السر

             قصة قصيرة

القاص /   سعود آل سمرة
السعودية

وجهها الجميل ما زال متوهجاً بالسرور، انفجر شغفي بها في القلب حتى ثملت بطيفها، بعد أن لمحتها صورة عتيقة لأول مرة، حينها كانت مهملة على حائط قديم، لا يستسلم بسهولة لضوء الفانوس القديم، المصمم بعناية كي يشعرني بفخامة افتتاح الحلم.

قلت لنفسي، ها أنا أمامها الآن، وجهاً لوجه، فهل سأصل إلى معنى لها، يختلف عن النظرة النمطية اللامبالية، التي تحيل ذاكرتي إلى اللاشيء.

بعد أن أطلت المكث، أمام ملامح يغلفها الصمت، منذ زمن بعيد، بعيد، نسيت بداياته؟.
في تلك اللحظة تحديداً، حدث انقلاب ما، واكتشفت في عينيها يقظة لحياة فارهة، تشع ألفة ورغبة، وخيّل إلي أنها تتملص من صمتها الأبدي، وتتأهب للانقضاض على هدوئي، من مخبأ ما، في وجنتيها الوضاءتين، أو من بسمة مشرقة غير معهودة، ارتسمت على محياها، هكذا فجأة.
بعد أن ألقت في روعي بسر خفي، لم أفهمه جيداً، لكنه وقع كالقذيفة في أعماقي، وفجّر القلق الخافت في نفسي.

ألحظ بالقرب من أنفها، سفعة دموية مشتعلة، تشير إلى إيماءة قبول، من الصعب تجاهلها.
وتلويحة ملحّة، تومئ إلى سر غريب وغائر.

غادرني الهدوء تماماً، وأنا أهم بالتسلق نحوها منتشيًا، عبر سلم عناق منسدل، بين فاكهة شهية تتدلى من جذعها المتخيل، وحور شاهق، يبتعد كلما اقتربت، مزهراً أكثر من ذي قبل في حدقتيها.

كان السلم الذي يتراءى لي غير مطيع لقدمي، ممتنعاً بعنادٍ شديد، وما يزال يفصلني عنه فضاء شبيه بالبرزخ الغامض، مضى زمن طويل، ولم أتمكن من اجتيازه، إذ باءت كل محاولاتي للقفز من خلاله بالفشل.

ليس بسبب البون الشاسع الذي يفصلني عنه، بل خيّل إلي أن هذا السلم الفضي، قادر على تفادي كل محاولة للصعود، بمراوغة متقنة، ومن ورائه ثمة سحر شاعري يغوص في البياض الصافي، الذي تتدلى منه ثمرة لذيذة تجذبني بلطفٍ شفيف، وكلما اقتربت، دنت حتى أكاد أتمكن من قطفها، فيم السلم المخاتل، يتملص بخفة مذهلة.

توقفت قليلاً، وتساءلت:
هل هذا ضرب من جنون؟
أم سر من أسرار الاستلاب، يستولي على حلمي؟
أم أنني امتلكت زمام حقيقة ما، كانت غائبة عني في كنف الغيب؟
لماذا كل هذا الاندفاع اللاإرادي إلى شيء غير ممكن ، ويتعذر في الواقع؟
برغم اللوم الذي وجهته لنفسي. عدت استأنف النضال، لقطف الفاكهة التي ما تزال عالقة في يد المجهول.

بعد أن تعبت هرعت إلى التأمل، ليس لأنني استطعت السيطرة على نفسي، من أجل الانتهاء من كل هذا الاغتراب، إنما لأنني تعبت، فاضطررت للتوقف، أو من حيث أراد الحلم لي أن أتوقف.
فكرت قليلاً، في كل هذا الحال السائل من حولي، وتذكرت تلك الكلمة التي اختزنها عقلي، دون أن يفهمها، ألا يمكن أن تكون ذات شأن، ولكن كيف لي أن أستعيدها، من بين كل هذه الفوضى التي ألقيت في أتونها، لم أجد خياراً أسهل من البحث عنها بمفردي، لكي أرى.

ومن أجل العثور على شيء، بعثرت محتويات المعجم المخبوء، تحت جمجمتي، لعلي أجد الكلمة المناسبة، حتى عثرت عليها وبرغم أنني لم أكن أعرفها، إلا أنها عرضت نفسها بين ركام الكلمات مخطوطة على رقعة صغيرة، ومع الفرح بها، انسقت إليها بسعادة غامرة، لأجدها مذيلة بتوقيع : (فضلاً خذ هذه الكلمة مفتاح الصندوق(.
التقطتها في الحال، وحين امتلكتها، وجدتني فجأة في نفس المكان الذي لم أغادره سوى للحظة، ولم أخرج منه أصلاً، بجسدي كما كنت أظن.

كنت ألملم فوضى ذاكرتي، حين تبين لي أن المشهد من حولي، كان ذاهباً نحو التبدل، وضوء الفانوس الذي كان يشع كسحر على الجدار، بدأ ينحسر عن شغفي، متجهاً نحو رف عتيق ومهمل، يعلوه صندوق خشبي جميل ومنقوش، انفتح بمجرد أن بدأ صوت غريب يصدح من بعيد، يقرأ تلك الكلمة التي لا أفهمها.
أتساءل متعجباً، لماذا لم يسمح لي أنا، بقراءتها؟
والأغرب من ذلك، ألا أشعر بالرعب، كما يجب في مثل هذه الأحوال؟.

ذهلت حين وجدت في الفراغ الذي يحتويه الصندوق، رقعة مطوية، دوّن على صفحتها بخط اليد:
(معاقرة فوضى الأحلام، أشبه بمطاردة الظمآن في الصحراء، لنهر من سراب، لا يقترب إلا ليبتعد، كحال طفل بريء، يعاني الحرمان وحيداً مع مصيره البائس، يحتضر مشتهياً كسرة حلوى، مستحيلة الوجود، في قرية ملح خاوية، وخانقة للخيال، عدا سانحة النهاية التي حتماً، ستهُب على مخيلته، لتهبه شيئاً من جنة الحلوى، منحة عناية القدر، في لحظة موت شفيفة .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *