المكان في رواية (طريق العودة) ليوسف السباعي

منيرة الدعجاني  

إن المكان في جنس الرواية لوحة فضاء يرسمها فعل الحكي كيفما شاء, لذا يعد المكان من أهم عناصر البناء الروائي الذي اعتنت به الدراسات النقدية الحديثة أيما عناية, فالمكان فضاء يكتسب أهميته في العمل الروائي من خلال الشخصيات التي تملأه أحداثا، لتضفي على المكان حيويته.

ولعل المكان في رواية “طريق العودة”[1]، يحمل دلالات نفسية؛ نتيجةً لما يفعله من تأثيرات على شخصيات الرواية، حيث إن العلاقة بين الشخصيات والمكان علاقة تأثير، إذ تنطلق الرواية في تعزيز دور المكان وإبرازه كفاعل نفسي ذا دلالات عدة تمثلت في الـ(بيت) بصفته المحور الرئيس لمفهوم الاستقرار الذي يحيل إلى (العائلة) في شكلها الجمعي.

إن الـ(بيت) مكان معهود بصفات مثل: (المأوى، المستقر/ الاستقرار، والراحة…إلخ), وهو أكثر الدواخل المكانية؛ لقدرته على احتواء الأفكار وتجلي المشاعر، وأكثر الحيزات قدرة على خلق علاقة حميمية بين الإنسان وذاته، حيث الصفو، وكذلك بين الإنسان والآخر إذا ما استقروا واستقرت مشاعرهم، وبين الإنسان ومكونات المكان مثل: (الجمادات، والحيوانات، والنباتات…إلخ).

وقد حظى المكان في الرواية باهتمام وعناية عبر تصويرات اللغوية، إذ تمثل ذلك في غير الـ(بيت) على سبيل المثال –لا الحصر- في تكثيف صور تفصيلية عن الثكنات العسكرية، وبرزت تلك التفصيلات من خلال أحد الشخصيات الرئيسة، وهي شخصية الضابط (إبراهيم) عندما كان في بداية مشواره في الهندسة العسكرية، والذي كان “بغريزته المعمارية شديد الإحساس بالمكان، أيّ مكان، ببنيانه، بجدرانه، بواجهته، بمدخله، بدهانه”.

ومن المفارقات الحسية التي جاءت بها الرواية، المشاعر المرهفة إزاء ثكنات عسكرية مرة، ويجلي قبحها أخرى، وبذلك يحدث موازنة عبر مؤشرات لغوية، إذ يقول: “الثكنات  العسكرية في ضيق, شيء يكسبها بعض من الجمال والرونق… ويمنحها بعض من النور, ليس مفروضاً على الجنود أن يسكنوا في قيود ضخمة مظلمة سميكة الجدران…”.

ولذلك تأثير عجيب في نفسية الشخصية: “كان يدفع في نفسه راحة أو ضيقاً، طمأنينة أو قلقاً، كان أشبه بصاحب الأذن الموسيقية الذي تثيره النغمة النشاز ويهدئه اللحن الجيد، وقد أحس بمجرد أن أشرف على البيت بأنه لحن جيد وسط عالم من نشاز الأبنية العسكرية والأكواخ الصاج والخيام…”.

إن الأمكنة في (طريق العودة) فصلت تفصيلا ليس للقارئ إلا أن يتخيلها، فالـ(بيت) يوصف من الخارج، والداخل منه: (حجرة النوم, النافذة, المدفأة, المائدة, الدولاب, المرآة).

فعلاقة التأثير في الرواية بدت بين الشخصية والأمكنة بمكوناتها، حيث منحت سمات الإنسان، وهذا ما يبدو لقارئ الرواية بمؤشرات مباشرة وغير مباشرة، فمنها ما بدى بين الشخصية العسكرية وسلاحها في غير موطن، الضابط (عمر) و(مدفعه): “الإحساس بالحب… الذي يصبغ تفكيرنا بلون وردي، فيجعل تفكيرنا مريحاً ممتعاً، وكأننا راقدون من حياتنا على فراش هزاز في حديقة ناضرة عاطرة، لا نرى سوى الشفق الأحمر، ولا نشم سوى الرياحين، ولا نسمع سوى غناء الورق وهديل الحمام، لقد كسب الإحساس بالحب… الذي يقرب إلى أذهاننا صورة الجنة، فيجعل منها مراحاً ننطلق فيه مع أحبائنا، ومرتعاً نرتع وإياهم فيه”.

ومن الدلالات المكانية ما ارتبط ما بين المضمون والعتبة الأولى/ العنوان (طريق العودة)، حيث ورد في المضمون -غير مرة- بصفته المكان المتخيل الذي يجمع المتحابين، إذ جاء مرتبطاً بذاكرة شخصية (نهى/ المحبوبة) فهي التي تخيلت (إبراهيم/ المحبوب): “رأس جيش طويل عريض… يشق لها طريق العودة ويعيدها إلى وطنها…”.

ومن صور الأمكنة “منطقة  العريش”[1] وهو المكان الذي دارت فيه أهم أحداث الرواية، ويمثل مكانا منفتحا يبعث الراحة النفسية.

إن رواية (طريق العودة) تحيل في مضمونها إلى الصلة الوثيقة بين الإنسان والمكان, فطاقة المكان وأهميته بصفته أحد عناصر التكوين الروائي دفعت بأن يكون المكان ركيزة أولى يقام عليها العمل في صور مختلفة، حيث الـ(بيت) الذي يمثل واقعية العمل، وحضور الـ(بيت) مكثف في الرواية، بصفته أساس الانطلاق من الداخل لأماكن مختلفة كـ(النافذة) وغيرها.

واستمر شحن العنصر المكاني بالمواقع العسكرية وما تفرع عنها كائنات جامدة،

كالدبابات, والمدافع, والذخائر، لنقل صورة حية للمتلقي ليحيله في نقل حي مباشر لأحداث الحرب وما تحمله من مضامين تشي فيما تشي إليه بأن (طريق العودة) لن يكون ممهداً .

One thought on “المكان في رواية (طريق العودة) ليوسف السباعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *