دائرة الضوء الشاعر( رائد عبد الله)

بقلم: صالح الحاج*

شاعرنا اليوم شاب يافع من اليمن قرض الشعر منذ نعومة أضفاره فكانت بدايته تبشر بولادة شاعر متمكن بجزالة ألفاظه وجمال صوره وسحرها إنه الشاعر الجميل

رائد عبد الله نصر جراجر
مواليد ١٩٨٨م محافظة ذمار- اليمن

عاش وترعرع في قرية كل ما فيها يحرض على الشعر
فالغيوم لا تفارق السماء والعصافير لا تكف عن الغناء والسواقي تلقي قصائدها كل صباح على الحقول..
ولأن الريف في بلداننا العربية مستودع التراث الغنائي والشعر الشعبي فالريف اليمني مستودع هائل من الفنون وأهم هذه الفنون الأهازيج الشعبية والألحان الشجية التي يرددها الرعاة على قمم الجبال الشاهقة والحصادون في بطون الوديان.. وكانت أغانيهم تشده إليها وكان يحاول محاكاتها في بداية الأمر حتى وضع أول خطوة على عتبات القصيدة..

أيقونةُ النُّور

غَـرِّدْ بِـشِعْري -يـا دَمِـي- وشُـعُوري
تـغـريـدَ قُــبَّـرَةٍ بِـــوَادي (الـــدُّوْرِ)!

واخْـفِضْ جَـناحًا لـلقصائدِ والرُّؤى
والْـثُـمْ ثــرى (صَـنْـعَا) بــلاد الـنُّوْرِ

صـنـعاءُ أغـنـيتي وروحُ قـصـائدي
صـنعاءُ عِـطْرُ دمـي ومـاءُ جذوري

صــنـعـاءُ أَوَّلُ لــوحــةٍ مَــرْسُـومـةٍ
بــعَـبـيـرِ ريحانٍ، وشَـــدْوِ طـــيُــورِ

هـــي قِـبْـلَةٌ لـلـغَيْمِ مــأوى لـلـنَّدى
وهـي انـعكاسُ الـضوءِ فـي البَلُّوْرِ

وهي ارْتِكَازُ الأرضِ إنْ قالت: قِفي
وقَـفَتْ، ودَارَتْ إنْ أشارَتْ: دُوْرِي!

فـتـرابُـها مِــسْـكٌ، وشَـهْـدٌ مـاؤهـا،
ونِــسـاؤُهـا مِــــنْ عَـنْـبَـرٍ وبــخـورِ

فـمـتى سـيـغدو لـي هـنالِكَ مـنزلٌ
بــيـن الـغـمامِ وبـيـن تـلـكَ الـحُـوْرِ

فــي الـلـيلِ تـستلقي عـلى آكـامِها
أيــقــونــةً لــلــنُّــوْرِ والــدَيْــجُــورِ

وبُـيوتُها المتناثِراتُ على الشَّواهقِ
مِــثــل دُّرٍّ -فـــي الـسَّـمَـا- مـنـثـورِ

يـتـرنَّـحُ الـقـمـرُ الـمُـسـافرُ فـوقَـها
ثملًا، تــرنُّــحَ عاشقٍ مـــخـمـورِ

ولـكـم تَـمَـنَّى لــو يـكـون حـمـامةً،
أو شــامـةً فـــي خَـدِّهـا الـمَـمْطُورِ

أو نـقْـشَ حِـنَّـاءٍ عـلـى يَــدِ طِـفْلَةٍ،
أو لِــبْـنَـةً فــــي مــنـزلٍ أو سُـــوْرِ!

أنــاْ داخِــلَ الـتأريخِ أمـشي ذاهـلاً
إنِّـــي أعــيـشُ الآنَ قــبـلَ عُـصُـورِ

مِـــنْ كُـــلِّ زاويـــةٍ تـفـوحُ بُـيُـوتُها
وكــأنَّـهـا بُــنِـيَـتْ مِــــنَ الـكـافُـورِ!

صـنعاءُ ذاكِـرَتي.. كـتابُ طُـفولتي
صـنـعـاءُ إنـجـيـلي أنـــا، وزبــوري

أسـتـنشقُ الأمـجـادَ فــي أسـواقِها
وبــهــا أســيـرُ كـقـائـدٍ أُسْــطـوري

صـنـعاءُ مَـمْـلَكَتي الـتي أزهـو بـها
فـاْعْذُرْ -فـديتُكَ- يا زمانُ غُرُوري!

ومن قصائده الجميلة المعبرة (حِوار في قارِعَةِ المَطَار))

وَقَفَتْ تُكَلِّمنِي بِلا مِيعَادِ
عَنْ مَوْطِنِي سَأَلَتْ وَعَنْ أوْلادي

تَحْكِي وأصْغِي بافْتِتانٍ مِثْلَمَا
تصْغي الغُصُونُ إلَى الحَمَامِ الشَّادي

قالَتْ: مَضَى دَهْرٌ عَلَى عَمَلِيْ هُنَا
وأرَاكَ إمَّا رَائِحًا أَوْ غَادِي!

أَوَلَمْ تَجِدْ في الأرضِ هذي مَوْطِنًا؟!
حَتّى الطّيُورُ لها رُبى وبَوَادِ!

فَأَجَبْتُها والحُزْنُ يَخْنُقُ أَحْرُفي
والـ (آهُ) تَخْرُجُ مِنْ صَمِيمِ فُؤادي:

بَلَدي بِحَجْمِ الكَوْنِ إنْ لَمْ تَعْلَمِي
مَسْرَى النُّجُومِ ومَهْبطُ الأمْجادِ

بُلْدَانُ كُلِّ الأرضِ مِنْها فُرِّعَتْ
لكنَّني أحْيَا بغيرِ بلِادِ

سَقَطَتْ مَفَاتِيْحُ المَمَالِكِ مِنْ يَدي
وأَضَعْتُ في بَطْنِ الزَّمانِ جَوَادي

وفي قصيدته (زيف) تجده متأثرا من غدر الأحبة وما آل إليه الحال في زمننا هذا

زيف

سقَطَ القِناعُ وبانَ ما سَتَرا
سَترى الخفايا جهرَةً سَتَرى

ما كان غيبًا سوف تشهدُهُ
وتُطيلُ في جَنَباتِهِ النَّظَرا

ماتَ النَّبِيُّونَ الكِرامُ فَلَا
وَحْيٌ سوى ما يُلْهَمُ الشُّعَرَا

هذا رمَادُ الأرضِ يَفْضَحُ ما
اْسْتَبْشَرْتُهُ وحَسبْتُهُ مَطَرَا

وهُناكَ جاسوسٌ أبَحْتُ لَهُ
سِرِّي وكُنْتُ أظُنُّهُ قَمَرَا

كَمْ جَنَّةٍ خَضرَا حَلمْتُ بِها
وكَدَحْتُ ـ حَتّى نِلْتُها ـ عُمُرَا

لَمَّا بَلَغْتُ حِمى حدائقِها
حيلَتْ لَظى وتَطايَرَت شَرَرا

وحَبِيْبَةً قَدَّسْتُها زَمَنًا
كانَتْ أشَدّ أشَدّ مَنْ غَدَرَا

وصَديق عُمْرٍ عِشْتُ أسْنِدهُ
وأُجِلّهُ قَدْرًا ومُفْتَخَرا

لَمَّا تَكالَبَتِ الخُطوُبُ نأَى
عَنِّي ولَمْ أشْهَدْ لَهُ أَثَرا

يا مَنْ جَعَلْتُكَ لِلْوفا مَثَلًا
كُنْتَ الثُّرَيَّا كيفَ صِرتَ ثَرى؟!
………………………..

ومن قصائده الطريفة الممتعة ذات الخمار الفستقي

“قُلْ للمليحةِ في الخمار الفُسْتقي”
تِيْهي وفي بَحْرِ الهوى فَلْتَغْرقي

كم أعْلَنَتْ حَرْبَاً على قلبي وكمْ
حَـذَّرْتُهَـــا: يا بِنْتُ لا لا تَعْشَــقِي

لكِـــــنَّها اغْتَــــرَّتْ بِفَرْطِ ذكـِــائها
وبِحُسْــنِهــا الأخّـــاذِ والمُــتَدَفِّقِ

جـــــــاءَتْ لإغراقي بِكُلِّ وسيــلَةٍ
فَنَـــجَا مِنَ الغَــرَقِ المُحَتَّمِ زَوْرَقي

جـــاءَتْ لِتعــليقي بِــها؛ فتَعَلَّــقَتْ
هيَ بي، هَنيـــــئاً قُلْ لها فَتَعَلَّقي

تَتَعـــاقَبُ الألوانُ فوق شِـــفاهِهـا
والشَّــعرُ بُنِّـــيٌ ويومــاً بُنْــــــدُقي
.
فَرَفَعْتُ طَرْفي عَنْ حَدائقِ خَدِّهـــا
ــ دوماً ــ وعَنْ بَحْرِ الــعيــونِ الأزرقِ

لَــمْ أُسْــتَــثَــرْ لــــعَباءةٍ مَكْشُوفَةٍ
كلَّا ولا (للبنطلــــون) الضَّيَــــــــقِ

فَبِـــقَدْرِ ما تَدْنو وتَــبْــذُلُ نَـفْـسَـها
وتُــذَلُّ فــي حُبِّــي تــرانـي أرتَقي

تِـــلْكَ التي بالأمْسِ كانَتْ نـَــجْمةً
والنّــــاسُ بين مُـــكَذِّبٍ ومُـــصَدِّقِ

اليــــومَ صــارتْ تَرْتجي مِنِّي اللِــقَا
لـــكِنَّني أقْسَــمْت ُ ألّا نَــــلْتقــي!!

 

ومن قصائده الطريفة عــدنـيَّـةٌ قــالـتْ: حـبـيـبي: عِــدْنـي
أن ســـوف تـأخـذنـي لـجـنـةِ عَــدْنِ

يـــا غــافـلاً عــنـي وقـلـبـي عـاشـقٌ
يــنـأى بـــه شـــوقٌ، وشــوقٌ يـدنـي

هـي ضَـمَّةٌ مـاذا سـتخسرُ لـو رأيـتُ
سماء (روما) في يديك و(سِدْنِي)؟!

يـــا رائـــد الـشُّـعَـرا وقـائـدَهم إلــى
أعـلـى جِـنـان الـحـب قُـدْنـي قُـدْني

قَـبَّـلـتَـنِي -مـــذ أنْ عـرفـتُـكَ- مَـــرَّةً
لـِـمَ يــا حـبيبي؟! مـن نـبيذكَ زِدْنـي

لَـمَّـا مَــدَدَتَ ذراعــكَ الـخجلانَ لـي
أمــددتَهُ ســهـوًا ولـــم تـقـصدني؟!

فـضَـمَـمْتني مــتـرددًا عَــجِـلاً فــلـم
تـطـفئ لـظى صـدري ولـم تـوقدْني

يــا أيـهـا الـمنحوتُ فـي كـبدي كـما
أدخـلـتـني بــحـر الـشـقا أسْـعِـدْني

فــإذا لـجـأتُ إلـيكَ مـن حَـرِّ الـجوى
فـافـتحْ ذراعَــكَ لــي و لا تُـبْـعِدنِي!

أنــاْ لا أريــدُ سـوى هـواك ولـم أقُـلْ
أنــــــي إلـــــه دونـــــه فــاعـبـدنـي

هذا هو شاعرنا الرائد المتألق في سماء القصيدة هناك الكثير من قصائده الرائعة لكنما حاولت الإيجاز
أتمنى له التقدم والتألق.

 

كاتب وشاعر سوري*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *