الأكثر مشاهدة

مروة بصير* كنا نتذمر من كل شيء، من وظائفنا، من بيوتنا، من عائلاتنا، من أبنائنا، …

أكذوبة التغيير

منذ سنتين

182

0

مروة بصير*

كنا نتذمر من كل شيء، من وظائفنا، من بيوتنا، من عائلاتنا، من أبنائنا، أزواجنا، حتى من أصدقائنا..
نتذمر من التجمعات والزيارات العائلية، من القيادة في الزحام، من الشوارع، من البشر وحتى الحجر، كنا نتذمر دائماً وطوال الوقت.
وفجأة توقفت الحياة، أصابها الشلل، توقف العالم كله، أغلقت المساجد، تعطلت الوظائف وتعطلت المدارس، لا طائرات تطير ولا سيارات تسير، أصبحت الشوارع خالية والمقاهي خالية وحتى الأسواق خالية .. وحُبسنا في منازلنا
راقنا الوضع في بادئ الأمر فهناك الفعاليات المنزلية، وهناك الإنترنت، و الكيرم وكيكة الليمون.. ولكن!!!
ولكن سرعان ما أصابنا الملل من كل ذلك، وبتنا نشعر بالاختناق، وأحسسنا بشوق جارف لأماكن عملنا، لروتين الحياة العادي، لزيارات العائلة ، لثرثرات أصدقاءنا في مقاعد الدراسة وفي المقاهي، اشتقنا لزحمة الحياة، لمشاوير السيارة حتى في قيظ الظهيرة، اشتقنا لكل ما كنا نتذمر منه سابقًا.
تنبهنا إلى معنى النعم الصغيرة، وعاهدنا أنفسنا أمام الله بأننا سنقدرها، سنقدر النعم التي طالما غفلنا عنها
أقسمنا بأننا سنصلي في المساجد وسنعمرها
وبأننا سنصل أرحامنا بانتظام
وسنخلص في وظائفنا
وسنجتهد في دروسنا
وسنخرج إلى الطبيعة أكثر
أقسمنا بأننا إن عادت الحياة لطبيعتها سنستمتع بها ونعيشها حقاً
وتعاهدنا على عدم التذمر، أطلقنا الشعارات وحملات الحمد و تقدير النعم، ألم يسمي البعض عام 2020 عام تقدير النعم!
طال انتظارنا وطال اشتياقنا للفرج! وابتهلنا طوال رمضان الذي حرمنا فيه من التراويح أن يزيل الله الوباء.. جاء العيد فكان مختلفًا حزينًا من دون الأهل والأقارب ومن دون حتى صلاة العيد!
ثم تدريجيًا حدث ما كنا نرجوه، عادت الحياة إلى طبيعتها رغم بقاء المرض، رفع الحظر ودبت الحياة في الشوارع، عدنا لوظائفنا، وأصبح بمقدورنا زيارة بعضنا بعضا والجلوس في المقاهي .. ولو كان الأمر مشروطاً بإجراءات احترازية، ولو كان: السلام نظر! يظل أفضل من أن تلغى الحياة تمامًا..
عادت الحياة ، والحمد لله
ولكن ؟ هل أوفينا بتلك الوعود التي أخذناها على أنفسنا أيام الحجرقسرا؛
هل وصلنا رحْمنا؟ هل أخلصنا في وظائفنا ؟ هل قدرنا الطبيعة والأشياء البسيطة هل بتنا فعلًا نقّدر النعم أكثر ؟
الحقيقة أنه لا .. ربما في البداية نعم حيث الأمر جديد والشوق جارف
لكن وبعد مدة عدنا لمللنا .. لتقصيرنا .. لجفائنا .. لاعتزالنا للحياة .. بل منا من تمادى وتمنى عودة الحجر!
لقد عدنا لتذمرنا .. وذلك لأن التغيير كان مدفوعاً بسبب مؤقت زائل وليس برغبة حقيقة
كان مدفوعاً بالخوف من الموت وفوات الحياة علينا .. كان لأن التهديد بخسارة الشيء يجعلك تقدره أكثر.. أكثر من الاطمئنان بامتلاكه إلى الأبد
كانت تلك الوعود كلها هُراء نطمئن به نفسنا الإنسانية التي لا تهوى الخسارة
عدنا لتذمرنا إذن، وعدنا لعاداتنا السيئة في ترك الحياة لتفلت بين أيدينا دون أن نستمتع بها ودون أن نعيشها حقا
ونسينا بأن الموت وتوقف الحياة ليسا بالضرورة مرهونان بالكوارث فقط كالوباء وغيره
فأنا وأنت ونحن جميعًا معرضون للموت في أي لحظة وببساطةٍ ومن دون أي سبب!

*كاتبة من السودان

حساب تويتر: @MaruahB

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود