخر، بحيث شكلت لوحات بصرية تلبست جازان ومحافظاتها (على حد قوله – وأقواله في كتابه كلها من الحَسَن الصحيح) عكست الجبل والشاطئ والسهل ومنحدرات الأودية والشعاب.. وما بين الصوت في مواويل الأفراح وزغاريد النسوة الفرحات باستقبال الصباح، واللون في انبلاج الصبح وفضيَّة القمر في سواد الليل، والحركة في رقص الابتهاج، والعارضة التقليدية، تتشكل فِتنةُ جازان، وتفتر عن ثغر ابتسامة واشية بأنها ابنة هذه الأرض وأنها شريكة لها في أحلام الأبناء نحو المستقبل على ظهر الثرى الطيب!

يا سيدي جازان ليس كمثلها

والله ليس كمثلها هذا المساء

حسناء ليلة عرسها لبست لباس

   الحسن واتشحت بهاءً في بهاء

علي دغريري        

وكاتبنا فذّ تسمع لحديث أهل جازان من قبائل و شعراء في مقاهي أدبهم عن قادة البلاد، واستشرف آفاق رؤيتهم لملامح الملك سلمان وولي العهد الأمين، ونقل عنهم مسارات ألفاظهم في جماد الطبيعة، فقام يردد:

إذْ أنتَ من سلمانَ سيفًا صارمًا

ولأنت سرُّ أبيك روحٌ دائبةْ

إن قلتُ أنت الحزم كان أخفُّ ما

تُلقي على الأوباش شهبًا لاهِبَةْ

أو قلتُ أنت العزمُ كانت أهدأُ

الأنفاس في رئتيك خيلًا واهبة!

دغيثر حكمي   

نَقَل عن أناس لم يرَوا  إلا الوطنَ، والقيادةُ – والله – وطن؛ فبها استقام ميزان العدل الذي يسيِّر حركة هذه الأرض، وعليها حمل أبناؤنا طاقة الأمل، ومنها يقيم الطريق المستقيم بإماطة كل ما يؤذي السابلة، وفيها نؤمن بأن الله قد حبانا وفضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا!

أنى خطوتَ دروبُ خطوكَ تُورِق

هدٌ يضيءُ ونهضةٌ تتحقَّقُ

أنى خطوتَ ففي المشاعرِ فرحةٌ

على الوجوهِ بشائرٌ تترقْرَقُ

إبراهيم مفتاح      

 بأنسنةِ المكان، وحضُورِه، وتشخيص مظاهر الجمال، وتفعيل القيم الإيجابية من أخلاقيات أبناء الوطن وسلوكياتهم، ومظاهر الانسجام والتماهي مع ترابه.

  إن هذا الحب الصادق الذي يخرج من أوتاد وأسباب القصائد، وهذه الأنغام التي توارت عن بريقها اضطراباتُ المنطقة، ومشكلاتُ الإقليم، وأزمات الشرق الأوسط، وترتفع حينما يصافح هواء جازان زيارات الملوك، تعرف جازان كيف تُكرِم وِفادةَ خيرِ من وفد، وتحيي بهبات نسيمها أصحاب الأكف البيضاء:

حيَّاكَ حياكَ يا مولايَ ألفُ هلا

جازان من فرحٍ تاهت بكم جذلا

جبالُها بَحْرُها زانَتْ بمقدمِكُم

حتى السماءُ فما نَجْمٌ بها أفلا!

علي الأمير     

 بين دفتي هذا الكتاب النادر، وهذا السفر المصقول المهذب، صفحات تقدر بتاريخ ممتد جلي، ونظرة جمالية معيارية، وجانب من روح هذه البلاد وحلاوة ألسن أهلها. ملحمة سطَّرَتها رؤية الخواجي تتكامل مع  مبدعي البلاد، سدنة العشق المباح، وسادة الصفاء الناصع الأبيض.. وهو لا يكتفي بوضع قلمه في خدمة تأصيل ركائز البلاد، ودعم أساسات بناء الوطن، لكنه يمضي محللًا لغةً وصرفًا ونحوًا وعروضًا ودلالةً وصوتًا وتركيبًا مضيفًا إلى القصائد قصيدةً تحليلية شاملة، باسطًا أفكاره، مصوبا رؤيته نحو آراء هؤلاء «المنتمين» حقًّا، العارفين بأن لوطنهم فضلًا، ولقادتهم فضلًا، ولأهلهم فضلًا.. وهم يكافئون الفضل باللحن العذب!

* كاتبة من السعودية

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: