قَلميّة أو دِماغيّة

بقلم: محمد أحمد بابا*

قبلَ ظهور الجوّال كجهازٍ يحفظُ الأرقام حتّى أنسى النّاس دُرْبَة الحفظ والتّذكّر، كنتُ أُخبرُ إحداهنّ برقمِ بيت والدتي بعدَ أن سألتني عنه، لكنّها طلبت منّي قلماً ثمّ ورقةً وأنْ أُكرّرَ الرّقم على مسامعها مرّة أخرى رقماً رقماً، وبين كلّ رقمٍ ورقم لا بدّ أن أنتظر إعادتها لذات الرّقم تأكيداً وطَمأًنةً.
فعلتُ ذلك مُرغماً في احترامٍ لسؤالها عن رقمِ أعزّ الناس إلى قلبي، لكنّ صبري حينَها لم يكن طويلاً بحيثُ أغضّ النّظرَ عن أمرٍ لم يكن عاديّاً في تلك الأيّام، حيثُ كانَ النّاس وخاصّة من هم في العشرينات من أعمارهم ـ مثلي حينها ـ يحفظونَ الأرقام عن ظهر قلبٍ وكأنّهم سيُطالبون بتسميعها في اختبارٍ قادم، أو أنّها تنفعهم في حين ورطتهم.
قلتُ لتلك السيّدة السائلة لماذا لا تحفظين الرّقم فهو في غاية السّهولة لمن يستذكر لوحة الأرقام على الهاتف المربّع صعوداً ونزولاً؟ ولم يكن غرضي من سؤالي لها سوى التهكّم والسّخرية ـ غفر الله لي ـ من حالها، فعاجلتني تلك المرأة بردّ من النّوع الفسفوريّ العنقوديّ الذي لا يبقي ولا يذَر من شطحات الفكر وعمق الفلسفة.
قالتْ لي اسمع يا فتى، النّاس فئتان (فئةٌ قلَمِيّة وفئة دِماغيّة)، وكانَ ذلك كافياً لي ولصديقي الذي كان يراقبُ المشهد ويسمعُ عن كثب لنغرق في دموعنا ضحكاً من هول المفاجأة، ومن عبقريّة هذا التّقسيم الخرافي المنحوت من مصدرين أساسيّين لاكتساب المعرفة وهما (الدّماغ والقلَم) عجيبٌ!! هناك من النّاس من هو قَلَمي وآخر دِماغي، إنّ هذا لأمر يستدعي مزيداً من الاستفسار، فقالتْ المرأة الفيلسوفة من النّاس من يحفظُ (قلَميّةً) ومن هم من يحفظُ (دِماغيّة) فما كانَ من هذا التفصيل والشّرح للقاعدة الأولى إلا أن زادَ ضحكَنا الهستيريّ وبالاً حتّى وصَلَ لحدّ الصُّراخ واستجداءِ المرأة أن كفَى، فليس بمقدورنا أن نعودَ إلى أهلينا بدموعٍ محمّرة من الضّحك وكأنّنا في حالةِ سُكْر.
كعادتنا ـ غفرَ الله لنا ـ أخذتُ أنا وصديقي هذه العبارة لازمةً نتندّر بها في كلّ وقتٍ وحين، بمناسبةٍ وبغير مناسبة، من يروق لنا ويعجبُنا فهو (دماغيّ) ومن لا يروق لنا فهو (قلَميّ) في تعبير مزاجيّ عن أنّ الناس فئتان فئة جيّدة وفئة أقلّ جودة، مثلما اتّخَذَ بعض النّاس تعبيراً عن العصبيّة القبليّة والطبقيّة الاجتماعية القوْلَ عن النّاس أصحاب النّسب والحسب بـ 220 وعن النّاس الأقل شأناً بـ 110 مماثلين في ذلك تصنيف قوّة التيّار الكهرباء في وطننا العربي.
بل إنّ ذات التعبير التّصنيفي 110و 220موجود لدى الشباب اليوم المرتادين لبائعي السندوتشات، فيفرّقون بين (الشطّة العاديّة والشطّة شديدة الحرارة) بقولهم عن تلك 110 وعن الثانية 220، بدا لي الآن بأنّ هذا الإبداع في تصنيف النّاس أو الأشياء وفق أمورٍ وصفيّة تحتاج لسرعة بديهة أكثر من احتياجها لتعليم أو ذكاء.
وليس ببعيدٍ عن هذا المنوال ذلك الرّجل الطيّب الذي لا يعرف من الحضارة سوى قدومه للمدينة المنوّرة باحثاً عن رزق وبركة في مدينة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، فعمِلَ ـ كما يزعُم ـ دلّال عقار، وحينَ سألَ عجوزاً لها بيتٌ في أحد أحياء المدينة المنوّرة الشعبيّة عن مواصفات بيتها الذي تعرضُه للبيع، قال في مهارة وحرفيّة تخصُّه هل خزّان مياه المنزل تُرابي أم هوائي؟ شحذْتُ ذهني لأسمع الرّجل وأتأكّدَ من قوله لعلّ في سمعي ما يمنعني من التأكّد، فطلبتُ منه وأنا أرافق تلك العجوز أن يعيدَ سؤاله فقال هل الخزّان تُرابي أم هوائي؟ ثمّ استطرَدَ قائلاً بأنّ التّرابي ذلك الخزّان الأرضيّ تحتَ المنزل ذو المساحة الكبيرة، والهوائي ذلك الخزّان الصغير المعلّق فوق سطح المنزل، ولكلّ أثرٌ في سعر البيت، ولعلّ الرّجل يعرفُ بأنّ الحياة ترابٌ وهواء.
حَصْرُ الأشياء في تصنيفاتٍ ثنائيّة كان طبيعة الحياة قبل التكنولوجيا وثورة المعلومات والاتصالات، فلم تكن الألوان في الصور والتلفزيونات سوى (أبيض أو أسود)، ولم يكُن (المطبّق) وهو أكلة حجازيّة سعوديّة إلا (مالح أو حلو)، ولم يكُن ما يضعه السعوديّون على رءوسهم إلا (غترة بيضاء أو شماغٌ أحمر) ولم يكن الشّماغ يحملُ من الماركات إلا (البسّام أو العقل) وهكذا كانت الأمور تسير.
تعرّفتُ الآن على أنّ من ينحو هذا المنحى في فرز الأمور في جهتين متعادلتين فقط سواءٌ كانَ متعلّماً أم ذا تعليمٍ أقل إنّما تجرّهُ اعتقاداته وثقافتُه نحو النّفي أن الاثنين لا ثالثَ لهما، وأنّ الميزان لابدّ أن تكونَ لهُ كفّتان، بينما ظهرتْ موازين دقيقة في عالمنا المعاصر ذات كفّة واحدة، وأخرى لا كفّة لها أصلاً، وثالثةٌ ذات قرون، ورابعةٌ تزِنُ دونَ مساعدين.
لكنّ الجديد في الأمر والذي ذكّرني بهذا التاريخ السّردي هو أنّ أحدَهم قال لي وأنا أناقشُه في تعبير عبّرَ به، قال التعبير نوعان (تعبير مزاجي وتعبير ثقافيّ) فأردتُ أن أجرّب المزاجيّة في التعبير فكتبتُ هذا المقال وأنا متأكّد بأنّني إلى القلَميّة أقرب منّي إلى الدّماغيّة الأصيلة.

كاتب سعودي*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *