قراءة نقدية لرواية “فوق الجاذبية” للروائي أحمد الشدوي

د. ناتالي الخوري غريب*

الأنا الشرقي المتفوّق علمًا وقيمًا والآخر المتحضّر والمتآمر، إذا كان لنا أن نتساءل عن لحظة التحوّل الأدبي والفكري من خلال رواية: ( فوق الجاذبية ) للسعودي أحمد الشدوي، والبحث عن سؤال العالم الروائي، نجد أن الكاتب شغلته مسألة جوهرية هي إمكانية إعادة المصالحة بين العلم والدين عند الإنسان المعاصر من خلال الفيزياء وعلم الكون والفلك.
جعل الكاتب السعودية “رؤيا” التي أبهرت أساتذتها في هارفارد، ليس بجمالها فقط، بل جعلها بطلة لا تُقهر في المحاجّة والعلم والمنطق، ما يجعلها تتفوق على أساتذتها في العلوم النظرية التي تقدّمها حول كيفية اتساع الكون والدوران حول محور أكبر، من أجل إثبات المصالحة بين العلم والدين، وجعل خالدًا بطلاً لا يُقهر في بنيته العضليّة الاستثنائية بسبب جيناته، وحبّه اللامتناهي بما يحمله من نخوةٍ وشهامةٍ وتضحيةٍ في سبيل إرضاء من يحب، حتى لو أرادت استغلاله لتجارب تخدم أبحاثها، وذكائه الخارق في كشف المؤامرات ونجاحه في تجاوزها.
يعود الشدوي إلى موضوع نوقش كثيرًا في علاقة الأنا بالآخر، تمثّل هنا بالشرق العربي والآخر الغرب المتآمر الذي يغتال كلّ من يصل إلى مرتبة عالية تهدّد ثوابت علمية يمكن أن يكون لها تداعيات اقتصادية وفكرية ومصالح كبرى.
الأنا الشرقي الممتلئ أخلاقًا وقيمًا وشهامة، من خلال بطليه، صراحة رؤيا بتفضيل العلم على الحب والزواج، وخالد بالتضحية بكل شيء، حتى بحياته  في سبيل من يحب.
هي محاولة لإظهار التفوق السعودي في مرحلة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم، ووصوله إلى ناسا وإمكان فاعليته في تغيير الكثير من المفاهيم الثابتة العلمية، مع قدرته الحفاظ على قيمه الأخلاقية والاجتماعية وروح الحب المضحّي والذكاء الذي كشف المؤامرات القادر على تجاوزها.
أمّا الإضاءة على هراوة “رمضان” هذه الشخصية التي تأثّر فيها البطلان وهما من البيئة عينها، وهي التي جمعت بينهما، فرّبما تشير إلى الوجود اللامرئي لقّوة القيم وتحديدًا العدالة الموجودة في التراث، والتي لا تبارح لاوعي الناس، تترجم في شعورهم بحضورها عند حاجتهم إلى عالم متخيّل فاعل في الواقع، (كما حصل مع خالد في إيطاليا)، والتي تظهر في الفنون، كما في لوحة دافنشي التي رسمتها “رؤيا” وكانت مجال بحث خالد في أكسفورد وتعرفه إليها.
من الأنا الشرقي المتجسّد في الهراوة للدفاع عن النفس وتحقيق العدل، إلى انفتاح الأنا الشرقي في حضوره في الفنّ، من خلال إعادة رسم الوجه الخفي لدافنشي، وتالياً إلى الأنا الحاضر في ناسا للتغير على مستوى العالم في مجال الفيزياء والفضاء.
ربّما تحمل هذه الرواية خطاب الاستنهاض بالذات العربية بعد انقضاء زمن الهزائم، بالانفتاح على العلوم في الدول الغربية المتحضّرة من خلال الإصرار على التعلّم في أهم الجامعات الأميركية والإنكليزية، للإنسان السعودي المعاصر، مع الحذر الشديد مما يمكن أن يحاك، من دون التخلّي عن القيم التي تربّوا عليها، عبر سطوة الماضي المتمثّل برمزية الهراوة، على الأرض وفي الفضاء، بما تمثّله من علاقة مع هذا الماضي، تحمي الإنسان في مسيرته إلى المستقبل.

*أكاديمية وروائية_ لبنان

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: