طبيعة اللغة الشعرية عند الشاعر محمد الثبيتي

 

طبيعة اللغة الشعرية عند الشاعر محمد الثبيتي

الأستاذ محمد مهاوش الظفيري*

من يتأمل دواوين الثبيتي سيكتشف بأنه أمام شاعر غزير المعاني , وواسع المعجم اللغوي , حيث تعاملت لغته الشعرية  مع الأسطورة تعاملاً خلاقًا، إذ يرى الدكتور على البطل أن مفرداته اللغوية تشيعُّ جوًّا أسطوريًّا بذاتها : العراف ــ طقس ــ أساطير ــ الخبز الخرافي ــ الأقمار النابتة ــ شامات البياض ــ مهجة الطاعون ــ جذور الماء … الخ . كما أن ثمة مفردات تصويرية تؤدي ذلك أيضا ، من حيث مجموع تركيبها :خدر ينساب من ثدي السفينة ــ ورق التين يبوح ــ الرعد يعري جسد الموت ــ النار تستوي خلف المدار الحر تنينا جميلا ــ من شفاهي تقطر الشمس ([1]) . ومن خلال تتبع البطل لعالم قصائد الثبيتي رأى أن ” محمد الثبيتي هو شاعر أطلال الماضي ، فإن قضيته التي يعيشها ــ لا في شعره فحسب؛ بل في وجدانه الفردي الشديد الخصوصية الكامن في لا وعيه ؛وفي حياته الواعية كذلك ــ هي قضية البابلي : التاريخ العربي ، الذي كان مشرقا بالنبوءات والحضارات والفتوح ؛ الذي يعيش حاضرا مهينا على كافة الأصعدة كلها ، وفي البقاع العربية كافة ” ([2]) . وقد توقف الدكتور البطل عند نص ” البابلي ” للشاعر لاستجلاء هذا الشيء ([3]) :

مسَّه الضرُّ هذا البعيد القريب

المسجَّى

بأجنحة الطير

________________________________

[1] – البطل ، علي ،الأداء الأسطوري في الشعر المعاصر ـ تطبيق على شعر محمد الثبيتي  ،1992م , ص 70 , 71 .

[1] 3 –المرجع السابق , ص 72.

[1] –  الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي الأعمال الكاملة , ط1 , ص 81 , 82 .

شاخت على ساعديه الطحالب

والنمل يأكل أجفانه

  والذبابْ

مات ثم أنابْ

وعاد إلى منبع الطين معتمراً رأسهُ الأزليّ

تجرع كأس النبوءةِ ،

أوقد ليلاً من الضوءِ ،

غادر نعليه مرتحلاً في عيون المدينةِ

طاف بداخلها الف عامٍ

وأخرج أحشاءها للكلابْ .

هوى فوق قارعة الصمتِ

فانسحقت ركبتاهُ

تأوّه حيناً

وعاد إلى أولِ المنحنى باحثاً عن يديهْ

تنامى بداخله الموتُ

فاخضرّ ثوب الحياة عليهْ

فقد توقف البطل عند هذه القصيدة وأجال النظر في لغتها الشعرية , وتوقف عند مراحل حياة البابلي في ذهنية الشاعر وتفكيره , وذلك من بداية التكوين والخلق إلى الحياة الملأى بالنصر إلى الموت المهين , محاولاً تفسير النص بشكل أسطوري ,  ليس من خلال استدعاء الأسطورة , بل من خلال طريقة الثبيتي في تعامله مع اللغة الشعرية , مازجًا بين الكشف والحدس , حتى وإن كان هذا المسار مؤلما وموحشا وصادمًا ([1]) .

هذا التميّز الحاصل في لغة الشاعر دفع بعض النقاد للذهاب

 

بأن تكون قصائد الشاعر من المرجعيّات التأصيلية للقصيدة الحديثة في المملكة العربية السعودية , وذلك وفق ” ما تتمتع به نصوصه من أصالة جمالية , جعلت أصداءها تجسّر المسافة بين التراث الشعري والقصيدة الحديثة , ومن ثم خلقت فرادة تأثيرها العميق في وجدان المتلقي , بنزوعيه : التراثي والحديث ” ([1]) . ووفق هذا الاتجاه يقول نذير العظمة : ” إن الفن الشعري الأقوى للثبيتي لا يأتي من التضمين الذي أتقنه الشعراء التموزيون تأثرا بإليوت . بل من ابتكار الرموز اللغوية الصافية التي تحمل قدرا طاغيا من الإشعاع , وطاقة كبرى على تحريك القارئ إلى حلم الشاعر ومغامرته , بتأسيس لغته الشعرية في هذا الطور من تكوينه الشعري ” ([2]) , فقد تناول اللغة الشعرية لديه من زاوية الحلم والحدس التي حلّت محلَّ المعارضات الشعرية واقتداء أو مجاراة الآخرين ” وصار الإنسان هو مركز الدائرة : حياته ومعاناته وتجاربه ، وأن يعبر الشعر عن الواقع الحسي من خلال الكشف والحلم والحدس التي حلت محل الاقتداء والمعارضة والمحاكاة والمجاراة ، وحلت مغامرة الذات المعرفية محل المنطق العام ” ([3]) , وهذا التطور الحاصل في تجربته الثبيتي يرجعه العظمة لاقتران تطور التجربة الشعرية في المملكة العربية السعودية بتطور شتى جوانب الحياة فيها , حيث يرى بأن الشاعر المعاصر عليه أن يختار مواضيعه الشعرية مما يعيشه الإنسان المعاصر , ولا يعتمد على نماذج شعرية جاهزة ([4]) .

___________________________________

[1] – البطل ، علي ،الأداء الأسطوري في الشعر المعاصر ـ تطبيق على شعر محمد الثبيتي  ،1992م , ص 84 – 78 , بتصرف , .

[1] – العلاق، علي جعفر ، في حداثة النص الشعري دراسات نقدية، 1990 مـ , ص 104 .

[1] – العظمة ،نذير ،قضايا وإشكالات في الشعر العربي الحديث ، الشعر السعودي نموذجا  ،2001م ، ص 101 .

[1] – المرجع السابق ، ص 24 .

[1] – المرجع ، ص 23 .

لم يقف جهد النقاد حيال لغة الثبيتي عند هذا الحد , بل يدخلون في تفاصيل هذه اللغة الشعرية لديه , من خلال تسليط الضوء المباشر على شعره واستقرائه من الداخل , وذلك أن له منطقه الشعري الخاص به , فهو ” يتعامل مع اللغة بمنطقه الخاص ، وبمنطق يرى في حرية الإسناد والانحراف الدلالي عن المألوف مدخلا للتحديث الجمالي ”  ([1]) حيث يقول ([2]) :

حين استبد بك الهوى

 

وكتبت نافرة الحروف ببطن مكة

والأهلة حول وجهك مسته

 

 ثم يواصل الشنطي التعليق ” وليس أدل على نضج اللغة الشعرية عند محمد الثبيتي من قدرته على حشد الطاقة الإيحائية وتعبئة المخزون الدلالي من تماسك ذلك النسيج على الرغم من تنافر الخيوط ، وتباعد حقول انتماءاتها ” ([1]) . وهذا التعامل مع لغة الشاعر الشعرية وفق هذا التصور , إنما يشير لاهتمام النقد الحديث بهذا الجانب الحيوي في تجارب الشعراء , وأن الإنسان في هذا الزمن أصبح يدرك مدى ما تتمتع به اللّغة من قدرة على الاكتناز والاكتشاف لأسرار الخلق والإبداع , وهذا ما أشار إليه   أدونيس، حينما قال ” وهذا يعني أن لغة الشّعر ليست لغة تعبير بقدر ما هي لغة خلق, فالشّعر ليس مسًّا رفيقًا للعالم . وليس الشّاعر الشّخص الّذي لديه شيء يعبر عنه وحسب، بل هو ذلك الشّخص الّذي يخلق 

______________________________________

[1] – الشنطي , محمد صالح , مقال : الشاعر محمد الثبيتي وعتبات الرحيل , جريدة الدستور الأردنية , الجمعو، 24 أبريل/نيسان، 2009 .

[1] – الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي الأعمال الكاملة , ط1, ص 19 .

[1] – الشنطي ,محمد صالح , مقال : الشاعر محمد الثبيتي وعتبات الرحيل , جريدة الدستور الأردنية , الجمعة، 24 أبريل/نيسان، 2009 .

 

أشياء بطريقة جديدة ” ([1]) ,  وهو في هذا الكلام  يحاول المزج  بين الواقع والخيال , كون هذين العاملين يمثلان مسارًا واحدًا في مسألة الخلق الشعري عند الشعراء .

[1] – أدونيس , علي أحمد سعيد ، مقدمة للشّعر العربي، ط1، ص 126-127.

المراجع

– البطل ، علي ،1992مـ , الأداء الأسطوري في الشعر المعاصر ـ تطبيق على شعر محمد الثبيتي ، د ط , القاهرة ، مجموعة ميرادية للتأليف والبحث العلمي والترجمة .

– الثبيتي , محمد , 2009 مـ , ديوان محمد الثبيتي الأعمال الكاملة , ط1 , حائل النادي الأدبي بحائل .

– العلاق، علي جعفر , 1990 مـ ، في حداثة النص الشعري دراسات نقدية، بغداد , دار الشؤون الثقافية العامة .

– العظمة ،نذير ،2001م ، قضايا وإشكالات في الشعر العربي الحديث ، الشعر السعودي نموذجا ، جدة , نادي جدة الثقافي الأدبي .

– الشنطي , محمد صالح, مقال : الشاعر محمد الثبيتي وعتبات الرحيل , جريدة الدستور الأردنية , الجمعو، 24 أبريل/نيسان، 2009 .

– أدونيس , علي أحمد سعيد ، 1971مـ , مقدمة للشّعر العربي، ط1، بيروت، دار العودة

   

___________________

طالب ماجستير في الأدب العربي والنقد الأدبي جامعة المدينة العالمية – دولة ماليزيا

 

One thought on “طبيعة اللغة الشعرية عند الشاعر محمد الثبيتي

  1. ما اكثر من كتب عن لغة الثبيتي لكن بهذا الإيجاز والإلمام ليس غيرك أستاذ محمد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *