النخيل في شعر إبراهيم منصور

قراءة محمد فوزي أبوغانم *

للنخيلِ حضورٌ طاغٍ في الشعر العربي، قديمهِ وحديثه، ولن تجد شاعرًا عربيًا إلا وقد كتب عنه، أو على الأقل ذكرهُ في بيتٍ أو بيتينِ من قصيده، حتى بات النخيل جزءً لا يتجزأ عن الصورة الشعرية ومصدرًا أصيلًا لها. وقد استمد النخيل مكانته الرفيعة هذه من مكانته الواقعية بين الأشجار؛ فالنخيل سيد أشجار بلاد العرب، ولا تخلو منه بادية أو مدينة، ولا يوجد عربي إلا وأكل من تمره ورطبه، أو مسافر إلا واستظل بأفيائه وظلاله. وكانت النخلة منذ العصر الجاهلي تحظى بالتقديس والتبجيل، فكانت عند عرب الجاهلية مقدَّسة لأنها تحمل معاني الخصوبة والأنوثة، لذا كن النساء الجاهليات “يضعن حليهن وأثوابهن على جذوع نخل نجران ابتغاء للذرية من الإلهة “عشتار” التي  كانت تلبس القلائد والقروط.” [1]

وقد نشأ شاعرنا إبراهيم منصور في إحدى قرى محافظة كفر الشيخ بدلتا مصر، وارتبط بمائها وخضرتها ونخيلها، وقد لاحظنا كما لاحظ الدكتور سليمان البوطي في مقدمة ديوان الشاعر “آخر الأزهار في فصل الربيع” تكرار صورة النخيل في معظم قصائد الديوان “والنخيل الكلمة الأكثر تكرارًا في المجموعة، والبرودة هي العالم المحيط بالنخيل والأكثر امتدادًا في المجموعة.” [2]

فالشاعر يكثر من ذكر النخيل في دواوينه حتى يخيل لك أن النخلة بالنسبة له كصاحبي امريء القيس. وقد اخترنا ديواني “للنوارس موت آخر” و”آخر الأزهار في فصل الربيع” نبحث فيهما عن النخيل وصورته ودلالته ورمزيته.
ولنبدأ تحليلنا بما جاء في ديوان “للنوارس موت آخر”، يقول الشاعر إبراهيم منصور:
هو النخل خلد ذكر البلاد
بظل ظليل
ولا يعتريه انحناء
فالريح ما تبقى
ليس يعصم تمرا ذبول
يؤكد الشاعر في هذه الأبيات ارتباط النخيل بالخلود، وهي الدلالة الأكثر تكرارًا في رمزية النخيل في الأدب العالمي عامة وفي الأدب العربي على وجه الخصوص “لا يمكن للشجرة أن تموت أبداً، فهي على الدوام تجدد نفسها وبذلك أصبحت رمزًا للتجدد والخلود.” [3]

وقد يكون سبب ذلك أن الإنسان العربي وجد نفسه بين أشجار النخيل السامقة تشهد على طفولته وصباه، وكهولته وموته، كما شهدت على أيام أسلافه ووقائعهم، وهي ذات الأشجار التي ستشهد على ذريته من بعده.
كما ربط الشاعر الخلود بالشموخ “ولا يعتريه انحناء”؛ فالريح لا تؤثر فيه مهما عصفت، وفي موضع آخر من نفس الديوان يقول:
ويعيد حكايته للنخيل
فمل النخيل الوقوف
ومل الرماة
فمال يحادث هذا الفتى
وتوسد ركبته
كي يفلي الجريد الصغير
ويلقي إليه الوصية
“أحبوا الذين يكنون كرها لكم.”
تُظهر هذه الأبيات العلاقة الوطيدة بين الإنسان والنخيل وشدة تعلقه بهذه الأشجار، وهذه العلاقة تبادلية، فالفتى يحادث النخيل ويحكي له حكاياته مرارًا وتكرارا، وبدوره يتواصل النخيل مع الفتى ويحادثه مستأنساً بحديثه معه لدرجة أن النخيل مل من الوقوف فتوسد ركبته، وأسلمه غدائره “الجريد” ليفليه، بينما يقوم النخيل ببث وصيته للفتى الصغير وكأنه المسيح يوصي حواريه، فوصيته ما هي إلا رسالة سلام ومحبة “أحبوا الذين يكنون كرها لكم.”
في قصيدة انكسار يقول:
وتسلق النخل الولود معاندا
ثم انتهى
يا ليته يوم انتمى
أخذ العهود على السما
أن تمطر الأحباب تمرا
أو يعود لكوخه متندما
في هذه القصيدة يعدد الشاعر حالات انكساره التي تشتت بين الغربة والرحيل عن الأهل وموت الأحباب واحتلال الأوطان حتى يصل متحسرًا على منظر النخل الولود الذي يعاند القدر متسلقا “سماوات الرؤى”، لينتمي إليها، غير آبهٍ بما حوله من خطوب، فيشتد تحسر الشاعر وانكساراته عند كشفه عن أمنيته التي لم يحققها له النخيل بأن يأخذ على السماء عهودًا بألا تحبس عن الناس خير النخيل “التمر”، وإلا فعلى النخيل العودة من السماء – حيث ينتمي – إلى الأرض ليشارك الناس همومهم وانكساراتهم!
وفي قصيدة “الحدائق غادرت أشجارها” تجد النخيل في السماء تارةً وفي أسوار المدائن تارةً أخرى:
غامت سماء النخيل في
أقصى منازلها
فالسماء غامت حزناً لمغادرة الأشجار حدائقها، بيد أن النخيل هو الشجر الوحيد الباقي في المدينة، ظل النخيل بمفرده يغني في أسوار المدينة المهجورة فلا يلقي غير الصدى مجيبا له:
ويعود يحمل في يديه سحابةً
غنى بأسوار البلاد نخيلها
فارتد يتلوها الصدى
يؤكد الشاعر على النخيل رمزًا للانتماء «كلمة “النخيل” تعني “الانتماء” إلى الأرض التي نشأ فيها وترعرع في أحضانها، وليست النخلة إلا مدخلاً لعالم يفيض بكثافة نابضة بالألوان والأصوات والحركة، تؤدِّي إلى إحداث نغم متَّسق يلعب فيه الغناء دور المعادل المستمر لإحساسه بهذا الحب لبلاده وهو في ديار الغربة.» [4] فبعد أن غادر الجميع مدنهم، لم يبق غير الشاعر والنخيل، الأول يحمل سحابةً فرحًا بعودته، أما الثاني فيغني بأسوار البلاد الخاوية من الشجر ومن الناس.
أما في قصيدة  “فات الميعاد” من نفس الديوان، نجد تناول الشاعر للنخيل مغايرًا لما درج عليه الشعراء منذ القدم:
تأخرتِ حتى رمى النخل أفياءه
وعلى ظله نام وجه النهار
تأخرت رغم اكتمال تفاصيلك
المبتغاة ….
ارتبطت أفياء النخيل وظلاله منذ القدم بالراحة النفسية، حيث يأوي إليها المسافرون من هجير الصحراء، كقول البحتري:
إلى ظـل ممروج برود مقيلــه .:. طليل السواري بالقبـاب معـــزل
له نخـــلات بالفنـــاء تشـوقنـا .:. كثيــرًا إلى فيء كثيـــر التنقــــل
يظهر جليًا في هذين البيتين ارتباط النخيل وأفيائه بالشوق والحنين كما “يرسم الشاعر لوحة فنية يصور فيها أفياء النخيل التي يستريح إليها الإنسان. ويبدو أن الصورة التي أتى بها الشاعر في البيت الثاني  – وبخاصة ما توحي به كلمة نخلات – تستثير استجابة نفسية لدى المتلقي، وذلك حين يتخيل هذه “النخلات” وأفياءها في الصيف، فيطمئن إليها.” [5]
أما في الأبيات السابقة لإبراهيم منصور فنجد حالة نفسية مغايرة تمامًا لحالة البحتري النفسية؛ فعندما ألقى النخيل بظلاله، تأجج صدر الشاعر لوعة وزادت غربته لتأخر حبيبته عنه كثيرًا لدرجة أن النهار نام على ظل النخيل كناية عن استحالة قدومها إليه.
وفي قصيدة “أجيد البكاء”، يقول إبراهيم منصور
“لعل النخيل يطاول لي هامة”. في هذه القصيدة يبكي الشاعر لفراقه حبيبته بسبب سفره المفروض عليه:
أسافر …؟
لست أحب السفر
خذي من يدي نجمة للقمر
على ضوئها يستفيق الهوى
ويخط دمي أغنيات تنام بثغرك
حين يطول السهر
هذا الشعور الشديد بالغربة وهذه الكآبة المتولدة عنه يضعفان الشاعر ويسلبانه قوته خاصة عندما يأوي إلى مهجعه، فيؤرقه السهاد فلا يجد غير نظمه أغنيات يخطها بدمه، يهديها لمن يشتاق إليها في غربته الموحشة:
صغيرًا أظل بعينيك أمرح
حتى أغوص
فتطبق أحلامك النافرات على معصمي
وأسبح نحو الندى في دمي
لعل النخيل يطاول لي هامة
لذا يلجأ للنخيل ليستمد منه القوة التي من شأنها أن تعينه على غربته وعلى كل هذه العذابات المرتبطة بها، فالنخلة في شعر إبراهيم منصور ترمز – من بين ما ترمز إليه – إلى القوة والثبات. وهذه القوة التي ينشدها، لا يجدها إلا في النخيل دوناً عن سائر الأشجار والأشياء، فالنخيل الذي “خلد ذكر البلاد” دون أن “يعتريه انحناء” قادر على إعطائه القوة التي تعينه على الغربة وعلى فراق من يحب، “إن هذه الصورة هي أقرب الصور إلى ذهن القارئ، صورة النخلة منتصبة سامقة بجذعها الطويل الذي يمتد لعدَّة أمتار في السماء.” [6]
الخلاصة:
لقد أبدع إبراهيم منصور في توظيف النخيل كمصدر أصيل للصورة الشعرية في ديوانيه حتى باتت مشحونة بالرموز والدلالات الشعرية المكثفة. كما أضفى على هذه الصور طابعا حداثيًا ممزوجا بالفلسفة، فالبرغم من تشابه الدلالة والرمز مع ما درج عليه الشعراء منذ القدم إلا أن الشاعر اختلف في طريقة استخدامه لتلك الرموز والدلالات كي تتوائم مع حالاته النفسية المختلفة. كما تكررت صورة النخيل على هيئة استعارة تشخيصية حتى أصبح شخصية character أساسية في كل قصيدة تلخص الحالة النفسية للمتحدث/الشاعر، فرأيناه رجلاً حكيمًا يبث حكمه ووصاياه للفتيان، ورأيناه طفلاً عنيدًا يتسلق السماوات ويأخذ عليها العهود، ورأيناه شخصًا يستمد منه الشاعر القوة.
لقد تكررت لفظة “النخلة/النخيل” في القصائد التي تناولناها سابقًا على نحو يخدم البناء العام لكل قصيدة دون إخلال بها ودون حشو، حتى جاء کل تکرار مشحون بدلالات نفسية وتأثرية مختلفة علی أساس السياق النصي، ولولا ذلك لكان تكرارًا بحتًا لمجموعة من أشياء لا تحمل معنیً أو تؤدي وظيفة في بنية النص، وبذلك فلم يُخِل إبراهيم منصور بمبدأ التكرار ،التکرار في ذاته ليس جمالاً يضاف إلى القصيدة وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أنْ يجيء في مكانه من القصيدة وأنْ تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية الّتي تبعث الحياة في الكلمات، لأنّه يمتلك طبيعة خادعة فهو على سهولته وقدرته في إحداث موسيقي يستطيع أنْ يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري، فهو يحتوي على إمكانيات تعبيرية تغني المعنى إذا استطاع الشاعر أنْ يسيطر عليه ويستخدمه في موضعه وإلّا فإنّه يتحول إلى مجرد تكرارات لفظية مبتذلة.” [7]

 

 

الهوامش:
1. أنور أبو سويلم، مظاهر الحضارة والمعتقد في العصر الجاهلي، دار عمار للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1991، ص 51.
2. إبراهيم منصور، آخر الأزهار في فصل الربيع، مطبعة الأحساء الحديثة، 1428 هـ، المقدمة، ص13.
3. Davidko, Natalya. (2018). Oak tree symbolism in V. Woolf’s “Orlando” (cognitive tools of figurative thought), Moscow Institute TOURO.
4. علي خذري، شعرية الإنتماء: دراسة في ديوان (أغنيات النخيل) لمحمد ناصر، مجلة الأثر، جامعة ورقلة، العدد 4، مايو 2005، ص 166.
5. صالح علي سليم الشتيوي، صورة النخلة في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، مجلة جامعة الملك سعود، م 19، الآداب 2، 2007، ص 259.
6. محمد أحمد جهلان، رمزية النخلة في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر، دورية الحياة ـ مجلة دولية فكرية محكمة، 2011، ص 148.
7. نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ط  9، بيروت، منشورات دارالعلم للملايين، 1989، ص 263.

 

*ناقد من مصر

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

One Response

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: