قد يبكي الشعراء


قصَّة قصيرة

بقلم / ليلى المُرَّاني*
المكان: أيّ بقعة من عالمنا الذي يغرق في الفضيلة وهماً، وينحدر إلى التحلّل والرذيلة سريعاً.
الزمان: منذ أخذت الكلمة الصادقة تختبئ خجلاً خلف طنين المشعوذين.
الشخوص: شاعر ثائر يستلهم حرفه من أديم السماء وعزف الملائكة تارةً، ومن حمم براكين متفجرة وعصف ريحٍ مزمجرةٍ، تارةً أخرى، وفنان هاوٍ يحمله صوته الشجيّ وعوده القديم إلى عوالم رحبة، ليسطع نجماً وحلماً للمراهقات..
في غرفة رطبة تطلّ بكوّةٍ صغيرة على زقاق قديم في حيّ المعدمين، قضى الأخَوَان التوأَمان سنوات قبل أن تفرّقهما الكلمة الصادقة من فم الشاعر الحزين، والنغمة العذبة من عود الفنان المتفائل.. تقبلتهما العائلة الفقيرة كابنين فتحا عيونهما وحيدين بعد موت والديهما .
يعود ربّ العائلة منتصف الليل منهكاً يسبقه سعاله حادّاً، متواصلاً وقد امتلأت رئتاه بعوادم السيارات والدهون في ورشة لتصليح السيارات، عاملٌ بأجرٍ يوميّ.. والأمّ ضعُف بصرها، تجلس خلف ماكنة خياطة قديمة، تخيط الملابس لأطفال الحارة ونسائها مقابل دراهم قليلة، والبنت مراهقة تحاكي زهرة نضرة للتوّ تفتّحت، فكان الأخوان بمثابة الأولاد الذين لم يرزقا بهم..
الأخَوان، رغم أنهما توأمان، إلاّ أن الحياة وميولهما المختلفة، فرّقت بينهما. يعشق الشاعر المراهقة الصغيرة، يصيغ لها قصائد حبّ، قلائدَ تزيّن جيدها.. لا تفهمها؛ وتحلّق كما فراشة ملوّنة في حقل أقحوان حين تسمع الفنان يدندن على عوده بصوتٍ شجيٍّ، وكلماتٍ لا معنى لها، رافضاً أشعار أخيه العذبة بحجّة أنها شؤم ولن تجلب له إلاّ سوء الطالع، كما حدث لأخيه!..
بين خيبةٍ وخيبة، يطفح الكيل بالشاعر؛ فتهدر كلماته مستعرةً، تلعن وتشتم، تفتش عن فضاءٍ يحتويها، لكن دور النشر ختمت عليها بالشمع الأحمر، لا نشر مجاناً أيها الشاعر المفلس..
وحين ينال منه الغضب والخذلان، وهو يفتّش عن عملٍ دون جدوى، يتفجّر بركان غضبه حمماً، لاعناً القدر والمقتدرين الذين تسببوا في ضياع الشباب في متاهات البطالة ومعاقرة الخمر والمخدرات؛ فيصل صوت قصائده الملتهبة أسماعهم، وتتلقفه بين الحين والحين زنزانة رطبة، جائعاً ومهاناً تطبق عليه جدرانها مدّةً قد تطول أو تقصر..
يجمع أوراقه المبعثرة، وأشعاره الصاخبة التي ختمت بالشمع الأحمر، يمزّقها، يبعثرها في الفضاء لاعناً، ضاحكاً .. باكياً.. تتطاير قصاصات الورق حاملةً أحلامه الضائعة، كريشِ طيرٍ جريح أصابته رصاصة صيّادٍ لئيم في مقتل.. يعود إلى غرفته الصغيرة، وحيداً بعد أن ضاقت لبؤسها على طموحات أخيه الفنان وأحلامه العريضة؛ فرحل..
ينكفيء الشاعر على وجهه محتضناً حلمه الموؤود.. ويحلّق صوت أخيه مغرّداً في فضاءاتٍ واسعة، يعلو الهتاف باسمه والصفير، تتناقل قنوات التلفاز أخباره أينما حلّ وارتحل..
في يومٍ شتويّ مطير، يتحالف البرق والرعد على تمزيق وحدته وانطفائه، يزوره، وبدون موعدٍ مسبق، صديق له، حاملاً رسالةً من أخيه الفنان الذي انقطع اتصاله به بعد أن ارتقى سلّم النجوم، وبقي هو في القاع ينظر إليه بذهول.. يفتح الرسالة بيدٍ ترتجف: ” اطبع ديوانك.يا أخي.. ” ، مرفقةً بصكٍّ بمبلغ كبير، يبتلع ريقه علقماً.، ينظر إلى وجه صديقه الذي بدا خالياً من التعبير، يرمي الصكّ بعيداً، يلثم رسالة أخيه، بلَّلها دمعه الساخن.

* قاصة من العراق 

One thought on “قد يبكي الشعراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *