روبوت

ليلى الزاهر*

في أطراف مدينتي الهادئة بنى لنا والدي منزلًا فخمًا، من يراه يعرف أنّه  يعود لعائلة ثريةً جدًا، تنعم بالخير العميم والرزق الوفير.

لقد ظلّ والدي يعمل ليلًا نهارًا حتى وصل لما نحنُ عليه من الثراء، فوالدي رجل كادح ومناضل، يعمل مجتهدًا لا تقطعه ساعات اليوم، ليوفر لنا حياة كريمة، وأمي خير معين له في السهر على راحتنا، وتربيتنا تربية كريمة.

لا شك أن جميع زملائي في المدرسة يشهدون لي بحسن الأدب، وكرم الأخلاق ويحمل أخي ماهر نفس شمائلي فنحن منحدران من أسرة كريمة، ونشأنا تحت رعاية والدين رائعين.

منذ أسبوع والاستعدادات عند أمي على قدم وساق؛ من أجل حفل ميلاد أخي ماهر، الذي بلغ من العمر ثمان سنوات .

إنّه الطفل المدلل ليس عند والدي فحسب وإنما عندنا جميعًا.

فقد أنجبته والدتي بعد رحلة من العناء والتّعب فأنا أكبره بسبع سنوات.

احتفلنا بميلاد ماهر وسط أجواء عائلية سعيدة، حيث قام والدي بتقديم الهدايا علينا وقد خصّ أمي بهدية رائعة مكافأة لها لما تبذله من

مشقة وعناء أثناء غيابه.

على ما يبدو كان هذا آخر مشهد سعيد جمعنا بوالدي فقد سارت الأقدار بعكس الاتجاه،

أبرقت رسائلها المُحزنة لنا، وأغلقت أبواب الفرح فقد أُصيب والدي وقضى نحبه بحادث سَيرٍ مُروع، وافته المنية أثناء عودته من

عمله.

أصبحت حياتنا مظلمة، نعيش التصحر، ويرتادنا الألم في كل وقت وحين، بل ظلّ ملازمًا لحياتنا لا ينفك عنها.

بات منزلنا مظلمًا بلا مَسَرَّة ولا فرح، إنها لحظات أقْسى من الموت نفسه.

عزيزي الحزن:

أما بعد فلا شيء يُغني فاقدًا عمّا فقد، سوف أُفضي لك بأسرار الشقاء بعد موت والدي.

خطوات أمي المُتثاقلة، توسلات أخي الصغير ماهر في ظلام الليل، شعوري بعظيم العذاب حينما يجلس ماهر عند الباب فيقول:

ماجد أرجوك أترك الباب مفتوحًا لوالدي علّه يعود مُجددًا.

في تفاصيل أيام ماهر تتجسد الدموع ألف مرة.

وإذا كان ألم أمي  مكبوتًا ودموعها  تأبى الظهور فإن دموع ماهر سيل لا ينقطع طوال يومه.

وقليل ما كان يهجع بين أحضان أمي ثم سرعان ما يستفيق وينادي بصوت مبحوح:

أبي، عُد للحظة، لدقيقة فقط، لساعة واحدة، فمازلتَ مُتعرشًا في قلبي وإن انطفأتْ أنواره!

فكرتُ مليًّا في حديث ماهر.

لماذا لا يعود والدي، أعرف أن الأموات لا يعودون ولكن لا بأس بالمحاولة من أجل ماهر فهو لا يزال طفلًا صغيرًا، يحنُّ لوالدي

كثيرًا، فقد الحبّ، وتحطّم السند، وجرت رياح اليتم تشقّ عنان سمائه.

لم يبقَ من أثر والدي عند شقيقي سوى تلك الصورة الكبيرة التي وُضِعت على جدار صالة منزلنا، والتي طالما تسمّر ماهر تحتها، فهو لم يتخيل الحياة بدون أبي!

إنّ للقوة البشرية سطوتها وبصمتها الغامضة، لها أحاديث مقتضبة، وترسانة  قوية تدكّ الجبال إنها قوة العقل التي أحدثت

ثورات تكنولوجية عاتية.

ظهرت معالم الذكاء الاصطناعي في طريقي نحو البحث المستمر، ولاحت في سمائي تكنولوجيا الروبوت التي اقتربت كثيرًا من النظام الحياتي للبشر، وكم شاهدت الكثير من الأفلام التي تطرّق فيها خيال المؤلف الخصب لعالم ميتافيزيقي وسرعان ماتحوّلت  بعض

أحداثه لحقائق تجسدت واقعًا.

في اليوم التالي بدأت بنقطة الانطلاق عند والدتي، كانت أمي متعبة كثيرًا من السهر مع ماهر، رأيتها في الحديقة جالسة في 

نفس المكان الذي يجلس فيه والدي ألقيتُ  عليها التحية وقد بدت عليها  علامات الذبول، قلت لها أمي:

لو أمسكت بخيط واحد  لإسعاد شقيقي ما ترددت في إعادة الفرح على تقاسيم وجهه، قررت أن أساعد ماهر لاستعادة والدي.

نظرت لي أمي بدهشة تخالطها علامات الخوف لأنها كانت مصدومة من حديثي.

فتابعتُ حديثي معها وقلتُ:

أمي كلما اتسعت خطوات العلم قفز بعيدًا نحو آفاق الخيال ليتحول إلى واقع، الفارق الحقيقي بين إنسان وآخر الفكر والخيال أما فوارق اللون والشكل والمكانة الاجتماعية لا شأن لها بإنسانيتنا.

نظرت أمي لي بحيرة وقالت:

إلى أين تريد أن تسدد رميتك بني؟

_ أمي أريد أن استقدم روبوتا من إحدى الشركات اليابانية يشبه والدي ردّت أمي بدهشة:

_ إن مجرد التفكير في وجود شبيه لوالدك يجعل الأمر مستحيلًا بالنسبة لي، ولكن أفعل ما تريد، لعل الله تعالى يحدث بعد ذلك أمرا تدخل به السرور على قلوبنا.

_ أمي هناك تجارة رابحة لصناعة الروبوتات في العالم وخاصة في اليابان فهناك أكثر من مئتين وخمسين ألف موظف يعملون في مجال ذلك التصنيع، ويُعتقد أن هذا الرقم سيرحل للمليون خلال بضع سنوات فقط.

_ ولكن يابني هل هناك بديلًا عن ذلك القلب النابض بالحب؟

وهل سوف تقوم  وحدة المعالجة المركزية في الروبوت مقام العقل الراجح  والقلب الرؤوف؟.

في نهاية الأمر سوف يظل الأب البديل آلة ميكانيكية تخلو من الحياة وتتجرد من المشاعر الإنسانية.

_ لكن يا أمي منذ ظهور عالم الروبوت في الخمسينات وهو يسير بخطوات حثيثة في عالم التقدم، ويتطور مع مرور الزمن وبعد بضع

سنوات سوف يشهد عالمنا تطوّرًا ملموسًا في عالم الروبوت، ليشمل الحيوان والإنسان معًا.

سوف تظهر حيوانات صناعية تُحاكي الحيوانات الأليفة وهي بديل مستقبلي للحيوان، خاصة القطط والكلاب التي أصبحت ترافق

الإنسان في حياته وتحتاج لعناية ونظافة وهذا ماسيوفره الروبوت الحيوان.

ابتسمت أمي وشدت على يدي وقالت:

أشكرك بعمق بني ماجد  لرغبتك في عودة السعادة لمنزلنا كم أتمنى أن تنجح في محاولتك ويصبح ماهر بأفضل حال.

أعطتني أمي الضوء الأخضر في البدء بالعمل، فقمت بالاتصال بإحدى الشركات اليابانية التي طلبت مني الكثير من المعلومات عن والدي، وزودتها بصورة واضحة الملامح لوالدي رحمه الله، واتفقت معها على مواصفات خاصة تقوم بتضمينها لقاعدة البيانات الخاصة بالروبوت الذي سوف يُحاكي والدي.

تعجّبتُ من أن اليابان كأكبر دولة مصنعة للربوت لم يُصنع فيها الروبوت كمظهر تكنلوجي يخدم المجال المعرفي، وإنما كانت الدمى الآلية تُمثل الآلهة وفقا للمعتقدات الدينية عند شعب اليابان، ثم تطور الأمر فوصل لغرض جذب زائري المهرجانات، كألعابٍ للأطفال، وأدوات مساعدة  للأداء المسرحي، وانتهى الأمر بها إلى شكل الدمى المعروف عندنا الآن بمختلف احتياجات المجتمع لها.

حانت ساعة وصول والدي الروبوت، لقد غاب والدي تحت التراب وحضر الروبوت شبيه والدي  فأثار الحزن في قلوبنا مرة  أخرى.

ما أن رآه أخي حتى دُهش وبدأ يبكي مُجددًا، حاولت أن أجد بديلًا لوالدي وأُدخل السعادة على قلب أمي وشقيقي لكن للأسف الشديد لم

يحالفني الحظ في ذلك.

بدا رجلًا آليًا بجميع المقاييس، تحيته الباردة كانت كارثة بالنسبة لي، استدارته الغريبة عندما يعود لموقعه الأصلي تشعرني بذروة

الحزن على والدي.

كان يقوم بتصغير حجمه عند المرور في أماكن ضيقة فغدا صغيرًا لديّ،  ليس بوزن أبي وليس بهيبة جسم أبي.

لم ينجح الذكاء الاصطناعي في إيجاد بديل لأبي رحمه الله فلا مثيل لأبي.

حنقتُ عليه بشدة فقد شعرت ببلاهته، لذلك اسكنته المستودع فأصبح قطعة مُهملة كأصنام قريش البائسة التي لاتسمن ولا تغني من

جوع، بلاحياة، وبلا إحساس غير أن من حولها أعطوها أهمية بالغة.

مع مرور الأيام بدأ ماهر يتأقلم على الوضع الجديد لأسرتنا.

قررتُ أن أصبح الأب المسؤول لأسرتي، أرعى شؤونها، وأقوم بما يقوم به والدي خاصة أن ملامحي بدأت تتشكل  باتجاه والدي،

فأضحى ماهر ملازمًا لي وكنت ملاذه في جميع ما يحدث له، أصبحنا قوة متماسكة كما يريد والدي وكبرنا معا، وفي

أثناء مرورنا بأحداث الحياة المختلفة كنا نتذكر والدي وتوجيهاته وننفدها بحذافيرها.

وكم كنا نشعر بطرافة قصة الروبوت شبيه والدي وقررنا أن نحتفظ به حتى  يراه أحفاده.

*كاتبة وقاصة من السعودية

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: