إدارة الأمسيات الثقافية روتينية سائدة و مهنية غائبة

إعداد_أمينة فلاته 

 لإقامة الأمسيات الأدبية والثقافية أهميّة كبرى في الارتقاء بالمجتمع الثقافي والحفاظ على الهوية الثقافية التي نفخر بها دوماً، و من خلال الفعاليات المقامة تتم استضافة شخصيات ذات معرفةٍ و حضورٍ متمكن للمشاركة وإبداء الرأي أو تقديم محتوىً أدبيٍّ ثقافيٍّ هادف.
هذه الأمسيات تتطلب معايير وسمات هامة بإدارتها تدفع بالأمسية إلى الجودة والتميز.
ومن هذا المنطلق نقدم قضية العدد في “مجلة فرقد الإبداعية”
القضية الثقافية لعدد الشهر، التي تتمحور حول “إدارة الأمسيات الثقافية”، نتنقل من خلالها عبر الغرف الثقافية المتعددة؛ الأمسيات الأدبية والثقافية، حضورية كانت أو عبر المنصات الافتراضية. نلقي الضوء على الروتينية والمحسوبية في الأمسيات. وسمات مدير الأمسية، وكيف يكون له دورٌ مؤثرٌ في الارتقاء بالمستوى الفكري والتنظيمي للأمسية.
يشاركنا هذا الحوار نخبة من الأدباء والمثقفين، من خلال الإجابة على المحاور المطروحة:
المحور الأول: ما هي الآليات المهنية المتبعة في إدارة الأمسيات الثقافية وكيف نقضي على الروتينية السائدة في إدارتها ؟

المحور الثاني: هل هناك محسوبيات لاختيار أسماء من يديرون الأمسيات وما أوجه النزاهة الثقافية في الاختيار؟

المحور الثالث: ما هي السلبيات التي ترونها في إدارة الأمسيات الثقافية؟ وما المطالَب التي تسهم في الارتقاء بتلك الأمسيات لتوائم الأهداف الحقيقية للثقافة والأدب ؟

 

وجود تطبيق راصد للنشاطات الثقافية 

ويبدأ حوارنا حول القضية الإعلامي والمشرف العام على القناة الثقافية سابقاً الأستاذ عبدالعزيز العيد حيث يرى أن:

الآلية المتبعة، هي تقليدية توارثناها أباً عن جد، وهي إلى حدٍ كبير تؤمن العدالة والمساواة في طرح الأسئلة، وتوزيع أزمنة الإجابة من كل ضيف، وكذلك التقسيم العادل بين المتداخلين حضورياً، أو عن بُعد.
في ظني أن الملل يتسرب إلى نفوس الجمهور من رتابة حديث الضيوف، وعدم إتباعهم التواصل السليم مع الجهور صوتاً وإيماءات ورسائل مباشرة بالعيون والأيدي أو لقراءة الرتيبة المباشرة من الورقة، والحل يكمن في تقسيم حصص المشاركة بين المتحدثين إلى وحدات أقصر، لاتتجاوز العشر دقائق، والاستعانة بعروض الشاشة (الصور أو الفيديو)، واعتماد العناوين المثيرة قليلاً في الأوراق المقدمة، وكذلك في المقدم الحيوي الذي يستطيع قراءة الحالة النفسية للصالة ولا أستطيع الجزم بالمحسوبية، لكن تكرار الأسماء في مديري الحوار أحياناًً يجعل السؤال منطقياً.
وما أراه واقعاً الآن هو قلة من يستطيعون إدارة الأمسيات الثقافية بشكل عام، وعلى الجهات المستضيفة أن تكتشف وجوهاً جديدة، وهي حاضرة فعلًا في المجتمع، وتحتاج إلى الاكتشاف والتحسس، ولكن للأسف الجهات المسيرة للشأن الثقافي في كثير من الأحيان ( تريح رأسها) وتذهب للمضمون والمعروف، بحكم الخبرة والسمعة، وتخشى التجريب مع الوجوه الجديدة، خصوصاً في الموضوعات القوية، أو مع الشخصيات ذات الصيت، مخافة الفشل. ويذكر الأستاذ عبدالعزيز سلبيات الأمسيات الثقافية كما يراها حيث قال: السلبيات هي كالتالي:-
_طول الوقت دون فائدة تذكر
-أحياناً الاختيار الخاطئ في الشخصية للحديث
_مدير الحوار الضعيف
_عنوان الحدث الباهت
_تشابه المتحدثين في المضمون نظراً لتشابه اختصاصهم
_عدم منح الجمهور الفرصة الكافية للتداخل والتعليق
_عدم التوازن في منح الوقت للمتحدثين
_خلو الحديث من الأرقام والإحصاءات الدقيقة فيما يستدعي ذلك
_عدم مناسبة القاعة لأعداد الجمهور، وطريقة مواجهة الخشبة للصالة.
_التغطية الإعلامية السابقة والآنية واللاحقة للحدث الثقافي.

ما أتمناه هو وجود تطبيق على مستوى السعودية، يرصد النشاطات الثقافية، وتسجل فيه، ويستطيع كل زائر أن يعرف أي حدث ثقافي يحضره في أي مدينة، في أي حقل من حقول الثقافة والفن والأدب.

 

على أصحاب القرار مواكبة مرحلة التميز

ويشاركنا الحوار الأكاديمي والشاعر ماهر الرحيلي بقوله:

قبل كل شيء ينبغي ألا يقبل بإدارة الأمسية إلا من كان ملماً بمضمونها عارفاً لمحتواها مهتماً بالقضايا المتصلة بها، إذا تحقق هذا الأمر سنضمن جزءاً كبيراً من نجاح إدارة تلك الأمسية الثقافية.

و‏القضاء على الروتينية يمكن من خلال عدة أمور منها: التجديد في طريقة التقديم، وتجاوز التعريف الباهت بمقدم الأمسية، والتعليق على بعض الجزئيات المطروحة من مقدم الأمسية بعمق، وإثارة أسئلة جديدة، وفتح باب التعليقات بأكثر من وسيلة تواصل ما أمكن، إضافة إلى الاستعانة بالمغذيات البصرية، والابتعاد عن الصبغة الرسمية، كما يمكن إعداد مداخلات رصينة متصلة بمضمون الأمسية، والحقيقة أن هذه ممارسات رأيناها في بعض الأمسيات وإن كانت قليلةوبالتأكيد هناك ممارسات غير موفقة أحياناً في الاختيار، والأمر كما ذكرت سابقاً ينبغي أن ينطلق من قناعات المكلَف نفسه بإدارة الأمسية إن كان يصلح لها أم لا، أما الاختيار فينبغي ألا يكون للمجاملات أي دور فيها، مدير الأمسية الأنسب والأجدر هو الأقرب إلى مضمونها والمتحمس لها، وأحياناً يكون من الجيد تكليف أصحاب الحضور المميز في الوسط الثقافي بإدارة الأمسية بما يعود بالنفع على الأمسية إعلامياً، مع الحذر من تكرار الأسماء ما أمكنلنتحدث عن الإيجابيات وكيف نتقوى بها، نحن نعيش الآن مرحلة جديدة وزاخرة بالتوجهات الثقافية المميزة والمبادرات غير المسبوقة من قبل وزارة الثقافة، لذا من اللازم على أصحاب القرار في كل المؤسسات الثقافية أن يواكبوا هذا التميز وهذه المبادرات، بتجدد واعٍ، وتلمس فطن لمواطن الابتكار في طرق إقامة الأمسيات الثقافية وموضوعاتها واختيار من يقومون عليها.

المحسوبيات باب مفتوح في الأوساط الثقافية 

ويجيب الشاعر مروان المزيني على محاور القضية بقوله:

تُعَدُّ إدارةُ الأمسياتِ والمحاضراتِ مهارةً يمتلكُها البعض، رغم أنَّ تلك  الإدارةَ تتأثرُ بالمؤثراتِ المحيطةِ من حيثِ اختيارِ الموضوعِ المطروحِ، أو من حيثِ الأسماءِ المرشحة ِلاعتلاءِ المنصةِ والوقوفِ أمامَ الحاضرينَ للحديثِ من مخزونٍ أدبيٍّ وجدليةٍ ثقافيةٍ تثري الساحةَ الثقافيةَ والأدبيةَ، لا شكَّ أنَّ الأصلَ في تلكَ المنظومةِ هو سلامةُ الهدفِ والطريقةِ إلا أنَّ بعضَ التداخلاتِ المبررةِ تتحكمُ في جدولةِ تلكَ الموضوعاتِ وبروزِ بعضِ الأسماءِ، والمحسوبياتُ والمصالحُ بابٌ مفتوحٌ بل وواسعٌ في الأوساطِ الثقافيةِ ولكن عندما يكونُ المتلقِّي هو الحكمُ فإن كلَّ زيفٍ لا يستمرُّ وكل هشٍّ سوفَ يسقطُ، ولن يبقى عند المثقفينَ الحقيقيينَ إلاَّ أصحابُ الحرفِ النقيِّ الراقي العميقِ المتصلِ بجذورِ الأدبِ الأصيلةِ.

يظلُّ لكل واحدٍ وجهةُ نظرهِ ورؤيتُه للموضوعِ من خلالِ مرئياتهِ ويظلُّ الأدبُ في نهايةِ المطافِ هو الشمسُ المضيئةُ في سماءِ المعرفةِ.

 

نحتاج لإعداد الكوادر وتأهيلها  أكاديمياً

وتشاركنا الكاتبة جمال بنت عبد الله السعدي برأيها حول القضية حيث قالت:

لا شك أن الأمسيات الثقافية تعد نافذة ذات بعدين داخلي وخارجي، حيث تلقي الضوء على نتاج أدبي فكري ثقافي، فيزداد المتلقي معرفة وثقافة بموضوع، أو مجموعة موضوعات تشغل فكره أو تثري خبرته، أو تخاطب روحه و تبهج نفسه في محيط يجمع أقرانه، و يروى عطشه للمعرفة.

وبذات الوقت تضع المثقف والمفكر صاحب الإنتاج في بؤرة الضوء، تلقي بظلالها على نتاجه و فكره، وفك ما استغلق على فهم المهتم بنتاجه من الطرح الذي تناوله، وتوسع آفاق المتناول والتداول، والنقد والتحليل والتعليل مما يثري حصيلته و يبرز إبداعهوهنا يأتي دور إدارة الأمسيات الثقافية في الإحاطة بهذين الجانبين و منح كل طرف مساحته للتعبير والنقاش والاسترسال دون إفراط ولا تفريط، بمهنية احترافية شاملة و ملمة، فليس كل من أدار أمسية أجاد، ولكم هُضِم حق الضيف بتركه يسرد أو يلقي نصوصه دون بث الحيوية من تعليق أو نقاش أو حوار، ولكم هُمِّش حق الحضور بعدم منحهم المساحة الكافية للنقاش مع ضرورة الضبط للوقت، وفن التدخل في الوقت المناسب دون إحراج، فالإدارة فن يدخل في شتى المجالات، و في كل عمل نقدم عليه، يحتاج إلى خطة محكمة مدروسة، وحسن إعداد، وجودة تنظيم واستغلال أمثل للموارد المتاحة  من  وقت ومادة  وعنصر بشري – الحضور والضيف – ولا ريب أن من يتصدر المشهد في إدارة الأمسيات عليه إتقان فنون العملية الإدارية؛ ليخرج بأفضل النتائج، وبما يرضي جميع الأطراف قدر الإمكان مع مراعاة المستوى الفكري والثقافي للمشاركين والحضور، فلا بد من الإلمام بتاريخ الضيف و أسلوبه وسيرته الذاتية ونتاجه ليشتمل اللقاء تغطية جوانب من حياته وأثرها على إبداعه، والمحسوبيات في اللقاءت الثقافية وإدارة الأمسيات عامة للأسف موجودة بالغالب الأعم، وكثيراً ما تعتمد على العلاقات الشخصية، أو الاستسهال بعدم توسيع دائرة البحث عن جديد، أو تأهيل كوادر جديدة في المنظمات والجهات الثقافية والأدبية تحسن إدارة الحوار، وكي نرتقي باللقاءات والأمسيات الثقافية نحتاج لإعداد الكوادر وتأهيلها أكاديمياً، أو عبر دورات متخصصة بلغة الجسد، والإلمام والإحاطة بأدب الحوار، وسلامة النطق وبشاشة الوجه، ومهارة الإلقاء و سرعة البديهة والارتجال والاستنباط والاستدلال من الحوار لخلق أسئلة متجددة، غير رتيبة أو مملة، مع الثراء الثقافي بموضوع اللقاء ومقام الضيف والجمهور مما يمنح اللقاء رونقه وتحقق الهدف منه.

 

اختيار مدير الأمسية بحسب نوعها

ويعلق الكاتب دخيل الشمراني على محاور القضية بقوله : 

لا يخفى عليكم الحراك الثقافي الذي تعيشه مملكتنا الحبيبة من خلال الفعاليات الكثيرة وما يتخللها من أمسيات ثقافية بأنواعها سواء كانت شعرية أو قصصية أو نقدية وغيرها.. وما نلاحظه أحيانًا من سوءٍ في إدارة مدير الأمسية الذي لا يكون بمستوى الحدث والضيوف ..

بعض الإعلاميين الذين يُسند لهم إدارة أمسية لا يفرقون بين الأمسية والحوار، فيمطرون ضيف الأمسية بأسئلة لا ضرورة لها ويحاولون استعراض عضلاتهم الثقافيه وإحراج الضيف بلا داعي والاستئثار بالحديث لأكثر وقت ممكن وهذا لا يصح .!

في رأيي الخاص أن مدير الأمسية يجب أن يكون شاعراً إن كانت شعرية وقاصّاً إن كانت قصصية وهكذا لأنه يستطيع القبض على محاور الأمسية وإدارتها بشكل جيد ..!

لن أتحدث هنا بمهنية ونظريات علمية في الإعلام فلها ساحاتها.. لكن سأتحدث كمتابع لما آراه

مدير الأمسية يجب أن يكون ذكياً، سريع البديهة، يعطي الضيوف وقتهم بعدل، ولا يسمح للملل أن يتسلل إلى الحضور أو الضيوف وذلك بكسر الجمود والأجواء الجدية التي تسود المكان، ويتلطف مع الضيوف ويكسبهم؛ لإخراج أجمل ما لديهم..، فلو ساهم في توترهم لخرجت الأمسية من بين يديه، وهناك أمثلة لا مجال لذكرها، قد يقول البعض أن هناك محسوبيات في اختيار مدراء الأمسيات؛ أقول لهم نعم للأسف هذا موجود فعلاً لكن كيف نتخلص منه ؟

يأتي هنا دور الإعلام الواعي المسئول المثقف حين يتوقفون عن الإشادة بهؤلاء سيبتعدون، وبرأيي وكما أسلفت ولكي نساهم بالارتقاء بأمسياتنا لتواكب ثقافتنا وأدبنا علينا اختيار مدير الأمسية بحسب نوعها ليستطيع استخلاص ما عند الضيف بطريقة أدبية عميقة، ولا يغفل الجمهور الحاضر فهو أهم سبب لإنجاح أي أمسية.

 

غياب النزاهة وتغير الأدوار جلي في أمسياتنا

 

وتعلل الإعلامية أميرة باسيم سبب ركود الأمسيات وقلة الإقبال عليها بقولها:

يتبادر إلى ذهن المثقفين سؤالاً أظنه الأقرب إلى حال الأمسيات الثقافية هل تعاني الأمسيات الثقافية ركوداً وبياتاً فصلياً يشمل جميع فصوله السنوية؟

أمام سطوة مواقع التواصل الاجتماعي  والقنوات الفضائية وسرعة انتشار النصوص الجيد منها والرديء وانتشارهم السريع بين القراء والمهتمين، فلا تزال الأندية الأدبية تعاني قلة الإقبال والبطء الحركي ولا تزال تعاني من فجوة استمرار النشاط التقليدي المبعوث من جدرانها عند إقامة أمسية ثقافية ما، تعاني جمود وجليد تكبر مساحته بين الأرجاء وغياب مقلق،  عندما ترى عن قرب الصورة تجد مراكز وأندية ومجلات إلكترونية وورقية وكتب مطبوعة ومنصات منتشرة  لكن هناك فجوة أيضا، الفجوة تكمن في المنظمين والمنظمين التقليدين بشكل خاص عندما تتحول الساحة إلى منافسات عقيمة وأسلوب تقليدي روتيني عتيق كأننا ننسخ ونلصق لا تجديد وأيضا الصمت الغير مبرر للمتضررين، السيطرة الداخلية تحسبها توريثا ولا يزال الفكر عقيم ومازال المتفرجون يلعبون دور الكومبارس، غياب النزاهة وتغير الأدوار وإعطاء الفرص يظهر جلياً في إدارة أمسياتنا الثقافية، حتى أنك لا تجد تجديداً يُذكر، في زمن كورونا سيطرة الأمسيات الثقافية والشعرية على منصات التواجد المباشر وأظهرت فعاليتها لكنها تفتقر أيضا إلى التجديد والتنويع والروح؛ لذلك حتى تعود لنا ساحة الأمسية الثقافية لابد أن ندرك شيئاً مهماً:-

هل ستكون الأمسيات تحت سيطرة المحسوبية مرة أخرى أم سنغير آلية الترتيب والتعامل ونجدد طاقم مل دورة ثقافية تحددها مجموعة مجهزة من كافة الفئات العمرية والتخصصية والثقافية ؟ المجموعة المتكالمة التي تدير الأمر حتى ينجح؟

والسؤال الأهم ماذا تحتاج الأمسيات الثقافية لتعيد نفسها من جديد وتدخل في المنافسة الشرسة التي حولها؟

حتى تدب دماء جديدة في شرايينها هناك فئة جماهيرية جديدة تسطع بين الشباب وطلاب المدارس والجامعات ومتجولي السوشيال ميديا هنا فئة مهمشة تحتاج أن تمد لها يد العون لإدخالها وسط الحشود وسماع صوت كلماتها لا تختصر الأمسيات الثقافية على كتاب ومؤلفين وشعراء من زمن معين تقف عنده الخيارات إنما الانطلاق الحقيقي هو استقطاب قاعدة جماهيرية تحتاج جرعات ثقافية وترفيهية وفنية لديها الاستعداد للمشاركة، تنتظر فرص تتاح أمامهم ليندمجوا وهذا دور الأمسيات الثقافية، نحتاج أيضا لترويج فعال ومتقن واختيار الوقت المناسب للانطلاقات وإعلان جيد لجذب المهتمين باختلاف تخصصاتهم، دمج التخصصات كالموسيقيين والشعراء وكتّاب القصص والفنانين الأطفال وقصصهم المثيرة، الأطباء واهتماماتهم الأخرى بجانب أعمالهم التشكليين والمؤلفين  وجود مثل هذا يخدم المشاركين ويثير حماستهم لإعطاء الأفضل والابتكار والتجديد محفزًا مستمرًا لإعطاء الأفضل، ونحن نسعى دائمًا وأبدًا إلى مواكبة جيل متفتح، مطلع، قارئ، مشارك، مقدام، لديه ما يقوله ولديه الكثير ليطرحه، فدورنا هنا أن نكون الفسحة السماوية التي يرحل لها بكل شوق.

 

إدارة المحسوبيات لا أثر ولا إثراء 

 وللأستاذ محمد عوض العمري رأيه في إدارة الأمسيات يلخصه في قوله: 

في كل أمسية ثقافية يستبشر المهتمون بالجوانب الثقافية ويتناقلون خبرها ومكان وزمان إقامتها علها تروي ظمأ مشاعرهم، فيتكبدون عناء الحضور وسماجة بعض الحاضرين، ويبدؤون في الاستعداد للمتابعة بالإنصات وربما بالإصغاء. وينبري عريف الأمسية مستجمعًا كل قواه المعرفية والثقافية المتقعرة، ويستقصي كلماته بدلو من عمق بئر المعاجم، لعله يلفت الانتباه ويتباهى بمخزونات لغوية يعتقد أنها ضالة المتلقين. وما علم أنهم أصابهم ما أصابهم من ملل السماع وانتظار ما سيبدعه الضيوف الحقيقيون، الذين سبق تألقهم حضورهم الجسدي، وما جاؤوا إلا لمزج جمال إبداع الضيوف بجمال حضورهم.، أما (العريف) أو مدير الأمسية ومقدمها فهو في بعض الأحيان من يشوه الأمسية، إما بتقعره واستعراضه، أو بتعليقاته التي يبثها حسب فهمه محاولاً فرض توجهه لفهم أمر قد يراه المتلقون كل حسب زاوية اهتمامه.

والسؤال المباح هنا من المخول بترشيح هذا وإبعاد ذاك عن إدارة الأمسية؟

هل لعلاقاته الشخصية؟ أم لمكانته الاجتماعية؟ أم لاعتبارات أخرى؟

طبعًا كل هذه التساؤلات وغيرها واردة وبقوة، ولكن أين الاختيارات النوعية ذات المهارات الثقافية لإدارة هكذا أمسيات؟

طالما تخضع إدارة الأمسيات الثقافية للمحسوبيات فلن يحقق الهدف المرجو وإن كان الضيف من كان، فمقدمة الكتاب تعطي الانطباع القبلي لمحتواه، ناهيك عن كون من يدير الأمسية لم يبذل أي جهد حقيقي لتقديم الشاعر أو الأديب أو المثقف بما يليق من معلومات ودراسة وافيه عن الضيف ومنتوجاته الثقافية؛ لذلك لن تجني من الشوك العنب!

ولن يكون لأي أمسية تدار بـ (محسوبيات) أي أثر أو إثراء، وسيكون مصيرها مصير سابقاتها التي أديرت بنفس المستوى، ولكي تؤدي الأمسية دورها وتحقق الهدف المرجو، فلا بد من تنحية الجوانب الشخصية والبحث عن طرائق النجاح، بعيدًا عن المجاملات والمحسوبيات أو البحث عن النجاحات الشخصية، والبحث عمن يتوقع منه المساهمة في نجاح الأمسية بعيدًا عن العواطف والعلاقات الشخصية، وإنما بالجدارة والمقدرة.

والجميع يطمع ويتطلع لإبداع طريقة جديدة في تقديم الأمسيات، عسى أن تكون طريقة تجديد في الإدارة، تبعدنا عن روتين وحشو الطرق المعتادة.

وهذا لن يكون إلا بتغيير آلية اختيار من يدير الأمسيات.

 

محاور مبرمج وآخر مثقف 

ويوضح الإعلامي عبدالعزيز عطية العنزي سمات المحاور الجيد من خلال إجابته على المحاور المطروحة حيث قال:      

قال الله تعال في  سورة القصص على لسان سيدنا موسى عليه السلام، (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ).

للحديث حوار وكلمات نستمع لها فنجد في تعابيرها اختلاف مرهون باختلاف الشخص أو المتحدث، من هنا نستطيع أن نميز ما بين من تكلم بلسانه ومن كان حديثه نتاج عقله، وبين من تكلم بلسانه وبين من حديثه نتاج غيره.

كما نشاهد في بعض من يلقون الكلمات أو يتحاورون مع الجمهور، فتجد الشخص منهم لديه البديهية و ينتقي الكلمات بعناية ويجعل منها عبارة مقنعة ومنطقية، هذا هو المحاور المثقف الذي لا يمل المتلقي من كلماته أو من أسلوبه في إدارة  الحوار، بينما تجد من هو مُبرمَج على النطق بالمحفوظ، تميزه برتمه السريع بالحديث او بالحوار، وبالكاد يجد المتلقي فرصة  للإفلات  من حدود تلك البرمجة، كما تجد حديثه ركيكاً وإذا لم يجد إجابة  تتغير ملامحه، إذاً وجب الإشارة إلى أن المحاور لابد من أن يكون لدية إلمام بالثقافة، ولديه حظ من المعرفة وطريقة للحديث.

 

النمطية تسطح اللقاءات وتبهتها 

وتفند الكاتبة أمل الحامد عوائق نجاح الأمسيات وحلول تخطيها بقولها: 

لا شك أن في المشهد الثقافي الذي تشهده مملكتنا الغالية إشارة إلى الازدهار الفكري ودعم للحراك الثقافي، ولم يعد مستغرباً تعاهدها لكل ما شأنه إبراز ذلك الجهد للعيان، إن التحدي الذي نصطدم به في كل مرة نتعرض فيها لعجلة المعرفة السريعة  يكمن في وعينا التام بقيمة تلك المعرفة  من وجهة نظر مستنيرة؛ فالعناية بالفكر ليس أمراً سهلاً وهو الفارق الذي يقاس به ارتقاء الأمم لاحتياجه مساحة من الدراية والكثير من المهارة والذكاء؛ لأننا لانقصد بتلك  المعالجة شيئاً مادياً إنما نسعى لصياغة كيان فكري مستقل، ولعل الأمسيات الثقافية تتحمل واجبا مجتمعياً نظير تصدرها دعم ذلك الحِراك بشكل ما، غير أن المؤسف أن ثمة عوائق جوهرية لابد من الانتباه لها، وأخذنا لتلك العوائق بعين الاعتبار سيحدث نقلة نوعية، وسنأتي على ذكر بعضها على سبيل التمثيل لا الحصر.

النمطية: على وجه العموم إن النمطية التي تدار بها أغلب أمسياتنا انطلاقا من  الفكرة والهدف  وانتهاء بالمُخرج يفوت علينا الشيء الكثير، ففي ضياع الفكرة الجيدة في استنطاق ذلك البوح بصورة إبداعية إهدار للطاقة الثقافية وتضييع للثروة الفكرية على مستوى الفرد والمجتمع، وعند غياب الهدف الموضوعي في رسم خطة  قابلة لقياس العائد الإيجابي من هذه الأمسيات فلن تعدو كونها لقاءات سطحية عقيمة وستبهت سريعاً إذ أن الروح الحقيقية سلبت منها فلم تعد ذات قيمة

المحسوبيات: كما أن  للمحسوبيات والوساطات عند اختيار الفئة المشاركة دوراً بالغ الأثر في طمس الهوية الثقافية بمفهومها الحيادي المتجدد على المدى البعيد، وبسبب تلك الممارسات الغير مسؤولة سيخبو صوت المثقف الحقيقي شيئا فشيئا وسيُحجب ظهور هذه الشخصية  خلف الظل  بهضم حقه الشرعي  في المشاركة،  وما نلبث أن  يتصدر الساحة الجهلة الفارغون  والمقلدون وسيسود عصر التخلف في أبشع ثوب.

ولعلنا نجمل القول بطرح بعض المقترحات المعينة على تخطي تلك العقبات:

في البداية التماس من لديه حس الأمانة و المسؤولية في تقلد زمام الأمور فيما يتعلق بمجال الثقافة عموماً وإقامة الأمسيات الثقافية بوجه خاص،  فلم يعد الأمر اختياريا بل هو شرط للوصول للتميز.

ثانياً: ضرورة اختيار كادر مؤهل من النخبة والمهتمين وفق معايير معينة لإدارة الأمسيات  زمن إقامتها

ثالثاً: تحديد أهداف رئيسة عامة  من كل أمسية، يقاس من خلالها العائد على الجمهور أو المشارك من تلك الأمسية.

رابعاً: الابتعاد عن الطريقة التقليدية في إدارة اللقاء ذلك بالسماح للجمهور بالمشاركة فتكون الأمسية تفاعلية لتوسيع الدائرة الإثرائية وللتعرف على المواهب الجديدة.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

18 Responses

  1. قضية جديرة بالطرح والاهتمام
    من المحاور والإجابات
    يتضح أن المثقفين والمهتمين بالفكر والآدب وفنونه
    لم يتسنى لهم حتى الآن اللقاءات الثقافية التي تحتوي أفكارهم
    وتحترم آرائهم ..
    لم يجدو البيئة الجاذبة والداعمة القائمة على اهداف واضحة وأسس قوية
    كل مانراه اجتهادات شخصية تقل فيها الخبرة وتستمد استمرارها ليس من الجودة بل من المحسوبيات
    أ. أمل موضوع جداً مهم ويحتاج إلى عقول نيرة وجهود مستمرة وتجديد وتحفيز واستقطاب لمن يستحق لقب كاتب ومثقف وأديب ومفكر حتى يخرج للعالم بوجهه المبهر ولقاءاته الاكثر تأثيراً
    سلم الله أناملك التي كتبت فأبدعت 🌹❤️

  2. شيء جميل جدا ورائع .. ومعلومات وآراء فكرية جميلة عن إدارة الأمسيات الثقافية .. لا شك أن المسؤول عن إدارة الأمسية كلما كان ذكيا ومثقفا كانت الأمسية ناجحة ..

    بارك الله فيكم ا امينة على الجهد الرائع وسلمت الأنامل على هذا الترتيب والتنظيم..

  3. سررت بالمشاركة واستمتعت بالطرح المثري..كل الشكر ا. أمينة على إتاحة المشاركة والشكر موصول لفريق العمل

    دمتم بود
    أمل الحامد

  4. ماشاء الله بارك الله في جهودكم أ.امينة محاور جميلة فعلا الامسيات الثقافية تجذب المستمع بااسلوب التشويق في الاللقاء واختيار الموضوع الجذاب من مقال او شعر او قصة تجذب اذن السامع وتحرك الاحساس فيشارك المحاور وكأنه يعيش مع كلماته
    بوركتم والى الامام

  5. الأمسيات الشعرية هي عنوان تقدم ورقي وإشباع ثقافي ووجداني،منقطع النظير وهي منابر تقوم بإيصال معلومة للجمهور وذلك عن طريقالأمسيات الشعرية هو بحاجتها،ولاتقل في أهميتها عن عن التأليف للكتب،حيث يلزم الحصول على موافقه من جهات مخولة للإذن بإقامة هذه الأمسيات الثقافية أو الشعرية المتنوعة وتقام هذه الأمسيات الشعرية سواءكانت بمناسبة أو بغير مناسبة.
    يعد ويقدم برنامج الأمسيات الشعرية، من ادارة الامسيات الشعرية من أشخاص متخصصين وأصحاب مدارك ومهارات لاتوجد عند عامة الناس بل عند تقتصر على قله اصحاب الأسلوب الثقافي والراقي والجاذب للجمهور المتلقي .

  6. من المواضيع الهامة التي تستحق تسليط الضوء عليها ، شكرا ا. امينة على جمالك الغير متناهي وشكرا على استضافتي وانني شاركت مع هذه الكوكبة الجميلة والرائدة .

  7. جهودكم موفقة ومباركة فرقد الإبداعية
    طرح قضايا فكرية قيمة ومواضيع شائقة ما نحتاج وهو ما تتميزون بها
    شكرا لهذا اللقاء وشكرا أستاذة أمينة فلاتة و كافة منسوبي مجلة فرقد الإبداعية

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: