“هُدَى ياسر و تجليات القصيدة النثرية” – مقاربة نقدية

*د. يوسف حسن العارف

(1)
هدى ياسر تكتب الشعر وخاصةً (قصيدة النثر) منذ العام 2019م عندما أصدرت أولى تجاربها الشعرية الناضجة عن (طوى للثقافة والنشر والإعلام) بعنوان: “ثمة حفل في الداخل”، ثم ثاني الإنجازات: “لا يوجد شي لعرضه” عن نفس الناشر عام 2011م، ثم ثالث الدواوين وآخرها – حتى الآن – الموسوم بـ: “كأي شيء يطير عالياً “، عام 2013م، وأخيراً الديوان الرابع (قيد النشر) الموسوم بـ (يسكن فمي وحوش)!!
وفي كل هذه المجموعات الشعرية يلحظ القارئ تلك اللغة البيضاء التي تتكئ على مفرداتها اليومية والتلقائية وعناصر الدهشة والمفاجأة، دون بهرجات بلاغية أو تقعرات نحوية وإنما تأتيك بانسيابيتها وبساطتها المموسقة داخلياً وفجائيتها وتكثيفها ومفارقاتها، التي تنبئ عنها النماذج المائزة في قصيدة النثر المعاصرة!!
كما أن القارئ الواعي، والقارئ لما بين السطور وتحتها سيلحظ تلك الجرأة القولية والأسلوبية الملتبسة بشيء من جماليات التمرد والتموضع خارج المألوفات المجتمعية والذوقية، مما يدل على الرغبة لدى الشاعرة في التحرر والخروج الفني والتخطي وعبور بعض الحواجز والتقاليد والأعراف التي يضعها المجتمع والأسرة من أسلاك شائكة للتوخي والحذر. وينبئُ عن كل ذلك كثير من الصور الشعرية الدالة على الجسد وأشواقه وممارساته وغواياته وقلقه وتوقه إلى كسر التابوهات والأطر والأقواس التي يقف عندها كثير من مبدعي الشعر المحلي في تشكلاتهم الفنية وممارساتهم الشعرية ومدارسهم المذهبية!!
(2)
منذ ديوانها الأول وحتى الرابع، تنتمي القصيدة/النَّص لدى الشاعرة إلى قصائد الومضة، أو الـ (ق.ق.ج)، فنجد الإيجاز والتكثيف اللغوي وعدم المباشرة، واللغة الإيحائية والإدهاش والختام المبهر.
تقول في أحد نصوصها الفاتنة:
جرعة مخدر،
   هذا ما أعني به صوتك
    وهذا ما وصفته لصديقة
حين يرتكب صوتك مسمعي
عفواً، عندما يرتكب صوتك كياني/
أضحك بشكل هستيري
يحدث هذا كل يوم،
وكل يوم تسأل أمي لي العافية (الديوان الأول، ص 15)
هنا – في هذا المقتبس – نلحظ الشاعرية المتجددة، وعدم التقريرية التي عهدناها في كثير من شعرنا التقليدي، فصوت الحبيب كما جرعة المخدر التي تحيل متعاطيها إلى ضاحك بشكل هستيري، وليس لمن يراه إلا الدعاء بالعافية وهو دور الأم مع الشاعرة!!
وتقول في نص أكثر فتنة ومقروئية:
تعلمنا من المدرسة كيفية الصلاة أول مرة.
أمي منذ السادسة تنهرني.
صوت الأذان/ الجيران/ الناس في الأماكن العامة،
يذكروني بالصلاة.
تمنيت لو أن أحدهم أخبرني،
لماذا نصلي“.  (الديوان الأول، ص 84)
وفي هذا المقتبس تبدو الجرأة في السؤال، والتوقف عند المسلمات (أياً كانت [دينية مثلاً في هذه الومضة الشعرية/ الصلاة]) وما تفعله العادة أو العادات المجتمعية في الشخص المسكون بالأسئلة والبحث عن القناعات وعدم الرضوخ للقوانين القَبلِية!!
وفي مقتبس ثالث، تنتصر للشعر وللشاعرة، وتجعلهما في أفق عالٍ، أفق كوني، تشرق شمسه كأعظم مفاجأة، تقول:
لا أحد يعتني بالليل مثل شاعرة.
تسحبه على جدرانها يتأملان بعضهما/ تكتب القصيدة
الفارهة
يرضعها الليل فتشرق من نافذة الغربة شمس
كأعظم مفاجأة
كونية” (الديوان الأول، ص 83)
بهذه الومضات النصوصية، وفضاءاتها الشاعرية يتأكد لنا أن الشاعرة هدى ياسر تنطلق إلى آفاقها الشعرية بخصوبة لغوية وطزاجة أسلوبية، ومعرفة لقيمة الدلالات والرمزية في النص الشعري النثري وفق حمولاته الحداثية.
وهي بذلك تحدث صخباً شاعرياً عبر أيقونات شعرية تفاعلية تنبئ عن شاعرة تكتنز الكثير من النماذج الواقعية، والآفاق المجتمعية، والفضاءات الرمزية.
(3)
وتتنامى الفضاءات الشعرية في تجربة الشاعرة (هدى ياسر) المتضمنة خليطاً وأمشاجاً من القضايا الفكرية والسياسية والوجدانيات الذاتية. ومن ذلك ما جاء في ديوانها الثالث ص ص 117-122 حيث حمَّى الربيع العربي الذي عانته بلاد كثيرة، فتجيء الشاعرة لتعيد توصيفه في مقاطع ستة تحمل عنواناً لافتاً “لا أحد يستريح منذ الحُمَّى” فتقول في أحد المقاطع:
هذا الربيع القادم بشراسة
حاصداً، الأخضر واليابس على حد سواء
أظنه يرتدي زي جاره
ياللخيانة” المقطع (4)، ص 120
وفي مقطع آخر تؤكد هذا التوصيف السياسي لمرحلة الربيع العربي تقول فيه:
لا أحد يستريح منذ الثورة
الدماء تسيل حتى في أيام العطلة ناقلة العدوى إلى الأجنَّة
ممتدة إلى الشرانق ونبض العالم،
حتماً،
إنها حُمَّى الربيع” المقطع (5)، ص 121
وفي المقطع الثالث تتتالى النصائح الشعرية للقائمين على أمر الثورة والقادمين على آمال التغيير إلى الأفضل وفق سنن الربيع الكونية فتقول:
على الفلاحين الجدد أن يفعلوا شيئاً حقيقياً
يعيد إلى الربيع عقله
…..
على الفلاحين الجدد استيعاب مجدهم
…..
وأن لا يجعلوا الأمور تتسلل من الأسود
إلى أسود قاتم المقطع (3)، ص 119
وفي سياق أسري/ اجتماعي تتنامى القصيدة/النَّص عند شاعرتنا (هدى ياسر) لتصل إلى حالة (اليُتم) التي يعيشها كثير من أبناء المجتمع، فتأتي الشاعرة لتقف على هذا البعد النفسي والحالة اللاشعورية لمن فقد والده!!
فتقول في نص بعنوان: في ذكرى وفاته الـ 21 ما يلي:
لو أن سائق الشاحنة استيقظ متأخراً
دقيقة واحدة/ لكانت إحدى وعشرون سنة تكفي
لصنع تراث مثل: (كل فتاة بأبيها معجبة).
….
لكنت شاهدت والدي يستقبل شيخوخته…
لكنت وجدت رجلاً/ يضمني إليه كلما أردت”  (الديوان الأول، ص ص 96-97)
وفي هذا المقتبس تلمس التوجّد على فقدان الأب منذ واحد وعشرين عاماً، وافتقاد الرجل الحاني الذي يضم ابنته كلما احتاجت إليه، ولافتخرت بذلك القول التراثي (كل فتاة بأبيها معجبة) وهنا توظيف شعري للمثل المعروف مما يدخلها في أيقونة (التناص) وتجاذباتها النقدية!!
وتقول في نص آخر بعنوان (آبائي العديدون):
سائق الشاحنة ساهم في سيناريو يتمي
….
وعبرتُ رقائق طفولتي بلا أبي؛
تلاحقني صفعات الشفقة
….
أفلتُ تلك الصغيرة من يد والدها، أتشبث به
أقبض على طرف والدٍ آخر، أرجو تذكرة لعب،
وهناك أمام المطعم أطلب ثمن الوجبة
من والد آخر،
….
ياربي،
أما لو تركته لنا حتى نبلغ العشرينات من أعمارنا
أنا وإخوتي؟
تعلم أني غير ساخطة/ أناجيك ربي“. (الديوان الثاني، ص ص 103-104)

وعبر النص السابق نلحظ بكائية يتيم متفردة في شعريتها، مؤلمة في وقعها النفسي، فهذه الطفولة التي مرت دون أب، والتي تلاحقها صفعات الشفقة، وذلك الطفل الذي يبحث عن أبيه في آباء الآخرين فيمسك هذا ويرجو هذا، ويطلب من هذا بحثاً عن الأب الحقيقي الذي اغتالته الشاحنة. وفي آخر النص نجد أن كل ذلك ليس تسخطاً ولا اعتراضاً على الأقدار ولكن المناجاة والابتهال للرب سبحانه:
“تعلم أني غير ساخطة/ أناجيك ربي”
وتتكرر هذه اللوحة البكائية لليتيمة التي فقدت والدها:
أمي الأرملة/ نفسها نسخة الأب
……….
أخبئ وجهي/ تكيل لي اسطوانتها..
أنت فتاة بلا ظهر
التهم الموت أباك/ فاعقلي“. (الديوان الثاني، ص 109)
وتتنامى هذه الأيقونة الشعرية في نفس الديوان ص 125، ص 168.
وفي الديوان الثالث نجد هذه البكائيات على فقد الوالد بطرائق شعرية متنوعة وكلها دالة على الفقد الأبوي.
تقول الشاعرة:
في يوم الأب/ أعانق رجلاً تسجل صورته

غياباً عن بطاقة العائلة”  (الديوان الثالث، ص 23)
وتقول أيضاً:
لو أن أبي ما أخلص لحظة القدر
لكنت الآن أبحث عني في زمرة المفقودات
لعل أبي في كماله الأبوي/ كان يقصد موته” (الديوان الثالث، ص 55)
في هذه المقتبسات نجد الألم والتحسر والبكائية الشاعرية نحو أهم مكونات الأسرة (الأب) تحديداً ودوره في صناعة المستقبل وتأمين الحياة للأبناء والأطفال.
(4)
كما يبرز في مدونة الشاعرة (هدى ياسر) التجليات اللونية كثيمة تتكرر صورها وبلاغتها وتمظهرها في مجمل أعمال الشاعرة. ولعلي أقف أولاً مع ديوانها (الرابع) الذي لم يُطبع بعد، حيث يجد القارئ تلك التمظهرات اللونية مثل قولها:
أنا البنت السمراء/ التي دفعها اليتم برفق الأم/ إلى المدينة/ وحركت نصف العالم بـ همسة” (الديوان الرابع، ص 3)
ومثل قولها:
في وسعي تبني الليل/ ليس لأن النجوم تجعله ثوباً
يلائم فتاة تتهيأ للقاء،
….
سأتبناه لأنه أسود!!” (الديوان الرابع، ص 22)
ويتكرر ذات اللون الأسمر في نص (حبيبي قال هذا):
لست ككل البنات
….
  …..
وأنا سمراء أبتكر الفصول،
حبيبي قال هذا” (الديوان الأول، ص 82)
ويأتي (الليل) كمفردة دالة على اللون الأسود في كثير من نصوصها وفي مجمل تجربتها الشعرية عبر الدواوين الأربعة، ففي الديوان الأول نجد اللون الأسود ودلالاته وإيحاءاته أكثر من 6 مرات، وفي الديوان الثاني حوالي 8 مرات، ويقل بعد ذلك في الديوانين الثالث والرابع ما بين مرة إلى مرتين!!
كما نجد الألوان الأحمر، البنفسجي، الأزرق، الرمادي!! وفي ذلك دلالة نفسية وذاتية تنبثق من الواقع الذي تعيشه الشاعرة ربما!! أو بما تحمله تشابكاتها المضمونية من خلال الدلالات التي تحيل إليها الألوان، فاللون عند الشعراء ليس ذلك اللون المرئي والمشاهد بالعين المجردة، بل يتحول عند الشاعر إلى لغة وتجسيد وإشارة ورمز دال على إحساس ما وشعور ما يرتطبان بنفسية الشاعر ومضمون القصيدة. فاللغة الشعرية دائماً لغة إيحاء وترميز والشاعر الحقيقي هو الذي يجيد لعبة الكشف والخفاء ودلالات التجلي والترميز، وشاعرتنا (هدى ياسر) من أولئك الشعراء المجيدين للمضامين اللونية في قصائدها ونصوصها التي بين أيدينا!!
(5)
ومن الجماليات الشعرية اللافتة في هذه التجربة الشعرية، ما أسميه بـ (النص القروي)، إذ نجد في الديوان الثاني مقاطع ثمانية تحت عنوان (جدتي والقرية) تقودنا فيه الشاعرة نحو فضاءات (القرى) وثيماتها (الإبستمولوجية) متخذة من رمز (الجدة) مدخلاً للصور والمضامين الشعرية/ القروية:
الشتاء مقبرة القرية

كل القرى صارت انفصامية
   بخلاف أسلافها
النسوة بأغطية الرأس/ يعبرن وسط الرجال
      كملائكة/ اسم الله عليهن…
والمسارب تحفظ الحكايات
جدتي في (الديرة)/ تنظر الجارة الحميمة/
      تثرثرن عن غنمات الجارة البعيدة/ عن
أحاديث (المساريب) وتحت (الصفف)….
… جدتي
جدتي لم تمت/ جدتي في الديرة
تؤنس الحياة
قريتي الثريَّة / قليلة الكلام/ تدلق لي حكاياتي
ثوب زهري مشجر/ سروال مقلم/ ومسفع أصفر/
ألعاب الصغار مازالت تبهجني/ بساطة قريتي
تهديني السرور/ وذكرياتنا الحلوة تنمو معنا
قريتي الحبيبة كما في صغري ضميني
……
بهذه اللغة الشغوفة بالماضي، بجلال القرية، وتماهيها في الذات الشاعرة من خلال (الجدة) وجماليات المكان وأناسيه وتموضعاته وحكايات أفراده من النساء/ وتجليات الأزياء الشعبية، والمواقف الحياتية القروية تحاول الشاعرة أن تنقل القارئ إلى تلك الأجواء الفانتازية التي عَلَقَتْ بذهن الصغيرة من ذكريات حلوة نمت معها، وبساطة عاشتها، ومساريب سارت فيها، ونسوة وسط الرجال كملائكة، والجدة في الديرة/ القرية تؤنسن الحياة!!

ومن هذا الجمال الشاعري والأحاسيس الصادقة تجاه القرية وأبعادها الماضوية، نصل إلى وقفتنا الأخيرة مع بعض الصور والمضامين التي تتناثر في تجربة الشاعرة (هدى ياسر)، والتي تمثل الأنوثة في مستوياتها الجسدية ورغباتها العاطفية وكوامنها النرجسية، والتي أحيل القارئ إلى شواهدها النصوصية عبر دواوينها الأربعة المشار إليها في بداية الورقة النقدية، ففيها ما يشئ بالفضاءات الشعرية الصادمة للمألوف المجتمعي، والقيم السائدة والتي يعتبرها بعض القراء من فصيل التمرد والتحرر والخروج… ولكنها عند ذوي التخصص النقدي والشعري ذات دلالات على مقاربة المسكوت عنه والكشف عن الخفي والسرِّي في حياة المجتمع والأفراد!!
والذي أراه – هنا – أن لجوء الشاعرة – وأي شاعرٍ آخر – إلى هذه التداعيات ما هي إلا فضاءات ماضوية شعرية يفترض أن تتجاوزها، فهذه الآلية الشعرية لا تفيد الشاعر ولا تقدم الشاعرة بما يليق فكرياً وشعرياً وأدبياً. لأنها من الزمن المتقادم قبل ثورة الاتصالات وعولمة الكون، فلم تعد جاذبة للقارئ ولا مضيفة إليه فكراً جديداً، وإنما هي تقليد وتمرد ومصادمة للذوق المجتمعي، وتقليب للنزعة الشهوانية والسير في طرقات وعرة من محاولات التخطي والعبور للحواجز القيمية والأخلاقيات الأدبية.
ولعلي أهمس في أذن الشاعرة – فيما ستقدم من أعمال شعرية منتظرة – أن تبتعد عن مثل هذه المضامين الشعرية والتخفف من لغة الجسد والأنوثة المتحررة تلك التي عرفتها المدونة الشعرية (النزارية) مثلاً، أو الرواية (المستغانمية) كذلك، والتي لا تثير فضول القارئ الواعي والحصيف، لاسيما وأن الزمن قد تجاوزها، فالهواتف الذكية، ومواقع التواصل الاجتماعي والروايات الجندرية قادرة على تقديم الكثير من تلك الصور والمقاطع الأيروتيكية!!
(6)
وأخيراً.. فهذه قراءة عجلى في تجربة الشاعرة (هدى ياسر) الشعرية ساقتنا إليها الظروف الأدبية التي تفتحت لنا مع فعاليات معرض الرياض الدولي الذي ودعناه قبل أيام معدودة وسعدنا فيها بالتعرف على نموذج جديد من كتَّاب قصيدة النثر تغافل عنها المشهد النقدي المحلي حتى آن الأوان للتعرف عليها في هذه المقاربة النقدية.

*شاعر و ناقد سعودي

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: