رئيس النادي الأدبي بجدة: اللغة العربية هي المسلك الحياتي وحواجز الزمن المتحركة

حوار_نايف العجلاني
– الفصحى لغة تدريس ولا تصلح للتخاطب اليومي
– أبواب النادي مشرعة أمام كل المواهب
– لم أجد نفسي إلا حين صرختي الأولى وأنا ألاعب صخال أمي
– يد الحضارة سلبت من القرية نقاءها وصفاءها
– تجربتي الشعرية لا تصلح أن تنشر لأكثر من سبب
– كل شاعر له زاوية معينة، وهناك شباب يأسرون المستمع بأسلوبهم الفريد
 سعادة الأستاذ الدكتور عبد الله عويقل السلمي رئيس نادي جدة الأدبي، دكتوراه في النحو والصرف، وفقه اللغة.
 له أكثر من خمسة كتب مطبوعة، له خمسة عشر بحثًا منشورًا في مجلات علمية محكمة.
 شارك في ثلاثة وسبعين مؤتمرًا عن اللغة العربية في 36 دولة، لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
 * الحياة لا يمكن أن يكون وقودها مجرد ألم دون أمل
فرقد: هل تؤمن بأن الألم والمعاناة وقود للإبداع؟ وهل كان الألم وقودًا لإبداعك ووصولك إلى ما وصلت إليه الآن؟
 بالطبع لدي إيمان كلي بهذا الجانب، ولكن أيضًا أو من بأن الحياة لا يمكن أن يكون وقودها ألم مجرد. الألم حينما يحضر فهو يتطلع للأمل، ومتى كان هناك ألم، وأمل كان اَلنِّتَاج طاقة إيجابية وحقيقةً لا أو من بالألم إلا كطبيعة حياتية، يتخلق، وربما يتلاشى تَدْرِيجِيًّا عندما يحضر الأمل في حياة الإنسان.
 * اللغة العربية وجودية في حياتنا
فرقد: عندما نذكر الأستاذ الدكتور عبد الله السلمي يتبادر إلى الذهن بشكل مباشر اللغة العربية، وحبك لها، وأستطيع القول أنك ابنها البار- نود أن تحدثنا عن هذا الغرام، الذي نشأ بينكما، كيف؟ ومتى اكتشفته؟
 حقيقةً، اللغة العربية هي وجودية في حياتنا، كمجتمع سعودي عربي، وعندما نتكلم عن المملكة العربية السعودية، فهي تقوم على ركائز أولها أنها مملكة، وثانيها تسمية عربية، وثالثها تسمية سعودية كقيادة، وكمظلة، أو خيمة… هذا المكون الوجودي هو ما جعلني اتجه للغة العربية، ربما أيضًا تنشئتي القروية التي تصغي لحِداء الراعي، وتستمع لصوت اَلزُّرَّاع، الذين يجوبون حقولهم ليلًا… كل هذا جعلني شغوفًا باللغة العربية، وقراءتها، ومحاولة التشبث بشعار الشعراء، سواء على المستوى الفصيح، أو الشعبي، ونظرتي للغة العربية ربما تختلف إلى حدٍّ ما بعد أن بلغت من العمر مرحلةً، وأنا عايشت اللغة دراسةً، وتلمذةً، وأستاذًا وأنا أرى أن اللغة العربية أكبر من كل من يلبس رداءها، وينصب نفسه خادماً لها، وفي تصوري أن العربية هي من خدمته، وقدمته، وهي التي فعلت كل شيء له، ولا أحبذ أن نصور العربية على أننا نخدمها، وكأنها مُقعدة، وضعيفة، وأنا أصورها في هذه الحالة كضعيف لاذ بقرملة، والقرمل شجر لا يقي من حُرّ، ولا قرّ. العربية بالضبط هي كأي لغة في العالم، ونجد أننا نهرع إلى اللغة الإنجليزية في تعليم الأبناء لأنها تخدمهم، وتقدمهم إلى الحياة، وتجعلهم أكثر تعاطيًا مع الحياة ومتطلباتها. وأنا أريد أن أقدم اللغة العربية بهذه الصورة، وأريد أن يفزع الناس إلى العربية، لأنها بنظري هي المسلك الحياتي، وهي الوجود، وهي حواجز الزمن المتحركة فالعربية يوجد بها الحاضر، والماضي، والمستقبل، والتاريخ، وهي هوية على مستواها الديني، والانتمائي، وهو ما جعل هذه اللغة العظيمة ضخمة، وأريد أن انتفع بهذه اللغة، ولا أريد أن أنصب نفسي حارسًا لها، بل أريد أن تقبلني هي في جنابها ككيان ضخم.
 * اللهجات كانت موجودة منذ القرن الأول
فرقد: نلاحظ طفرة في الكتابة العامية في منصات التواصل الاجتماعي، وكذلك في حوارات بعض البرامج التلفزيونية، وتكاد تنعدم الفصحى. هل نستطيع أن نقول إن الفصحى في خطر؟
  أرى أن الفصحى، والعربية ليست في خطر أبدًا، وذلك لأسباب أهمها أنها تعتبر مقوما حياتيا موجودا، وعمرها يزيد على أكثر من ١٦ قرنا، واللغة العربية دخلت في تحديات كثيرة، واجتازتها، وأهم مقوم أنها لغة القرآن، وهناك عدد كبير يتحدث بها، وتعتبر لغة عالمية، لا أظن أنها ستضعف، أو ستهتز أمام أي إعصار يظهر في أي زمن، واللهجات كانت موجودة تَارِيخِيًّا منذ القرن الأول، وتختلف بحسب قربها من العربية، ولا أظن أن اللهجات العامية، ستقتلع الفصحى لأسباب كثيرة، ولو كان هناك من يقيس مدى قوة العربية قبل مئة سنة والآن، لوجد العربية الآن أقوى، وحتى الوسائل، التي تتحدث باللهجات تحاول أن ترتقي بلغة أعلى من اللهجة، وأقل من الفصيح، التي تُسمى اللغة البيضاء، لكي توصل رسالتها ببساطة، ربما قبل سنوات طويلة لو تحدث رجل من الجزائر، أو المغرب لا يفهمه الخليجي، والعكس صحيح، أما الآن يتحدثون بلغة تمتد عبر الآفاق، ويفهمها الجميع، وهذا دليل على أنها اقتربت من بعضها، وأنا أرى أن الفصحى ليست في خطر، وليس من المنطقي أن أطالب شاعرا، لديه الموهبة أن يتحدث الفصحى، وأن يعرف المبتدأ والخبر، وعمل إنّ، وعمل كان… فهو يريد أن يعبر عن شعره، وموهبته، بطريقته التي تجعل الجميع يتراقص إعجابًا، فلماذا أُسكت فهمه، وأطالبه بالفصحى، مادام أنه يطربنا بإيقاعه الشعري، الذي فيه استعارات، وكنايات فنية… تجعله مكونا اجتماعيا يجب أن يدرس بطريقة جيدة وواعية.
 * هناك من غير العرب من يفاخر، ويباهي بالعربية أمام مجتمعه
فرقد: هناك ظاهرة واضحة ظهرت في جيل الشباب، الذين- هم ثروة هذه الأمة- يتقنون اللغة الإنجليزية، ويتحدثون بها بطلاقة، وتفاخر، بينما في المقابل البعض- وربما الأغلب- لا يتقن الفصحى، ويشعر بالخجل عند الحديث بها وسط أقرانه، وربما يجد سخرية، ونقدا ممن حوله. برأيك ما هي الحلول لهذا الانكسار الداخلي؟ وما سبب شعورهم بالعار على الرغم من أنها لغة القران؟

 أولًا هذا الجيل محدود ومحصور جِدًّا في منطقة، وبقعة معينة من وطننا العربي، أفرزته ظروف حضارية معينة، واقتصادية… في قوة اللغة المستجلبة، وحضورها الطاغي، وارتباط هذه اللغة المستجلبة بمصدر رزقه، والكثير من الشركات لا تقبل إلا من يجيد اللغة الإنجليزية، وهذا الجانب هو ما جعله يتفاخر، ويتباهى بإتقانه لهذه اللغة، لكن هو في النهاية لا يستطيع أن يتواصل مع مجتمعه ، ومع من حوله إلا باللغة الأم، وصحيح أن هذا الانكسار والانهزام الداخلي نتج عن معطيات حضارية في ضعف إنتاجي، واقتصادي لدرجة أنه في بعض الأحيان، وهو يتحدث بالعربية يشعر أنها لا توصل غرضه، فيلجأ للإنجليزية. وسأعطيك مثالا لهذا الانهزام، وهو عند إحضارك لعامل غير عربي، تضطر بلا شعور لكسر العربية، حتى تجعل هذا العامل يفهمك وأنا متأكد لو تكلمت بعربتيك البسيطة المجتمعية المعتادة، سيفهم، وهذا دليل واضح على هذا الانكسار الداخلي، وبالمقابل هناك جيل في المجتمعات غير العربية يفاخر بالعربية أمام مجتمعه، ودولته، وهناك من يتمنى أن يتقن العربية، وربما الوضع السياسي والاقتصادي الآن، والذي أستطيع تسميته بمنطقة الشرق الأوسط، منطقة بركانية فوارة، لوجود قضايا مهمة، حصلت، وتحصل بها، منها حرب الخليج، وحرب العراق، وقضية فلسطين، والربيع العربي، والكثير. وأيضا وجود الحرمين الشريفين، الذين يعتبران مركزا إسلاميا، وقبلة للمسلمين. هذه الأمور الحساسة جعلت الكل يتمنى أن يتقن العربية، ويتعلمها، ولذلك علينا ألا نرتعب من هذا الجيل. أما بالنسبة للجزء الثاني من السؤال، الذي يتعلق بشعور البعض بالخزي، والعار عند الحديث بالفصحى، فأرى أنه من الأصل ألا يتقعر وأن لا يكثر من الفصاحة في غير مكانها، فاللغة العربية الفصيحة هي لغة كتابة، ولغة تأليف، لغة درس، وندوة، ليست لغة تخاطب يومي، التخاطب اليومي منذ زمن يقوم على اللهجة المحلية، فأهل البادية لهم لهجة معينة، وبائعي الخضار، وكل بقعة لها لهجة معينة، ومادامت جذور هذه اللهجات صحيحة، وتوصل المعنى بالشكل المطلوب، فلا ضرر من استخدامها، ولا تؤثر سلبيا على الفصحى، أما لماذا يتصببون عرقًا عند الحديث بالفصحى في المجالس، ويتعرضون للسخرية، لأنه سيكون نشازا في منظومة، تتكلم اللهجة المحلية، أو العامية، وربما لو أنني ذهبت إلى المنزل، وقلت لزوجتي أيتها المرأة احضري لي كوبًا من الماء، إنني أشعر بصداع طفيف، لاتصلت بأبنائي وإخوتي، وقالت إن زوجي يحتاج لفحص طبي، ربما مسه بعض الجنون فالفصحى لا تصلح للتخاطب اليومي.

 

 * حرصنا إلى حد ما على تهشيم الأسوار الخارجية للنادي الأدبي بجدة
فرقد: نلاحظ شراكة لافتة بين مؤسستين مهمتين، وهي النادي الأدبي، وجمعية الثقافة، والفنون بمحافظة جدة من خلال دمج بعض الأنشطة الثقافية، والأدبية، وكان هناك تنافس بين المؤسستين. ما أثر هذه الشراكة على المؤسستين، والثقافة بشكل عام؟
 لا شك أولاً أن الاستجابة للمعطيات العصرية، ضرورية وحتمية على كافة الأصعدة، ومنها العمل الثقافي، والعمل الثقافي هو كل لا يتجزأ، وهذا المقر الذي هو النادي الأدبي بجدة حرصنا إلى حد ما على تهشيم أسواره الخارجية، حتى يراه كل من يريد زيارته، ومعرفة ما بداخله، وهذا يتطلب أن نتقبل كل طرح ثقافي، ومعطى ثقافي داخل هذا السور اليسير أو المهشم، ليتكامل العمل الثقافي، ربما الإدارة الحالية لجمعية الثقافة، والفنون بجدة، بقيادة الأستاذ محمد آل صبيح تماهت مع هذا الغرض، واستجابت لهذا المقصد، ونحن في النهاية نخدم محافظة كبيرة، وحية، ونشطة… ربما تذوب فيها كل أطياف المجتمع في صورة جميلة من الانسجام، الذي أستطيع تشبيهه بانسجام البر والبحر، وبودي أن أشيد بأخي الأستاذ محمد آل صبيح في استجابته لكثير من البرامج، وتعاونه الملحوظ، لأن الهدف واحد، والمكون الثقافي واحد، باختلاف بعض التفاصيل الداخلية، ولكن الغلاف الخارجي الذي يظللنا جميعا هو الثقافة، وليس غيرها.
 * نتعاون مع المدارس، ومؤسسات التعليم، لنبحث عن المواهب
فرقد: النادي الأدبي بجدة، كيان يحمل ثقلا، وهو الأدب العربي. هل يستطيع الكاتب المبتدئ الانضمام لهذا الكيان، وأن يصبح عضوًا؟ وهل هناك شروط للعضوية؟ وكيف يستفيد الكتب منه؟
 طبعًا نادي جدة الأدبي يعمل وفق خطة لا تبعد أحدا، مهما كانت موهبته، ومرحلته الموهبية، سواء كان شَابًّا في بداياته، أو صاحب تجربة ناضجة، ومهما كانت موهبته سواء كان شعرا، أو موسيقى، أو فنا تشكيليا، أو فلسفة، وغيرها من المواهب الثقافية. فالنادي الأدبي بجدة أبوابه مشرعة لهذا المواهب، وقد كان هناك برامج لنادي جدة الأدبي من ضمنها: برنامج طاقات للمواهب الشابة. وفكرة هذا البرنامج أن يرعى النادي الأدبي بجدة موهبة أي شاب، يتقدم للنادي، فيصقل موهبته، وفعلاً خرجنا بجيل رائع، وأيضاً هناك منتديات تغذي كل شرائح المجتمع، ونحن نتعاون مع المدارس، ومؤسسات التعليم، بحيث نبحث عن المواهب، و نستقطبها، ومن ضمن برامج النادي الأدبي إطلاق جائزة الإصدار الأول، وهو تحفيز لكل من يملك موهبة الكتابة، أو الشعر، أو النقد، أو الرواية، ولكن لا يعرف من أين يبدأ… النادي هنا، يقوم بطباعة نسخ كثيرة من هذا الإصدار، وتعتمد هنا تقنية الإصدار الأول، حتى لا يواجه معايير النقد، ويحسب على النادي طباعة إصدار ليس بالمستوى المطلوب، فيُحبط الكاتب، لأن من المعروف أن أولى الإصدارات للكتاب تكون تجربة، وجس نبض القارئ، بما كتبه الكاتب، وهدف هذه الجائزة هو كسر الحاجز عند الشباب، ونعزز ثقته في أن مخرجه له قبول، ونمنحه عليه جائرة، حتى نحفزه لإصدار العديد، ولدينا منتديات، كرواق السرد، ومنتدى عبقر، ومنتدى الفنون البصرية، جميع هذه المنتديات يستطيع الأديب والمهتم بالثقافة الاستفادة منها، ونحن الآن أعضاء في فن الخطابة العالمي، ودخلنا في المنظومة العالمية من حيث إن الشخص يقدر على إقناع الناس، بما لديه، ولو كان خطأً. وقمنا بتخريج مجموعات نموذجية، ولا نتوقف إلى هذا الحد، بل نجمع بين المواهب الناضجة والمواهب الجديدة، ونخضعهم للتحكيم، ونحاول أن نُشعر صاحب الموهبة المبتدئة بجلوسه مع الموهبة الناضجة أنه أصبح من مصاف هؤلاء اَلنُّخَب، ولا أعتقد أن هناك شاب تقدم لنادي جدة الأدبي، ولم يجد مبتغاه.
 * دخلت العناية الفائقة بسبب كورونا
فرقد:  أُصبت في منتصف ٢٠٢٠ بفيروس كورونا، وأعتقد أنها لم تكن مرحلة سهلة. ما هو الأثر الذي تركته إصابتك؟ وكيف كنت تقضي وقتك خلالها؟
تجربة مررت بها، ومر بها الكثير، وكورونا كجائحة تفوق التصور، والتوقع، ودخلت بسببها العناية المركزة، وكنت في بداية الإصابة أعيش حالة غير إيجابية، ولذلك لأن كورونا اليوم، ليست كورونا في ذلك الوقت، فهي في بدايتها كانت تحفها وسائل الإعلام بكثير من التخوفات، وكانت أرقام الوفيات والإصابات مخيفة، ومقلقة، وكانت القوائم الحمراء، التي بداخلها أعداد الوفيات، وصلت الآن للملايين، وهو ما جعلني أعيش حالة غير إيجابية، وكورونا جائحة فاقت الوصف، ربما تتوقع أن تغلق دولة حدودها، ولكن أن يغلق العالم حدوده، فهذا شيء يفوق الوصف، والتخيل، ولم يسبق لها في التاريخ مثيل. حقيقةً عشتها وعايشتها مثل أي مرض، ودائمًا الإنسان لا يشعر بقيمة العافية إلا خلال المرض، ربما كان جزء من وقتي خلال إصابتي أقضيه في الآهات والمعاناة، والحسرات… مما أشعر به، وأخشى من أن يصيبني شيء من شدة إنهاكي، حتى أنني لم أكن استطيع القراءة، فقد كنت انتظر بفارغ الصبر في طلوع الفجر ألا أيها الليل ألا انجلي بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثلِ فكان ليلها طويل جدًا، وبشروق شمس يوم جديد، كنت أشعر بارتياح، لأنه أشرقت الشمس، التي تدل على يوم جديد بحياتي. ومن مساوئ هذه التجربة هو أنك تكون منعزلا، لا أحد من أهلك، أو أقربائك يستطيع زيارتك، لدرجة أن الأطباء يتعاملوا معي بالهاتف، ودخول الممرضة محصنة بعازل بلاستيكي كامل، يجعلك تشعر أنك في حالة استثنائية، والحمد لله انتهت هذه التجربة، التي لا يمكن نسيانها بكامل تفاصيلها.
 * أشتاق لصوت المطر، وهو يهطل على بيت الشعر
فرقد: نلاحظ من خلال تغريداتك حنينك الكبير للماضي، ويتضح جليًا هذا الحنين من خلال إحدى تغريداتك، التي قلت فيها ‏أبحثُ عن قرية نائية، لا تملك مصباحا… تستضيء بالقمر، والنجوم، يسكنها حفاة لا يهابون المسافات… الحياة فيها تسير بالبركات..
 ‏والتواريخ تُسَجّلُ بعمر شجر الطّلح
 ‏الذي وشمته فؤوس الفلاحين… وعصافير (الفِرْق) تغازل السنابل، وتخاتل الزَّرَّاع… وسيدوم البحث!!!
 حدثنا عن سر هذا الحنين؟
– طبعًا أنا ابن القرية بكل مكونات القرية، وبعد أن أُغرقت في المدنية، وفي الترحال الكثير حول العالم، وقد عملت في أكثر من ٣٦ دولة، لم اجد نفسي إلا حين كانت صرختي الأولى، حين كنت ألاعب صِخال أمي الصغار وأنا جزء منها، حينما كنت أعبث بحقل والدي، كنت أغازل شجر الطلح، والسمر ليلا… كل هذا المكونات، فقدتها في ظل زحام الحياة المعاصرة بكل معطياتها، إلا أنني أبحث عن الأفق، الذي كنت اعيشه، والبراءة التي كنت أعيشها، فأنا في النهاية ابن القرية، ودائمًا أحن لها، حتى حينما أسكن في فندق خمسة نجوم أشتاق لصوت المطر، وهو يهطل على بيت الشعر.
 * لا أجد نفسي إلا وأنا على غدير، أو ألمس سنام جمل
فرقد:  هل تعتقد دكتور عبدالله أنك ستجد قريتك المنشودة بعد بحثك الذي يبدو أنه طال؟ وهل هناك حياة المدينة الصاخبة، التي لم تستهوك؟ ولماذا؟
 – طبعًا أن أجد قريتي المنشودة لن أجدها في أرض الواقع، بل أجدها في مخيلتي، وذاكرتي فقط، لا سيما أن القرى امتدت إليها يد الحضارة، وهذا معطى إيجابي يجب أن نشكر الله عليه، لكن سلب منها تلك المرحلة بكل النقاء والصفاء… الناس لم يعودوا نفس الناس، والقرية لم تعد تلك القرية، الكثل الخرسانية غزت القرى، ولم تعد الدور الطينية موجودة، أما من ناحية سؤالك بخصوص أن المدينة لم تستهوني، فأقول هنا أن المدينة أعطتني الكثير من المُتع الموجودة، لكنها لم تعطني على مستوى الحاسة، ومستوى عواطفي. ما زلت لا أجد نفسي إلا وأنا على غدير، أو ألمس سنام جمل، أو في بيت شعر، أو خيمة أسمع حِداء راعي، ونباح كلب، وغثاء شاة.
 * لا أرى أن الكتابة هي العنصر الذي سيبقي الإنسان موجودا
 فرقد: هل سنرى إصدارا جديدا قريبًا للدكتور عبدالله السلمي؟ وإن كان، بودنا لو تعطينا لمحة موجزة عنه؟
 غير ما أصدرت لا أتصور أنني سأصدر مرة أخرى، وذلك لأنني لا أميل للكتابة التأليفية، ربما مرد هذا لأمرين: أولا أنني لست جريئًا في إخراج الكتب، وثانيًا لا أرى أن الكتابة هي العنصر الذي يبقي الإنسان موجودًا، مادام الإنسان على قيد الحياة، يمشي، ويتحرك، يستطيع أن يوجد نفسه. أما الكتاب ليس إلا مجرد بشت يرتديه مالم يكن الكتاب ذا مغزى علمي، وعلم جديد ينتفع به الجيل الجديد، وهذا في تصوري اضمحل خاصةً في تخصصي تخصص اللغة العربية.
 * بالنسبة لشعري لا أستطيع أن أقرأه
 فرقد:  أدرت العديد من الأمسيات الشعرية، كونك مهتم بالأدب، والشعر كثيرا، مما جعلني أجزم أن هناك شاعر داخل الدكتور عبدالله السلمي، وإن صدق حدسي نود أن نسمع شيئاً لم ينشر، إن كان بالإمكان ذلك؟
 أنا مهتم بالشعر، وأحفظه كثيرًا جدًا، أما بالنسبة لشعري، فأنا لا أستطيع أن أقرأه، وقد أوصيت أبنائي بعدم نشره إلا بعد أن أوارى الثرى، وأنا هنا أشبه ما أكون، وأتذكر بائية نزار قباني حين قال:
 شعري قبائل عشاق بكاملها
 ومن دموعي سقيت البحر والسحب
 ماذا ساقرأ من شعري ومن أدبي
 جحافل الخيل دكت من عندنا الأدب
 ومنطق نزار هنا، أكاد أُسقطه علي، فتجربتي لا تصلح أن تنشر، لأكثر من سبب.
 * يأسرني في النبطي شعر الوصف، وفي الفصيح الشعر الوجداني
فرقد: من هو شاعرك المفضل بالنسبة للنبطي، والفصيح مع ذكر بيتين نبطيين وفصيحين لا ينفك أن يبارحا عقلك؟
 – لا أستطيع تحديد شاعر معين، فأنا أطرب للشعر النبطي، والفصيح، وكل شاعر له زاوية جميلة، وهناك شعراء شباب يأسرون بأسلوبهم الفريد، وأرجو معذرتي، لعدم قراءتي شعر أحد، لكي لا أقع في إحراج، ولكن دعني أقول لك أنه يأسرني في الشعر النبطي شعر الوصف، وفي الشعر الفصيح يأسرني الشعر الوجداني.
فرقد : ختامًا، دكتور عبدالله نشكر لكم قبول دعوة فرقد، ونترك لكم هذه المساحة لتقول ما تشاء فلك الحديث.
– أولاً، أشكر فرقد على جهودها، وعملها، وفريقها، الذي استطاع أن يحفر له- من بين هذا الركام الكبير- منتجا أدبيًا رفيعًا، واستطاعت أن تشكل معٰلماَ في تضاريس الثقافة، ولا أنسى شكر النادي الأدبي بالطائف القائم على هذا الإصدار… وأمنياتي أن يدوم، وشكرا لكم.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *