حكاية نص

بقلم: عبدالرحمن المنصوري*

عندما نقرأ النصوص سواء ما كان منها في السرد أو الشعر ثمة حكاية مضمرة داخل النص، وتكون ظاهرة حسب ما يقرأه المتلقي وما يتشكل منها في ذاكرته من حكاية مماثلة لها، خاصة النصوص السردية دائما ما نجد فيها ما يجسد حكاية وكأن النص كتب عنا، تلك هي النصوص التي تبقى في الذاكرة وهي التي تحمل دلالات نحن نعيشها أو تعايشنا مع بعضها، لهذا نجد النصوص التي تخرج من رحم أمكنة الطفولة تبقى لها أثرها ومسارها الذي يحرك مسارات رسمت في النفس من أثر تلك الأمكنة وتفاصيلها التي ما زالت الذاكرة تكتنزها، ولعل الروائي والقاص عبدالعزيز مشري -رحمه الله- مثال حي وما قدمه من نتاج إبداعي شاهد على الأثر الحي الذي بقيت نصوصه تفعله بنا.

اليوم والمتأمل لنصوص السردية نجد ثمة أثرا ولكن ليس مثلما كنا نقرأه في جيل جاء بعده جيل يكتب النص الذي يتناسب مع حركية الحياة، فجاءت النصوص القصصية القصيرة جدا، وكأنها تعطينا مؤشرا بأنّ على المتلقي أن يفتح عقله أكثر ليقرأ ما وراء النص بدلالات ذات معنى مضمر، لهذا تختلف حكاية النص عن ذلك النص المفتوح الذي كنا نقرأه، نحن اليوم أمام نصوص قصيرة جدا، وكأننا نقرأ حكاية قد نقرأ فيها بعضا منا، ولكن تظل النصوص الطويلة تعطيك متسعا وفضاء أرحب لتفاصيل تقرأها لا تستنتجها من النصوص القصيرة التي هي ولادة لمتغيرات الحياة و دينامكيتها المتسارعة والمتتابعة، بينما النصوص الطويلة تعطيك حكاية لتفاصيل كأنك تراها حية مباشرة من خلال الرؤية الخيالية التي يحملها النص، بينما اليوم في النصوص القصصية القصيرة جدا تضيق رؤية الخيال ويحتاج المتلقي لتفكيك النص وتحميله على ما فيه من حكاية يستخرجها و ينشر خيوطها وخطوطها ويتابعها ليخرج النص إلى عمق ذاكرته ويطرق على ما اكتنزه من أحداث أو أمكنة ارتسمت معالمها وشخوصها في خياله ورسخت، ليشكل النص الذي أمامه قبلة للحياة وإعادة نبضها له ، مبدع اليوم هو يسير وفق إطار ومسار العصر وما يجب أن يكتب فيه وله من خلال المتغيرات سواء الحياتية أو المتغيرات التي تحكم كتابة النص.

ليكن مبدع اليوم في خطين متساويين في المسار ويحددان له ما يجب أن يخطه، وهذان الخطان هما الناقد و المتلقي، وقلة من يكتب لرضى الناقد، ولذائقة المتلقي، الأول لم يعد هناك من يهتم بالنص وتفكيكه والثاني لم يعد مهتما بالقراءة ليحكم على النص ويستنتج حكاية النص، لهذا نصوص اليوم جميلة ولكنها لم تعد مثل تلك النصوص ذات التفاصيل للأمكنة وللشخوص، بينما النصوص الطويلة هي التي تحمل إطارا لحكاية، ما علينا إلا أن نتأمل النص ونعيش تفاصيله، بينما نص اليوم يحتاج تأويلا لأن مبدعه ترك للمتلقي استخراج ما يحمله، تلك عن حكاية النص بينما اللغة لم تتغير حسب المبدع وثقافته ومهارته وخياله.

الحياة نص قصصي طويل.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *