بعد غياب: السينما تعود في السعودية

 

تحقيق : ابتسام عبدالله البقمي

السينما كقوة ناعمة في المجتمع :

السينما هي وسيلة من وسائل الإعلام والثقافة ، ومن المتوقع أن تخلق فرص عمل جديدة ومتعددة للشباب وكذلك مهن جديدة ، وتقدر عائدات السينما بحوالي 30 مليار ريال على الأقل .

وحسب الإحصائيات الرسمية السعوديون ينفقون حوالي 40 مليار ريال سعودي سنوياً في الإجازات القصيرة للدول المجاورة ، والمتوقع  الآن أن ينفق هذا المبلغ داخل المملكة ،

أضف إلى  هذا خلق حالة من المنافسة بين شركات الإنتاج الإعلامي والفني بشكل كبير جداً .

وعلى المستوى الاجتماعي توجد صالات العرض الكبيرة والمجهزة للسيدات والشباب والعائلات ، وكل صالة مخصصة لفئة عمرية معينة ، وهذا أمر مطلوب ومحمود .

والآن وبعد ثلاثة عقود تعود دور السينما السعودية للنور وتفتح أبوابها ، وتفتح الأبواب للإبداع والفن والفكر .

فمن هنا توجهنا بأسئلتنا للمثقفين والمثقفات في السعودية ضمن المحاور التالية :

كيف ترى /ين طبيعة قرار فتح دور السينما ، وما تداعياته على المستوى الداخلي والمجتمعي ؟ هل تعتقد/ين أن المجال الفني في المملكة العربية السعودية يسمح بنجاح صناعة السينما ؟ بمعنى أدوات السينما من إنتاج وفنين ، واستديوهات وممثلين ومخرجين ؟

ثم هل تعتقد/ين إمكانية الفيلم السعودي وهو مازال في طور الظهور أن ينافس في المهرجانات السينمائية الدولية ؟ ، وأخيراً : هل تتوقع /ين أن يتكوَّن جيل جديد من كوادر العمل السينمائي ؟

يقول القاص والروائي السعودي عيسى مشعوف الألمعي :

أنا مؤيد لفتح دور السينما في المملكة ، فهي نافذة ثقافية تنهض بوعي المجتمع وتفتح له معارفاً جديدةً وتعزز الاقتصاد ، وتتيح التنافس بين الكتاب والفنانين وصنَّاع السينما ، وتخلق فرص عمل للشباب من الجنسين وهو قرار صائب وجريء وباعتقادي أنه تأخر كثيراً ، ولكن لا بأس، فالوصول متأخراً أفضل من عدم الوصول بالكلية، ولن تكون له تداعيات سلبية على المجتمع بل بالعكس سيكون له تأثيرات إيجابية ، ونحن نعلم أن الفضائيات في كل بيت سعودي وفيها كل شيء وليس عليها رقيب ، لكن السينما ستكون محل إشراف ومتابعة ؛ فلم الخوف وتهويل الأمور ؟!

أنا أعتقد أنه يلزمنا في البدء معهد لصناعة السينما وآخر للفنون الجميلة ، ومدربين في كتابة السيناريو والنص المسرحي ؛ حتى يكون العمل المنجز وفق علم ومعرفة وليس خبط عشواء واجتهادات شخصية وشللية إذا ما أردنا التفوق والجدارة والوصول للعالمية ، ونحن والحمد لله لدينا القرار الحكيم من حكومتنا الرشيدة ، ولدينا المال الذي هو ركن أساسي في صناعة السينما

ولأن الدعم الحكومي مهم في البداية ومن ثم تصبح السينما صناعة .

ولم لا يكون الفيلم السعودي قادراً على المنافسة في المهرجانات السينمائية الدولية ؟ ، خاصة ونحن نشاهد حضوراً لا بأس به الآن في بعض المهرجانات لكنها تبقى محاولات فردية ، وإن كان ليس بالحضور المرضي ، و لكن بالوعي والممارسة والعلم والعمل المؤسسي المنظم سيكون للفيلم السعودي حضوره ومنافسته عالمياً .

أتوقع أن يكون لدينا جيل جديد من كوادر العمل السينمائي ، خاصة في زمن التقنيات الحديثة وبرامج التواصل ( سوشيال ميديا ) سنجد جيلاً يتقن فن صناعة السينما ويبدع فيها ، وينافس الدول المتقدمة بدعم المجتمع دعماً مادياً ومعنوياً بقوة الإرادة .

الشباب السعودي لديه عقل نظيف لكنه يحتاج للدعم والتشجيع والفرص ، ونحن نرى أن بعض الشباب أبدع في صناعة أفلام في اليوتيوب ونالت مشاهدات كبيرة جداً .

السينما ثقافة ووعي وسلوك ، تسمو بذائقة المجتمعات ، وتعزز روح الانتماء الوطني ، وهي أيضاً تجارة داعمة للاقتصاد الوطني مثل ما نراه في الدول التي لها باع طويل في السينما مثل :  مصر، وأمريكا ، والهند ، على سبيل المثال لا الحصر .

فيما أبدت الشاعرة نجلاء مطري رأيها قائلة ً :

أعتقد أن عبارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- كفيلة بالرد على هذا السؤال ، فقد قال في عبارته المشهورة : ( نريد أن نعود إلى ما كنا عليه ، الإسلام الوسطي المنفتح على العالم ، ولن نضيع 30 سنة من حياتنا ) ، والسينما كانت متواجدة في السعودية قبل أربعين سنة وتحديداً في جدة ، ولطالما حكى لي أبي وحكت لي أمي عن وجودها وأماكن تواجدها ، وقد وقف الجميع مع هذا القرار بوعي لأنه لطالما كان أغلب الشعب السعودي واعياً بدور السينما في تأثيرها الإيجابي على الناشئة  ، وأنها ستقدم أفلاماً سينمائيةً زاخرةً بهذه القيم والثوابت التي تسير وفق معايير وسياسة الإعلام في المملكة العربية السعودية ، ومن الطبيعي أن يكون هذا القرار ناتجاً عن حنكةٍ ووعي من قبل شاب قائد يدرك المرحلة القادمة التي تتطلبها الدولة السعودية الجديدة الفتية .

فإذاً لابد أن نضع ثقتنا في شبابنا السعودي فهو قادر على خوض غمار هذه التجربة بكل احترافية واقتدار ، وعلى إدارة دفة العمل السينمائي إلى السينما العالمية ولنا في المخرجة هيفاء المنصور والأعمال التي قدمتها أجمل مثال ، فقد كان لها صداها محلياً وعالمياً ، كما نجد المخرج بدر الحمود وعبدالله آل عياف وعبدالمحسن المطيري وكل الأعمال التي قدمت وأخرجت وأنتجت على أيدي شباب سعودي ؛ استطاعت أن تتلمس قضايا المجتمع إنسانياً واجتماعياً .

وما دامت هذه الأعمال تقدم محتوى يراعي  الأحكام الشرعية ولا يخل بالقيم والثوابت فسنصل حتماً للعالمية في هذا المجال بمشيئة الله .

ويقول الكاتب نبيل حاتم زارع :

فتتاح السينما في السعودية يعتبر تأكيداً على الاهتمام الثقافي بأحد الأدوات الهامة ؛ لأنها تعتبر صناعة لها مدخلات ومخرجات ، ورسالة سامية تستطيع من خلالها تعالج وتناقش أي ظاهرة وبالإمكان أن تجد من خلالها الحلول المناسبة ، وهي جزء هام من حياة المجتمع الترفيهية التي يحتاجها الجميع ، وفي نفس الوقت ستكون فرصة كبيرة لدراسة هذه الصناعة من ناحية علمية، ومن ناحية فتح معاهد متخصصة ، والبدء في النظر بالقراءة لها من زاوية أكثر عمقاً ومهنية .

ولا شك بأنها ستتيح المجال لمن يجيدون العمل بهذه الصناعة وتخلق وظائف نتيجة اهتمامهم بها ، فبكل تأكيد هناك المخرج والمؤلف والممثل وستخلق جيل له اهتمامات .

أجزم أن الفيلم السعودي سيفرض نفسه نتيجة التنوع الفكري والثقافي في المجتمع السعودي، بالإضافة إلى التنوع الجغرافي ، وسيكون المجال كبيراً للتنافس الذي يأتي بتبادل الخبرات والاحتكاك بالمحترفين .

بينما تعلق القاصة والروائية مريم الحسن وتقول :

أنها من أنصار قرار افتتاح دور السينما في المملكة ، وتراه قراراً صائباً بلا شك ،  ولو أنه جاء متأخراً جداً ، لكن مازالت الأجيال تحتاج إلى تفعيل دور السينما في نقل الثقافة وبثها عن طريق المشاهدة ، وهذا النوع من التطوير بالسينما هو نقل لتجارب وثقافات على نطاق واسع تسمح للمشاهد أن يحكم على بعض المواقف أو يفكر بقضايا مهمة ، ويرى العالم من وجهة نظر شخصيات الفيلم ، والأحداث التي تصور المشاعر، والانفعالات ، والحالات ، والحقيقة ، والافتراضات ، والقضايا التي تعرضها القصص المطروحة من خلال التمثيل ، بتوصيل معانٍ لا يمكن إيصالها من خلال القراءة ، أو الاستماع ، أو حتى الحوار والنقاش ، ومن المؤكد أن هذا يعتمد على نوعية اختيار نوع الأفلام وأذواق المشاهدين كل مشاهدٍ وثقافته .

وهناك استعداد كبير جداً عند شريحة من الشباب لهم طموحات عالية وهم بحاجة فقط لفتح المجال لهم ، وستكون هناك مفاجآت مذهلة لن تصدَّق ، ومن ناحية أخرى فالمملكة قادرة على توفير كل ما يلزم لنجاح هذا المشروع وبنجاح باهر ، وذلك بناءً على تجارب سابقة في دول الخليج العربي ، والاستفادة منها وتخطي المشاكل والعراقيل .

ولماذا لا ينافس الفيلم السعودي في المهرجانات السينمائية الدولية ؛ فالأفلام السعودية القصيرة نجحت ، وإني على يقين بنجاح قادم ، ومؤمنة بأن ليس هناك مستحيل ، نتفاءل بالخير لنجده .

وأتوقع أن يكون لدينا جيل جديد من كوادر العمل السينمائي ، وبشكل كبير جداً ومن الجنسين ، أقول ذلك عن تجربة في عمل السيناريو وإظهار العمل بشكل جيد مع فريق قمة في النشاط والاستعداد والقادم أجمل .

بينما يرى الشاعر والروائي عبدالله محمد العمري:

الحديث عن السينما من قبل البعض يشبه الحديث عن الغول في الأساطير الشعبية ، ذلك الحيوان المفترس الذي يأكل الناس ويأتيهم فجأة دون سابق إنذار ، وعند البعض السينما تشبه الماء والغذاء في أهميتها ، وكلا الموقفين من وجهة نظري غير منطقي ؛ فالسينما عمل بشري واضح المعالم يتطور بتطور أدواته والتقنيات المساندة له ، وهو رهن التقنين الذي يحكمه عقل الإنسان ، وسياساته ، ومرحلته الثقافية في بيئته التي يتعامل معها ويتأثر ويؤثر بها ، أما من حيث الرأي في افتتاح دور السينما في المملكة العربية السعودية فهذه الدور كانت موجودة بالأساس حسب ما يدور من أحاديث في الأوساط المهتمة بهذ الفن السابع كما يسميه البعض ؛ ولهذا يكون القرار هو قرار بإعادة افتتاح دور السينما ، وبما أن القرار قد تم اتخاذه فرأيي ينحصر في متطلبات تنفيذ هذا التوجه من قبل الجهات المكلفة ، والجهات المرتبطة بآلية التنفيذ وقياس مدى الرضا  وجودة الأداء ، وإن كنت أرى أن العتبة الأولى للوصول إلى فن سينمائي مكتمل الأدوات والعناصر هو المسرح ، الخشبة التي من خلالها يمكن تقديم الفن بعدة صور مؤثرة ومتنوعة ، وبالتالي الانتقال إلى السينما وفق تنوع في المخرجات ، وفهم عميق لمعنى التطور في الأدوات الفنية والقدرات الإبداعية ؛ ليمكن تأسيس عمل منظم يكون قاعدة يبنى عليها عمل سينمائي طموح يصل إلى مرحلة الصناعة والتعامل مع السينما كوعاء يستوعب المكون الثقاقي الخاص للملكة العربية السعودية ، البلد الغني جداً بمفاهيمه الثقافية المتنوعة ، وبقيمه الدينية والإنسانية المتجذرة ، وبإمكانياته البشرية ، وبانسجامه المؤسس والمبني على ركائز مشتركة لأطيافه وطوائفه المتلاحمة والمتناغمة ؛ حتى لا تكون فكرة السينما مجرد شاشة عرض كبيرة ينقل من خلالها مشاهد فارغة من هويتنا الوطنية ، وثقافاتنا المتنوعة المذهلة الجاذبة ؛ فنبتعد بأجيالنا عن الفكرة الأم والهدف الأسمى لقرار إعادة افتتاح دور السينما ، فالحكومة تتخذ القرارات الاستراتيجية وتدع للمسؤول المجال الواسع لتنفيذ هذه القرارات بما يتفق مع التوجه العام للدولة ، وينسجم مع ثقافة المجتمع ، ويحافظ على هويته ويبرزها في إطارها الأمثل .

وباستطلاع آراء المجتمع السعودي حول هذا الموضوع قالوا :

هبة محمد جمل الليل : السينما كانت موجودة قديماً ، وتنقل لنا تاريخ وحضارات مناطق أخرى ، وتعتبر نقلة نوعية في المملكة ستساهم في تطوير اقتصاد القطاع الثقافي والإعلامي خاصةً أن العروض ستتوافق مع القيم والثوابت ، وتتضمن محتوى ثري وهادف ، ومثل هذه الخطوة ستوجد فرص وظيفية جديدة للسعوديين .

عبدالله العسيري : لاشك أن أي حراك ثقافي اجتماعي أو اقتصادي في أي بلد له إيجابيات وله أيضاً سلبيات ، وانطلاقاً من ذلك فأن قرار افتتاح دور السينما في السعودية له مقاصد ثقافية واقتصادية وسياحية ، والمجتمع السعودي بحاجة إلى الاكتفاء الذاتي في الجانب الترفيهي كجانب مهم لأي مجتمع يسعى للانفتاح الحضاري ؛ ولذلك فأنا أعتبره على المستوى الشخصي قراراُ مهماً سيفتح آفاقاً اقتصاديةً واجتماعيةً مهمة .

خديجة الكثيري : أرى أن السينما رائعة وممتعة إذا تمت بالتخطيط الذكي وباختيارهم للأفلام العالمية وأوقات وأيام العرض للفيلم لها دور فعال للنجاح .

ثم أخذنا وجهة نظر الكاتب والسيناريست المصري هشام أبو المكارم حول قرار منح تراخيص لإنشاء دور العرض السينمائي في السعودية فقال :

لا يمكن لمثقف أو مهتم بالسينما إلا أن يشعر بالسعادة كردة فعل على قرار المملكة العربية السعودية مؤخراً بمنح تراخيص لإنشاء دور العرض السينمائي ، ليس فقط لأن هذا القرار يعبر عن توجه جديد لدى المملكة ، بل لأنه  ينحاز إلى الفن باعتباره وسيلة مهمة وفعالة لبناء المجتمعات المتقدمة ، لكن لأن المنطقة العربية كلها تحتاج إلى اعتماد الحكومات على الفن بشكل عام ، والسينما بشكل خاص باعتبارها الوسط الأهم لمواجهة الفكر المتطرف الذي أدى لظهور موجات الإرهاب ، والتي اكتوى بنارها غالبية دول العالم .

أن السعودية سوف تجني بعد عدة سنوات ثماراً مهمةً لتوجهاتها الجديدة ، خاصة إذا لم يقتصر الأمر على افتتاح دور العرض السينمائي ، وإنما الدخول في مجال الانتاج السينمائي بقوة بحيث ينتج رأس المال السعودي أفلاماً سينمائيةً كبيرةً تكون قادرة على المنافسة بقوة في السوق بشكل عام ، وفي المهرجانات العالمية على وجه الخصوص .

والأمر ليس حلماً بعيد المنال خاصةً إذا علمنا أن أول فيلم إنتاج سعودي كان عام 1950 وهو فيلم ( الذباب )  بطولة الممثل السعودي حسن الغانم ، وتلاه خلال فترة الستينات فيلم ( تأنيب الضمير ) إخراج المخرج السعودي سعد الفريح .

2 thoughts on “بعد غياب: السينما تعود في السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *