قراءة في رواية: “غربة الشيح”  للروائي عمرو العامري

 

قراءة في رواية ” غربة الشيح”

للروائي عمرو العامري

سعود آل سمرة

 

انتهيت للتو من قراءة رواية: (غربة الشيح )، للروائي عمرو العامري، قضيت بصحبتها سهرة ممتعة ولطيفة..، وبحق استمتعت بها، وقد كنت قبل ذلك اطلعت على شذرات منها، ولكني الآن ألمس اكتمال الصورة، واستشعرت وهج انبثاق الرؤية في مكان ما من نفسي، لقد رأيت فسررت..، لغة سردية شفيفة وممتعة، والأجمل أنها أضاءت لي في إلماحات عابرة على حقبة معينة وتلقيت ما يكفي من إشارات عن تحولات وصراعات كانت تجري على ضفتي جنوب البحر الأحمر شرقًا وغربًا، ولا أعرف عنها شيئاً، بحكم أن تلك المنطقة التي يتحرك فيها السرد، بعيدة ومتوارية عن المشهد، ولم تكن ضمن اهتمامات المراكز العربية، ولذلك لم أقرأ كتابًا من قبل ولم أرى فيلمًا أو أي مادة إعلامية تسلط ضوءاً إلى هناك، ربما كانت مرئية ضمن سياقات معينة، غير ظاهرة بشكل جلي إلا للمهتمين والباحثين وما أشبه..

الفصول الأولى من الرواية تسهب في تشكيل مكان نشأة طالع وعائلته، تسبر حياة راعي صغير، مات أبوه للتو، وأم تحبه بشكل كثيف، وأقاربه الفرعين الأب والأم، عائلة يغلب عليها الترابط الاجتماعي المتين، رغم صعوبة الظروف في تلك الحقبة وشدة التمسك بعادات وتقاليد لا تترك مجالًا للحركة، صنع الراعي نايًا يغني فيه بروحه، ومر بتجربة طقس الختان، وتمكنت أمه من إلحاقه في درس الفقيه ليقرأ، ثم طرأت له فكرة الارتحال، يبدو لأنه تعلم وعرف أشياء لا يعرفها إلا قلة غيره، إضافة لمشكلة اليتم والوحدة فما من أخوة،ليبحث عن ذات غائبة..

طور الرواية الثاني، مرحلة بدأ فيها تحول الفتى من حياة عادية في الجبال إلى رحالة بحري، يتنقل بصعوبة مع تيار البحر الأحمر، على السنابك الخشبية بين الساحلين الشرقي والغربي، في وضع غير عادي بالنسبة لنشأته كقروي، لا يعرف البحر وليس له به صلة.

انقلبت حياته رأسًا على عقب، حين غادر بيته ذات يوم مارًا بجيزان التي أقام بها قليلًا، قبل أن تغريه أحاديث القادمين من البر الأفريقي بمصوع المستعمرة الإيطالية.

بربرة الميناء المشحون بالإنجليز والهنود، نزل بها لأن عاصفة اعترضت مسار مركب الشيخ عثمان، وكأن قدرًا قرر أن يرى زينب، ويقابل رجلًا ساعد على تدبير حياة جديدة له بالضفة المقابلة.

عدن الميناء الامبراطوري التي طاب له المقام بها طويلًا، مدينة على نمط بريطاني متطور، تطورًا ميزها عن محيطها، تعج بكل الاجناس، وجد عملًا هناك وتزوج زينب ليرزق بثلاث بنات، يكاد مع الزمن أن ينصهر في النسيج الاجتماعي الكثيف، في أحياء عدن أفارقة وهنود وانجليز وعرب وفرس وصنوف من أعراق شتى، عدن الجنة الجنوبية، غير أن التحولات السياسية وصراعات طرأت أفسدت كل شيء، ودفعته إلى الهجرة مجددًا مع آخرين وعائلته..

الكاتب يحاول الغوص في عمق شخصية طالع بكل ما أمكنه ليستخرج كل انفعالاته نحو مشاهداته وملاحظاته عن كل ما رأى، شخصية شاب قروي بسيط تعلم الكتابة والقراءة في كتاب مطوع قريته، وليس لديه كثير من تجارب الحياة، إلا أن الأشخاص المجربين الذين قابلهم وتعايش معهم، بما لديهم من وعي وتجربة، ساعد على تطور شخصية طالع لتكون محورية في العمل، وكان فعلًا الأيقونة التي راهن عليها الكاتب لتؤدي دورًا محوريًا، ويمكن من هنا، أن نستوعب كيف يمكن أن يتغير الإنسان، إذا انتقل من مكان إلى آخر تبعًا للظروف التي يمر بها..

وطول مقام المرء

في الحي مخلقٍ

لديباجتيه فاغترب تتجدد..

مفردة: (التحولات) كانت حاضرة، بشكل أو بآخر في متن الرواية، كما يمكن إيجاز فكرة الرواية في ((فتًى يتوق للخروج من محيطه المنعزل إلى عالم واسع ومختلف لتكوين ذاته، يحفزه التطلع إلى حياة أفضل، ومن خلال عدة مسارات تحرك فيها، تمكن من الوصول لما تشده إليه رغبته))، برغم أن طالع نفسه لم يكن يعرف، ماذا يريد بالضبط في البداية، المهم عنده الخروج، لكن بمساعدة الآخرين الذين استطاعوا بخبرتهم سبر نفسه، ليعرفوه على ما يريد؟ كون هؤلاء الآشخاص الذين التقاهم في طريقه، تجار وبحارة من أهل التجارب، كالعم عوض والبحار عثمان وبا علوي الذي اقترن معه بما يشبه المصير المشترك، كعامل عنده بداية في عدن تعرف من خلاله على الحياة والمجتمع وتعلم منه الكثير، كان بمثابة الأب الذي افتقده صغيرًا، وجاء يبحث عنه فوجده، ثم شريك عمل بعد الهجرة الأخيرة إلى جدة، وظل دائمًا عونًا له، زينب كانت والبنات عزوته في تلك الحياة، بعدما لم يجد ما يستند عليه وحيدًا مع أعماله وتجارته التي توسعت في جدة..

أخيرًا قرر حرق السفن، ليرحل بما يملك إلى قريته بين الجبال، وكان يعلم بما ينتظره من عقبات ستعترض طريقه هناك، مشكلات اجتماعية أصلها اقتصادي وصراع على الموارد الشحيحة، إلى جانب رفض اجتماعي لزواجه من زينب، لمس ذلك حين حاول استعادة اسم عائلته وقبيلته..

لم أحب هذه العودة المفاجأة التي تشبه رحيله الأول الفجائي لكنها السنن:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

مالحب إلا للحبيب الأول..

كان سردًا شهيًا ومهضومًا جدًا

 

* كاتب سعودي

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *