الأصدقاء مراحل

اشتكيت لصديقي مشعل من تغيّر الأصدقاء، والتقلّب السريع في مودة الرجال.

فقال لي: لابد أن تؤمن أن الأصدقاء مراحل.

مشكلتي أني لست مؤمنًا أنهم مراحل، رغم أنهم خلّفوني وحيدًا..

وأتساءل دائمًا: لماذا؟

هناك سبب جديد يضاف في قائمة أسباب إنهاء العلاقات في هذا الزمن، وهو: لا شيء، لا يوجد سبب، العدمية.

إن العلاقات في عصرنا الحاضر هشة لدرجة أنه ينهيها اللاشيء، أو ينهيها الزواج، أو العمل، أو أي سبب تافه آخر.

هناك دعوة فردانية منتشرة بشكل كبير في أروقة مواقع التواصل.

إنها موجة تدعو الفرد للعزلة، والتخلي عن الناس، وتعظيم الانفراد والتقليل من شأن مخالطة الناس؛ ولهذا نشأ لدينا جيل عاكف على الأجهزة الإلكترونية، فقير في مهارات التواصل الإنساني.

لقد تأثرت جميع العلاقات الإنسانية بهذه الدعوة بدءا من الأسرة، ومرورًا بالصداقة.

إن الأشخاص الذين يكونون “مراحل” في حياتنا ليسوا أصدقاء؛ إنهم معارف؛ ولكننا أخطأنا في تصنيفهم منذ البداية.

لا أستطيع التخيّل أن أكون محطة انتظار لأشخاص آخرين.

إذا وافقت -اعتباطًا- على مبدأ “مرحلية الأصدقاء” إذن أنا محطة.

يؤسفني أن أتحوّل من إنسان إلى محطة!!

المشكلة أن الواقع يفرض عليك تحولات كثيرة في حياتك، كأن تكون محطة عبور مثلًا!!

قال أحمد خالد توفيق: “كل ما أريده هو شخصٌ يبقى كما كان، ولا يفاجئني يوماً بأنه روح أخرى لم أعرفها”.

إنهم يتحوّلون سريعًا يا أحمد، أسرع مما تتخيل.

يقولون أن الأصدقاء ملائكة ترفعنا حينما تعجز أجنحتنا على تذكّر كيفية التحليق؛ لكن أصدقاءنا الحالييّن سحقونا، وعلمونا كيف نحبو ونمشي على أربع.

لقد أقنعونا بعدم وجود السماء، فقط أخبرونا عن الخنادق..

قال لي مشعل: هل تؤمن بوجود الأصدقاء؟

وإلى الآن لم أجب.

يبدو أني سأنحني وأقبل -مكرها- بأنهم مراحل بكل أسف.

هناك علاقات تحمل “أهدافا” مشتركة لوقت معين، وحينما تتحقق هذه الأهداف، أو تغيب، تذوب هذه العلاقة.

إن الأشخاص حاليًا يرحلون مخلّفين وراءهم كمية كبيرة من: (لماذا؟).

الحقيقة أن المودة تتغير؛ ولكنها لا تنتهي، انتقلت من طور إلى طور، كاستجابة طبيعية لمتطلبات الكون.

لقد احترم “أندريه مالرو” الشجاعة الفائقة عند الإنسان، الكائن الحي الوحيد الذي يعرف أنه سيموت، ثمّ يظلّ يضع مشاريع للحياة!

الأصدقاء هم مشاريعنا للحياة، ومصيبة إن كانت هذه المشاريع فاشلة.

الإنسان بنيان، لعن الله من هدمه.

الذين يرحلون بدون سبب: يهدموننا يا مشعل.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: