أنفاس القصيدة والنصوص الموازية

 

 

أنفاس القصيدة..والنصوص الموازية!!

 

د. يوسف حسن العارف

 

قراءة نقدية ومقاربة نصيَّة حول ديوان

“بين أنفاس القصيدة”

للشاعر علي حمود علي العريفي

 

مدخل:

تشير الدراسات النقدية التي تتعامل مع العتبات النصيَّة على أنها (نصوص موازية) للنَّص الأصل، ومفاتيح له.. وشفرات دالة.. رامزة. وليست هوامش فارغة أو إضافة لا معنى لها.

وفي ذلك يقول جيرار جانيت (الناقد الفرنسي) “إنها _ يعني العتبات أو النصوص الموازية _ واحدة من المتعاليات النصيَّة مثل العناوين والمقدمات والإهداءات والتعاليق والصور أو الرسومات” والتي بدأت تأخذ حيزاً في العقل النقدي العربي نظراً لأهميتها في استقصاء النَّص الأدبي ودراسة ما حوله من نصوص موازية كشفاً لما فيه من تناص وخطاب، ودلالات فاكة للأسرار، ومضيفة للمعاني، ومجلية للطروحات.

ومن هنا فإن قراءتي لهذا الديوان الموسوم بـ”بين أنفاس القصيدة” للشاعر علي العريفي ستكون منطلقة من هذا المفهوم النقدي الجديد على دراستنا النقد/شعرية.

 

 

(2) يكتنف هذا الديوان مجموعة كبيرة من النصوص الموازية أو العتبات النصيَّة ومنها مايلي:

1 – صفحتي الغلاف وفيها: العنوان واللوحة الفنية، واسم الشاعر والمؤسسة التي نشرت الديوان، والدار التي طبعت الديوان. وهذا على صفحة الغلاف الأولى. أما الأخيرة ففيها رؤية نقدية للدكتور فؤاد شتيتات/ أستاذ الأدب والنقد.

2 – الإهداء وهي عتبة دالة ورامزة إلى قيم ومعاني سامية تنطلق من الأمومة والأبوة والزوجة والأولاد (بنين وبنات).

3 – المقدمة وهي دراسة نقدية مختصرة للأستاذ الدكتور محمد صالح الشنطي (أديب وناقد خدم الأدب السعودي نقداً وتحليلاً وإشهاراً).

4 – الخاتمة وهي بعنوان آخر ورقة في الديوان وهي رؤية نقدية مختصرة للدكتورة سهير حسانين (أستاذة الأدب والنقد).

5 – اللوحات التشكيلية التي تزين بها الديوان، شكلاً، ولكنها نصوص موازية تكشف الديوان وتدل على رموزه وفضاءاته وهي (ست) لوحات فنية داخل الديوان: لوحة (حائل) ص 21، لوحة (بلا عنوان) قبل قصيدة خيوط الليل، ص 29، لوحة (العروس) ص 51، لوحة (حائل) ص 119، لوحة (روح المكان) ص 123، لوحة (عبق الماضي حائل) ص 127.

6 – وآخر هذه العتبات/ النصوص الموازية هي تواريخ نشأة القصائد والنصوص الشعرية ومكان إنتاجها والتي تتراوح ما بين الأعوام 1413هـ، و1434هـ وأغلبها في مدينة حائل(*).

 

 (3) وفي هذه العجالة النقد/شعرية، سأتوقف مع بعض هذه العتبات النصيَّة/ النصوص الموازية ومدى تعالقاتها مع النَّص المتن،  النَّص الأم، النَّص الشعري المجموع في هذا الديوان.

ولعل أول هذه العتبات هي صفحة الغلاف الأولى التي تحتضن مجموعة من النصوص الموازية – كما سبق القول – ولكن الذي يهمنا العنوان، واللوحة الفنية التشكيلية.

إن العنوان “بين أنفاس القصيدة” جملة من ثلاث كلمات وهي توحي بثلاث فضاءات نصيَّة أولها (البينية) كلمة (بين) والتي تعني التوسط بين شيئين وأعتقد – نقدياً – أنها تشي بشيء مذكور/ جلي/ حاضر وهو (أنفاس القصيدة)، وشيء مغيب/ خفي/ غائب وهو (الذاتية الشاعرة) أو (أنا الشاعر).

وثانيها (أنفاس) والتي تعني النَّفَسْ، الريح التي تخرج من الإنسان حال التنفس وفيها دلالة على الحياة.

وثالثها (القصيدة) والتي تعني النَّص الشعري بكل تجلياته وحمولاته المعرفية.

ومن هذه الفضاءات النصيَّة الثلاث تتشكل بنية العنوان الشاعري. وباستكناه مفردة (الأنفاس) إحصائياً نجدها تتكرر (19) مرة ما بين المفرد: (النَّفَسْ) (والنَّفَسْ) (12) مرة والجمع: (أنفاس (نفوس) (7 مرات). وهذا يجعل اختيار الشاعر للعنوان – سواء تشكله الأولي عنواناً داخلياً للقصيدة ص 35 أم تشكله العتباتي كعنوان عام للمجموعة – ينم عن شاعرية واعية، متقنة، موفقة، دالة ورامزة ومتشظية في الديوان.

وإذا عدنا إلى النَّص الذي يحمل هذا العنوان ص ص 35-37 لوجدنا (أنا) المتكلم أو (الذات الشاعرة) وفيها كثيراً من التجليات الشعرية التي توضح تلك الشفرة الدلالية للعنوان الرئيس. فالذات الشاعرة تبدو من خلال ياء المتكلم والأفعال الماضية الدالة على (الأنا) وهي: (دثروني) (أضلعي) (سأظل أبحث) (أنزع) (أغوص).

وإذا تتبعنا هذه (الأنا) أو (الذات الشاعرة) في الديوان ككل لوجدناها تتربع على عرش المفردات بوضوح وتجلي تام. خذ مثلاً:

   “إنني أحتاج أحياناً

    لعناق من الفكر معك

    إنني احتاج كل الوقت أن أسمعك

    كم جميلاً لو تعمقنا الحوار

    خيمة الشعر (تدفيني)

   وتطربني معك”

                من قصيدة: عناق فكري ص ص 101-104

وقوله:

“عطرك حين يرسم تفاصيل أنوثتك

   ينقلني على صهوة غيمة بيضاء

   لأرسمك لوحة لون صارخة..

   بالعطر والشعر

   فاستثارت حروفي وأبجدياتي”

                      من قصيدة: سنابل ص ص 81-83

وأخيراً فإن (أنفاس القصيدة) تدل على الحياة وتجلياتها، فالحياة عبارة عن أنفاس يحيا بها الإنسان والحيوان والنبات والقصيدة الخالدة/ المستمرة كذلك لها أنفاسها التي تهبها الحياة، وهذا ما تؤكده القصيدة الموسومة بـ (الشعر كائن حي) ص ص 39-41 والتي يقول فيها:

“الشعر كائن حي يسير

 الشعر ينبغي بالحياة

 يسقي الحياة رحيقها

إلى أن يقول:

الشعر يورق في النفوس

كبرعم يحوي تويجات الزهور”

 

 

 (4) أما ثاني العتبات النصيَّة في صفحة الغلاف الأولي فهي تلك اللوحة الفنية الجمالية التي اختارها الشاعر ليتوج بها صفحة الغلاف والتي أبدعتها الفنانة التشكيلية هناء نتو – كما ذكرها المؤلف/ الشاعر في صفحة التعريف (2) -، وهذه العناء ابنة الحجاز مكة وجدة تعمل مشرفة تربوية بتعليم جدة ودرست الفنون التشكيلية في جامعة أم القرى بمكة.

وهذا يدعوني للتساؤل ما الذي جمع بين حائل والحجاز في هذا الديوان الشعري؟! وما الذي جمع بين القصيدة/ النَّص واللوحة التشكيلية/ الفن؟!

ولعل الإجابة تكمن في النَّص الموسوم بـ (القلادة) ص ص 25-27 وفيها اهتمام من الشاعر بالفن التشكيلي، بالرسم، والفرشاة والألوان يقول فيها:

“فترسم لوحة الإغراء رسماً

وتصنع فرشة اللون الإجادة

تلامس فرشة الأحلام حساً

وتأخذ من مشاعرنا الزيادة

وهذي اللوحة الحسناء تبقى

تثير الوجد لا ترجو بعاده

شعرت بأن للقيا امتزاج

وسحر اللون والإيحاء زاده

فتهدي مقلة الحسناء طرفاً

تذوب بسحرها فوق الإرادة”

وكذلك في النص الموسوم بـ (سنابل) ص ص 81-83 يقول فيها:

“على رموش عينك/ ظل الحياة/ همس الضوء/ يلامس عمق أنوثتك/ فيرسم السكينة في المكان”.

ويقول:

“عطرك حين يرسم تفاصيل أنوثتك/ ينقلني على صهوة غيمة بيضاء/ حين ينساب بين كفوفك/ لأرسمك لوحة لون صارخة”.

في هذه النصوص يتضح اهتمام الشاعر بالفن التشكيلي، واللوحة الجمالية فيتعالق بها نصيَّاً ليكتب نصَّه الشعري.

والجميل هنا أن أغلب نصوص الشاعر تكتب في (حائل) وأن اللوحات الفنية ترسمها بنت الحجاز (هناء) وربما رسمت في جدة أو مكة وفي هذا المساء يتم الاحتفاء بالديوان في جدة (قراءة وتدشيناً وتوقيعاً) مع أن الديوان نشره نادي حائل الأدبي والشاعر عضو في النادي والأولى بذلك هي حائل/ لا جدة فكيف هذا!!

ولعله إجابة على التساؤل أعلاه.

وبالعودة للوحة التشكيلية/ العتبة النصية تتجلى لنا المدرسة السريالية في الفن التشكيلي التي تجعل من اللوحة التشكيلية عالماً غرائبياً/ متناقضاً لأنه ينبع من مرحلة اللاإدراك العقلية، أو اللاشعور، أو اللاواعي فيتجلى فيها الأحلام والغموض الشفيف. ولكن القراءة الناقدة/ التأويلية، تحاول استنطاق اللوحة وألوانها للوصول إلى دلالاتها ورمزيتها.

وفي هذه اللوحة نجد التواصل اللوني ما بين الأسود الداكن بتموجاته اللونية، والأحمر الشفقي، والرمادي المتوج بصفرة والتي تشكل خلفية للوحة أو أرضية لها. ثم نجد ذلك الجسم الغريب الذي يأخذ ملامح أنثوية متشحة باللون الأزرق أو اللازوردي.

ومن كل تلك الألوان نقرأ دلالات الظلمة والشفق والفضاء اللانهائي من تماوج وتداخل الألوان والتي تحتضن الجسم الأنثوي المنطلق إلى السماء والعلو وعبور الفضاء في سرعة مذهلة.

وربما نقرأ فيها حورية البحر ساعة في الفضاء المائي ومنطلقة من قاع البحر إلى أعلاه. وفي ذلك إحالة إلى معاني الحرية والتفرد والتسامي للأعلى والانطلاق نحو العوالم اللانهائية وكل هذه الدلالات اللونية والتشكيلية نجدها في بعض نصوص الديوان التي تدل على رغبة الشاعر في التحرر والتفرد والانطلاق وتحقيق بعض التطلعات المتعالية:

يقول الشاعر:

“خذيني أيتها السكينة

إلى مشارف الروح

لأزيد البوح”

        ص 50 من قصيدة السكينة

ويقول الشاعر:

“إلى أي شيء ينتمي شوقي إليك؟

هل إلى قطر الندى

أم إلى دفء الشروق

أم إلى غيمة حبلى تهادت

من على رأس الشوامخ”

              ص 65 من قصيدة رمل السنين

ويقول أخيراً:

“عذراً فإني مختلف

أنا لا أسير في درب يسير فيه الآخرون

حتى ولا أرضى العبور/ ولا أقاسم كعكة الشعور

إني أريد أن أناجي

سحابة بيضاء حالمة

تحركها رياحي في غرور

عذراً فإني مختلف”

            ص ص 109-110 من من قصيدة تفرد

 

وفي هذه النصوص تعالق نصوصي مع اللوحة/ النص الموازي!!

إن هذه اللوحة التشكيلية – والتي جاءت عتبة نصية/ عنوانية تحيلنا إلى ست لوحات فنية تتخلل الديوان وهي:

لوحة (حائل) ص 21

لوحة (خيوط الليل) ص 29

لوحة (العروس) ص 51

لوحة (حائل) ص 119

لوحة (روح المكان) ص 123

لوحة (عبق الماضي حائل) ص 127

وهذه اللوحات الفنيَّة التي أبدعتها الفنانة الحجازية/ هناء نتو لا تخرج عن المدرسة الواقعية في الفن التشكيلي والتي تعني الانطلاق من الواقع أو التصوير الصادق للواقع.. وكأنه صورة انعكست من الواقع إلى عين الفنان ورسمها بألوانه التشكيلية. فكل اللوحات (الحائلية) وكذلك لوحة (العروس) تدل على انتماء الشاعر للمكان وتعالقه مع جمالياته وفضاءاته التي تتحول إلى نصٍّ شاعري يتوسل بمكونات هذا المكان وقيمه وعاداته وتقاليده وتراثه فهذا جبل أجا وجبل سلمى “وروحي ندي بزهر الأقاح” وهذا حاتم طي “رمز الندى والسماح” وهذه عروس الشمال “بيت الجبال عشيقة الخطار” وهذه الطبيعة “المخضبة بلون الجبال”، والعروس التي “عطرت جدائلها بنفح الخزامى وعرف الأقحوان” و”حاراتها القديمة تجتر ذاكرة المكان” و”بيوت الطين يسكن في حناياها الوطن” فهي “زهرة الخمائل”!!

أما لوحة (خيوط الليل) ص 29 فيبدو فيها الحس السريالي أو التجريدي الذي لا تستطيع مراودة آفاقها وفتح مغاليقها، لأنها تسبح في فضاء من الدوائر والمكونات التكعيبية الغرائبية، وإن كانت (الخيوط) أو (خصلات الشعر) تشكل علامة ومدخلاً لقراءة ا للوحة لكن الألوان الشفقية لا تعطيك دلالة معينة أكثر من الحلم والفانتازي الذي يحيلك إلى استجمال اللوحة دون الوصول إلى معنى محدد فيما توحي إليه المدرستين التجريدية والسريالية!!

أما لوحة (العروس) فكنت أتمنى أن تكون مع قصيدة (القلادة) ص ص 25-27 ففيها كل ملامح تلك اللوحة الجميلة والتي يقول فيها:

“وطيف يبهج الذكرى صفاء     ويسكب شوقه (سكر زيادة)

فترســــم لوحــة “الإغراء رسمـــــــاً     وتصنع فرشــــة اللون الإجــادة

فتهدي مقلة الحســـناء طرفــــــاً     تذوب بسحرها فوق الإرادة

يطلف حســـــنها طبــــع جميـــــل     وسحر في العيون كما أراده”

من القصيدة ص ص 25-27

ولعلي أختم هذا المحور بتساؤل هام جداً عن العلاقة بين النَّص الشعري، واللوحات الفنية التشكيلية رأيهما الأسبق؟! هل اللون والتشكيل قبل النص المكتوب شعراً، أم العكس وبمعنى آخر: هل اختار الشاعر هذه اللوحات الفنية بعد أن كتب النصوص الشعرية، أم أن الفنانة التشكيلية اختارت النصوص الشعرية لتضع لوحاتها الفنية؟! ولهذا أو هذا قراءة تأويلية خاصة!!

 

(5) وأما ثالث العتبات أو النصوص الموازية فهي عتبة الإهداء التي خصصها الشاعر إلى (روح أمه) في نص من مقطع شعري جميل. ثم لا ينسى الوالد والزوجة، والأبناء، والبنات!!

هذه العتبة العنوانية/ أو النَّص الموازي لها دلالتها النصيَّة، فليس مثل الأم يهدي لها القصيد، وكذلك الأب والزوجة والأبناء.

في هذا الديوان نجد تمدد هذه العتبة/ أو النص الموازي من الخارج للداخل، ومن الهامش إلى المتن. فنصُّ الإهداء (إلى روح أمي) يحيلنا إلى النَّص الشعري المذكور في الصفحات 69-72 تحت عنوان (موضي) وخاصة الجزء الأخير من القصيدة، وفي ذلك إشارة إلى أن اسم الأم (موضي) وأن هذا الاسم يحمل معنى الضياء والضوء ولمعة الإشراق وأن ضوء الشمس وخيوط الفجر من روح (موضي)، وأن الحب يستمد فيضه من حنان (موضي)، وأن صوت (موضي) يبعث الحرف (ليوضي)، وأن زهر الأقحوان يفيق على صوت (موضي) وأن الزهرة الحمراء تأخذ لونها من حناء (موضي) وأنها الأم التي تنثر الطهر والسكينة في روح المكان!!

إنها (الأم) وكفاها حباً وفخراً وعطاءً هذا النَّص الفارع الذي جعل منها ملاكاً يتحرك على وجه الأرض. في لغة إبداعية، وصور جمالية، ومعاني غير مسبوقة، ولغة أخاذة متعالية!! كما في قوله:

“ويشع قوس المطر/ زاهياً بالسماء/ يستمد اللون من ثوب موضي/ ويقول الغصن للزهرة (نوضي)/ نحن في حضرة موضي (هذه الروضة الخضراء/ من روح موضي/ تسكن الروح على سجادتها/ حين ترفع التسبيح بطهر الروح!!”

كما نجد تمدد هذه العتبة النصيَّة إلى داخل الديوان حيث نجد قصيدة (العبيد) والتي يخصصها لابنته (أمل) التي ولدت في الشهر الخامس (جمادى الأولى) وتفيأ من خلالها اسمها كل معاني العيد الذي سيحل وعمرها (10 أشهر) يقول الشاعر:

“العيد أنت/ وأنت العيد يا (أمل)

العيد هذا اليوم/ عيد للأمل

عيد توشح في أزاهير الأمل

تبث إليه باسمها/ لون الحياة/ ونكهة الأمل

فصار عيداً للأمل

وأنت في روحي/ نثر وقصيد

أنت رسمت العيد لوحة صدق

وتأطرت في داخلي/ أسمى معاني القصيد

فالعيد أنت/ وأنت العيد يا أمل!!

في هذه القصيدة يندر ثنائية الأمل/ العيد وتكامل هذه الثنائية في شخص البنت/ المولودة!!

أما باقي أفراد الأسرة (الأبناء والأب) فلم نجد لهم أي إحالة نصية داخل الديوان، فكأنما هي مجاملة لاشعورية عندما ذكرهم في الإهداء.

أما الزوجة فلربما وجدت بعض الإحالات غير المباشرة فمثلاً هي الحبيب التي أهداها جميل شعره ونبض حرفه، وهي التي:

كأن حديثها العذب امتزاج من الألحان والأنغام زاده

في قصيدة القلادة ص ص 25-27

وهي التي قال عنها:

(يسافر في العيون النرجسية مركبي

     عبر العيون الناعسات..

            وفي المقل البريئة)

في قصيدة رقة صاحب 43-48

وهي التي يقول فيها:

“أيقنت أني لا أقاوم سحرها

تتراقص الخطوات أثقلها الغرور

في لحظها سيف قوي بأسه

ترمي سهام رموشها رميَ الجَسُور

 

لها فتنة في الصوت وقع رنينه

ناي يناغم شدوه شدو الطيور

من قصيدة فيض الأمومة 77-78

وغيرها من القصائد والنصوص الغزلية!!

 

 (6) وآخر هذه النصوص الموازية/ أو العتبات النصية هي القراءات والآراء النقدية التي تفضل بها أساتذة الأدب والنقد من معارف الشاعر.

فالشنطي(*) في تقديمه للديوان ينظر نطرة عامة للديوان ولا يدخل إلى التفاصيل والشواهد، لكنه يشير إلى تناصية الشصاعر التاريخية مع قيم ورموز الكرم الحائلي. وكيف يتحول الكون العام إلى كون خاص بالشاعر من خلال وجيب القلب ودفء المشاعر، كما يشير إلى ثنائية الأنثى/ الوطن فالجمال هناك هو الجمال هنا، ويختم تقدمته/ النقدية بأن الشاعر لا يكبل نفسه بقيود الوزن، وفي هذا إشارة إلى خروج الشاعر عن الأوزان الخليلية إلى أوزان التفعيلة مثلاً.

وكذلك شتيات(*) – في كلمته المختصرة على الغلاف الأخير – الذي أشار إلى أن الشاعر “يملك معماراً لغوياً هندسياً” ويملك (رؤية ذاتية للمكان والزمان) وأخيراً تجد الناقدة سهير حسانين(*) التي ركزت على المفردة لدى الشاعر وأنها قادرة على توليد الدلالات والظلال وأن لغته الشعرية تحمل طاقة تعبيرية وتفرداً أسلوبياً، وله معجم لفظي خاص ينتمي للطبيعة، وأن تكراره للكلمات يشكل إيقاعاً نغمياً!!

ومن خلال هذه المقولات النقدية التي أعتقد أن فيها من المجاملة والانطباعية والرؤى العامة وعدم سبر الغور الشعري لدى الشاعر وعدم الوقوف عند الشواهد وفك مغاليقها، أو الحفر النقدي العميق الشيء الكثير. يجعلنا هذا نسعى إلى تتبع هذه النقدات والتوسع فيها من خلال المتن الشعري للشاعر وفضاءاته الإبداعية.

 

فالتناصيَّة التي أشار إليها الناقد الدكتور الشنطي، نجدها في كثير من القصائد التي يكون موضوعها (حائل)، فمثلاً نص (ضيوف أجا ص ص 23-24) يتعالق فيه الشاعر مع رمزية (حاتم الطائي) إذ يقول:

“وحــاتم طـــــي بأرض الفــــلاح          يسـامرنا والضـيوف الدجــى

بحث الفلاح بوسط الصحاح          بأوقد لتجلب ضيف الرجا

وحــــاتم رمـــز الندى والســــماح         رعى نبتة الجـــــود في المهجــــا

فأنبتـــــــت الأرض في كل نــــاح         حـــواتم تقري ضيـــــــوف أجا”

هنا نجد (التناص) الشعري والتاريخي مع مفهوم الكرم لدى حاتم الطائي الذي تناسل منه (حاتم) كثر يقرون ضيوف حائل كما كان (حاتم طي).

وكذلك في نص (العروس: ص ص 53-54) نجد هذا التعالق والتناص التاريخ/شعري في قوله:

“يا حائل القيم الرفيعة سطري        قيماً تبث الخيـــــر ليل نهــــــــــــــــــار

 لم تخب نيـــرانٌ وحــــاتم حينها        قد بات يضرم مستطاب النار”

وكذلك في قصيدة (حائل ص ص 121-126) نجد هذا التعالق والتناص في قوله:

“تتنفسين الكرم الحاتمي/ من نار حاتم/ في مواقد السمراء/ فأينعت في نفوس أهلك/ ألف حاتم وحاتم

وعدم التقيد بقيود الوزن التي أشار إليها الشنطي إيجازاً أراها حقيقة ماثلة في كثير من نصوص الديوان ولكنها ليست عن عجز أو تمرد أو قصور معرفي بالعمودية في النص التقليدي، وإنما نوع من التجديد والتمشي مع المدارس الشعرية الحديثة حيث قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر التي تأخذ المعمار السَّطري بدلاً من المعمار الشعري!!

ففي قصيدته (تأملات ص ص 15-20) نجد الخروج على تفعيلات (بحر الرمل)، وفي قصيدة (العيد ص ص 91-94) نجد ذلك الخروج على تفعيلات (البحر البسيط) وفي قصيدة (روض السكون ص ص 85-87) يخرج الشاعر على تفعيلات (البحر الكامل)!!

وفي قصائده “بين أنفاس القصيدة، خيوط الليل، رقة صاحب تفرد، القهوة المرة، سنابل 82-83) وغيرها نجد محاولاته للشعر المنثور، أو الشعر المرسل، لكن ينقص هذه المحاولات ما يسميه النقاد: الفضاء البصري، وعلامات الترقيم، وتكثيف الصور الإيقاعية التي تعطيها أفقاً موسيقياً تتقبله الأذن الشاعرة.

أما المعمار اللغوي الهندسي، الذي أشار إليه الدكتور فؤاد شتيات يتجلى في كثير من نصوصه مثل (الورد صبحاً ص ص 79-80) التي تشعرك بالبنية المعمارية للنَّص لغة ووزناً ومعنآً فتجده في بدايتها يقول:

“أتدري ما يقول الورد صبحاً

وفي وحناته خجل جميل”

وفي وسطها يقول:

“وحبات الندى ذابت بغصن

مضار الشوق في شجن بسيل”

ويختمها بقوله:

“وقد حضنت خيوط الشمس ورداً

تفتق عطرها وغداً يسيل”

هنا يشعر القارئ بالتكاملية والشمولية فكل بيت يتصل بالبيت الذي يليه في معمارية نصية فاتنة، وإيقاعية موسيقية رائعة وقافية لامية مثيرة!!

كما يبدو المعمار اللغوي الهندسي في قصائده القصيرة جداً والتي اختار لها عنوان (ثنائيات ص ص 95-99) وفيها تتجلى تلك المقدرة الشاعرية على اختزال المعاني وتكثيفها في نصوص فاتنة على البحر الكامل لا تتعدى البيتين فقط في عناوين متفرقة وقد اجتمعت كنص متكامل من 9 مقاطع!! وفيها تظهر الصور والتشبيهات البلاغية، والمعاني السامية، والغزل العفيف.

وأما المفردة عند الشاعر وتوليدها للدلالات والظلال التي أشارت إليها الدكتورة سهير حسانين ولم تتوسع فيها فإننا نجد شواهدها الكثيرة من خلال المعجم اللغوي الذي يتكئ عليه الشاعر والتي يتوسل فيه بالطبيعة ورموزها فرغم قاموسية هذا المعجم إلا أن الشاعر يضعه في نصوص شعرية تمنحه طاقة تعبيرية متجددة.

فنجد في معجمه اللغوي الحقول والزهور والندى والشيح والخزامى والقيصوم والعشب والنسيم والجبال وغيرها من مفردات الطبيعة الحائلية.

كما نجد الجمل الشعرية الإيحائية:

“ويسكب شوقه (سكر زيادة)”

وجدائل الأحلام تضفر.. عنقود قصيدة”

“دثروني بالقصيدة”

“وغيمة تهمي بزخات الحنين”

“يسافر في العيون النرجسية”

وهكذا وجدنا هذه العتبة النصية/ أو النصوص الموازية تتحول من الهامش إلى متن الديوان وتتشظى فيه بشكل إبداعي وشاعري يضيف للديوان أبعاداً جمالية.

#       #       #

ختام:

وهكذا تداخلنا – نقدياً – مع ديوان الشاعر علي العريفي الموسوم بـ”بين أنفاس القصيدة” من خلال قراءة (النصوص الموازية) أو ما يسميها النقاد (العتبات النصيَّة) لنبيِّن قيمة الهامشي والمضاف وتجلياته في المتن والأساس. ومدى التعالق بين ما يظنه القارئ (خارجيٌّ) ولكنه في واقع الأمر (داخلي) بامتياز ولعلنا وفِّقنا في هذه المقاربة وفق هذه المنهجية التي فرضها الديوان واخترناها طواعية وتجريبياً.

والحمد لله رب العالمين.

 

(*)  ست قصائد فقط حدد مكانها. أما باقي القصائد فاكتفى بالتواريخ فقط دون المكان!!

(*)  الدكتور محمد صالح الشنطي، أديب وناقد، وأستاذ أكاديمي خدم الأدب السعودي بكل حب واقتدار. عمل في حائل والآن في المدينة المنورة!!

(*)  د. فؤاد فياض شتيات: أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية بجامعة حائل.

(*)  الدكتورة سهير محمد حسين حسانين، أستاذة الأدب والنقد بجامعة حائل.

 

 

تحميل الدراسة من  هنا 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *