فوضى ملونة

خاطرة 

بقلم /سمية الخير *

بعد خروجهم صباحا يصيبني ما يصيب أفرع الشجر من خدر حين تعبث بأغصانها رياح مشاغبة راحت لحال سبيلها.

أو استرخاء من أُزيح ثقيل الهم عن كتفيه.

يصيبني ودٌ عميقٌ مع الأشياء حولي ..مضاف إليه ما يشبه الذهول وعدم التصديق.!

ينتابني ملل من كثرة حركة اليد في ترتيب المكان …!

تثور أفكاري بركاناً إلى متى يمكن أن يستمر هذا ؟!

ومتى يكبرون ؟

ومتى أنجز مهامي دون قلق؟

دون توزيع جهدي؟

دون تشتيت أفكاري؟.

دون حرص مفرط على كائنات تقفز هنا وهناك ككرات صغيرة ؟

أحتاج من يمنحني قليلاً من الطمأنينة بأن هذا المزيج الفوضوي سوف ينتهي قريباً،  ومن يسوق إلى البشارة أنهم سيكبرون سريعا وأن كل هذا سيكون حكايات أرويها بصحبتهم ذات أمسية رائعة إن شاء الله .

لا أدري لماذا خطرت ببالي صورة جارتي الأردنية التي انتقلت من جوارنا منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وكيف كانت تردد لأطفالها بغضب حازم :لا تنادوني ماما صباحا .!بل نادوني

( وداد )إذ لا أحتمل أكثر من ثلاث نداءات ماما في وقت واحد!
ستنفجر أذني وسينخفض ضغط دمي، بل سيقف نبض قلبي 
حتى باتت تتوتر صباحاً قبل أن تبدأ هذه ( الدراما )
وحفظ أولادها الدرس جيداً فصاروا ينادونها (وداد .وداد .وداد) ضاحكين سخرية مرة من إصرارها ،ومرة أخرى فرحين بفرصة خرق قوانين الاحترام الصارمة بأُذنها

هكذا هم الصغار كل شئ لديهم قابل للبعثرة  والانسكاب، بدءاً من دبابيس الشعر ،قطع الملابس الداخلية، و،سائد الأريكة، كاسات الماء والعصير

أعصابك وأحاسيسك…برامجك .. أفكارك .

حزمك معهم،  وكل شئ، كل شئ يتبعثر بين أيديهم إلا إيماناً راسخاً بداخلهم بتسامح الأم وغفرانها،وبأرتال الدعوات الطيبة التي ستلاحقهم.
وبقدرتها على لملمة فوضاهم حتى أنهم أحيانا يتعمدون الشغب ..فقط ليكسبوا رهاناً صامتاً مع أنفسهم بأن (ماما )ستغفر لهم والغريب أنهم يكسبون الرهان دائماً

لأن الأمومة هكذا خليط من العذاب والألم والأمل والتضحية والعصبية والصراخ والضحك والابتسام وشد الشعر والتوتر الزائد الجرعة صباحا ومساءا، إنها شغب صباحي جميل، فوضى ملونة بهم

تصيب القلب بالحنان المزمن وتجعلني أردد مع درويش:

خذينيِ أُمي إذا عدتُ يوماً وشاحاً لهُدْبِك ،

وغطّي عظامي بعشب تعمّد من طهر كعبك

وشُدي وثاقي بخصلة شَعر

 بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبك.

* كاتبة من السعودية 

One thought on “فوضى ملونة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *