الكتابة الساخرة

بقلم: سعد عبدالله الغريبي*

يبدو لكثير من الكتاب ومن القراء أن الكتابة الساخرة سهلة المنال، لأن كثيرا ممن يكتبون هذا اللون يعتقدون أنه لا يعدو أن يكون حكايات طريفة، أو نكتا مضحكة، ولأن كثيرا ممن ينجذبون لهذا اللون من القراء يظنون أن الكاتب قد نجح بمجرد أن سلّاهم وأضحكهم.
ينسى هؤلاء – أو يتناسون – أن الكتابة الساخرة أرقى مما يظنونه، فهي فن راق؛ يحتاج إلى ثقافة عالية واطلاع واسع وذكاء حاد، ويحتاج كذلك إلى مهارات خاصة في الكتابة كاللغة والأسلوب وطريقة المعالجة.
لا بد أن يحتوي العمل الساخر أيا كان نوعه؛ مسرحية أو رواية أو قصة على فكرة سامية وهدف نبيل يعمل الكاتب على إيصالهما للمتلقي، ولا بد للمتلقي حينئذ أن يفتش في ثنايا ما يقرأ عن هذين: الفكرة والهدف.
ولا يكفي لإيصال الفكرة أن يلقيها إلقاء مباشرا أشبه ما يكون بالموعظة والنصيحة، إذ لا بد للكاتب أن يخفي هدفه بين سطوره، ويؤجل النتيجة حتى يفاجئ بها القارئ في نهاية العمل، لأن القارئ متى ما وصل إلى الفكرة، وتعرف على الهدف فلن يكمل قراءته أو مشاهدته!..
ومما يزيد الكتابة الساخرة تعقيدا، ويحمِّل كاتبها عبئا إضافيا أن الكاتب يحتاج إلى اللغة العربية الفصحى ليجري عليها متن الحكاية، ويحتاج إلى لهجة عامية نقية من مفردات الشارع المبتذلة لإجراء الحوارات بين طبقات الشعب المختلفة..
من خلال الكتابة الساخرة يمكن للكاتب إيصال ما يود إيصاله لجمهور القراء والمشاهدين بطريقة مسلية وطريفة؛ بل ومباغتة إذا أحسن الكاتب تغليف هدفه وإخفاء مقصده فيمضي القارئ – أو المشاهد – منسجما في قراءته أو مشاهدته حتى يتلقى إشارة الكاتب المخفية لغرض رسالته التي يستهدف إيصالها للمتلقي، سواء أكانت قضية وطنية أم مجتمعية أم إنسانية.
ولعل كثيرا مما نشاهده في التمثيليات والمسرحيات من الخروج على النص من قِبَل ممثلين غير أكفاء لاستجداء إعجاب المشاهدين هو بسبب ما يفقده النص مما يثير الدهشة، فيلجأ هؤلاء الممثلون غير الموهوبين إلى ما يظنونه كافيا لإدخال البهجة والسرور على مشاهديهم، ولو كان السبيل إلى ذلك نكتة ساقطة أو إيحاء خادشا للحياء أو استهزاء بخلق الله؛ كالتعرض لذوي الإعاقات البدنية أو الذهنية، فكثيرا ما نشاهد في المسرحيات – خاصة – الاستعانة بأقزام أو ذوي طول فارع؛ لا لشيء إلا لأن المنتج يرى فيهم مصدرا لإضحاك المشاهدين.. يظن هؤلاء أن المشاهدين حين يضحكون وهم يشاهدون مسرحياتهم أنهم يفعلون ذلك بسبب انبهارهم بالنص أو الأداء أو كليهما، وما علموا أنهم يضحكون عليهم لا منهم!..
إن إضحاك المشاهد موهبة قلَّ من يتقنها، ولا أدل من ذلك من أن يضج الجمهور بالضحك لمجرد وقفة ممثل موهوب على خشبة المسرح؛ حتى إن ظل صامتا، في حين أن هناك من لا يستطيع انتزاع ابتسامة من المشاهد وإن انقلب في أدائه إلى بهلوان!..
ما أشبه الكتابة الساخرة بحكاية الطرفة، إذ لا تكفي غرابة النكتة لأن تكون مقبولة؛ بل لا بد من أسلوب ومؤثرات تعبيرية لتُضحك السامعين، وقبل ذلك كله لا بد أن يكون لها هدف تخفيه حتى يكون الوصول إلى الهدف متعة إضافية.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *