الفنان علي الشريف: القصة والزيارة  والصورة أبعاد ثلاثية  لتجسيد النقوش الصخرية  

 

 

فاطمة الشريف

المملكة العربية السعودية مهد الأمم والحضارات العريقة، ومهبط الرسالات السماوية، وموطئ الكثير من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام على أرضه، زاخرة بصور التراث القديم من آثار وثروات تاريخية، ومعالم وقطع تراثية، ونقوش ورسومات صخرية، تجعل كل ذلك عنصراً حيوياً في اقتصادها المعرفي والمادي، ودعماً حقيقياً لمسيرتها التنموية والتطويرية.

أمم وحضارات غابرة، ورسالات ونبوءات خالدة، تعاقبت منذ آلاف السنين على صحراء هذا البلد العظيم وجبالها ووديانها، ورد ذكر أغلبها في القرآن الكريم والسنة النبوية، وتركت آثارها في العديد من المدن والقرى السعودية مثل: “مكة المكرمة – الطائف – المدينة المنورة” الشواهد الأُول لأعظم عصر في حياة البشرية، عصر الرسالة المحمدية، و”العيص، مدائن صالح، تيماء، الجبة، شويمس” شواهد الحضارة الثمودية والمسندية، و”تاروت” شاهد الحضارة السومرية، و”دومة الجندل” شاهد الحضارة الآشورية، وآثار “مدائن شعيب، العلا” في تبوك شمال غرب السعودية شواهد حضارة الأنباط القديمة، “الجوف، حائل” شواهد أخرى للعصر الحجري القديم الأوسط بأدواته “الموستيرية” وهي أدوات حجرية تتبع مرحلة ذلك العصر، و”قرية الفاو” بطريق نجران-الجرهاء شاهد الحضارة الكندية، وقرى مستحدثة مبنية بالحجارة البيضاء مثل “قرية ذي عين” في محافظة الباحة، وميناء دارين وتجارة اللؤلؤ والبخور. تباينت آثار تلك المدن والقرى ما بين كهوف منحوتة داخل الجبال، ونقوش تاريخية، ورسومات صخرية ذات دلالات ورموز، ومنحوتات بشرية وحيوانية، وأواني ومجسمات ضاربة في القدم. 

يأتي فنان مبدع، بهوية فنية مميزة، جمعت بين حب الآثار والمعالم المتناثرة في أرض السعودية، وتوظيف اتجاهات تشكيلية متعددة من واقعية وتجريدية وجرافيتية؛ ليرسم لنا جل تلك الحضارات وآثارها القديمة في لوحات قماشية غاية في الجمال والإتقان، ويختزل ذلك التاريخ في صور ورموز مجسدة على إطارات تعلّق أمام المشاهدين والزّوار. 

 

الفنان التشكيلي علي الشريف ضيف فرقد بقسم الفنون البصرية يحكي لنا مسيرته التشكيلية عن الآثار الوطنية القديمة.

يتحدث عن بدايات رحلته التشكيلية بمراحل التعليم العام مبكراً:

“كانت بوادر ممارسة الفن التشكيلي من الصف الرابع الابتدائي، وتطورت تلك الهواية منذ سنين عديدة، حيث لم يكن الفن التشكيلي منتشراً مثل أيامنا هذه، وفي ظل دعم صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، خلال الخمس والثلاثين سنة تراودني فكرة نقل النقوش الصخرية التي تحكي مخزوننا من الأثار إلى لوحات ذات صبغة حقيقية وعلمية لتلك الآثار.” فكانت رحلتي منذ تلك النية وحتى صدور الأعمال.”

يوضّح لنا تفرّد تجربته التشكيلية في ابتكار هوية خاصة به، ومنهجية معينة؛ لرسم المعالم والآثار بالمملكة العربية السعودية:

 “بدأت رحلة رسم الآثار التشكيلية بزيارة المواقع التي فيها نقوش صخرية، وزرت ما نسبته ٧٥٪؜ منها، ولا زال ٢٥٪؜ لم يصلها الدور، وهي مجدولة في خطة أعمالي القادمة، وعزمت على ابتكار طرق لتجسيد النقوش موظفاً الفنون الجرافيتية، فقد سعيت إلى تعلم تكوين مواد خاصة تُستخدم في تجسيد تلك النقوش؛ فكان سفري لدولة مصر ثلاث مرات منذ عام ١٤٢٣ هـ و حتى عام ١٤٢٩هـ، قمت خلالها بزيارة المتاحف المصرية لإثراء أفكاري، وبعض المواقع التي يعمل بها النحاتون وصنّاع المنحوتات بشتى أشكالها، وتلقّيت تدريبات أثرت خبراتي وتجاربي التشكيلية، وسافرت إلى دولة ماليزيا، ودول أوروبا مثل ألمانيا والنمسا وفرنسا وسويسرا، ودول الخليج مثل الإمارات والبحرين وعمان والكويت، حيث زرت معظم متاحفها وصالاتها الفنية، وقرأت العديد من مخطوطاتها، واطلعت على هولوغرافي الحضارة اليونانية والهندية والفرعونية، كما عمدت إلى التعليم الذاتي من خلال زياراتي المنتظمة إلى مكتبة الملك فيصل، وقراءة الكثير من الكتب والأبحاث في مجال الآثار والتراث الوطني، وصقل مهاراتي بشكل مستمر؛ حتى نجحت في تشكيل هوايتي الفنية، وأتقنت أعمال التجسيد للكثير من معالم وآثار المملكة التي تقع على طريق البخور من الجنوب إلى العلا وتبوك وحايل والقصيم ومكة والمدينة وعسير والشرقية ونجران وتثليث.”

وعن منهجيته وآليته في تجسيد تلك النقوش يقول:

“ثلاث ركائز أساسية دوماً هي بالاعتبار عند تجسيد أو رسم أي نقش صخري أولاً: كل نقش أو رمز له  قصة أو حدث وقع خلال تاريخ دول وحضارات جزيرة العرب، والتي منها: حضارة قوم عاد (مدائن هود)، وقوم ثمود (مدائن صالح)،  وقوم الأيكة (مدائن شعيب)، ومملكة كندة (الفاو)…؛ لذلك يعد البحث والاطلاع أولى تلك الركائز، ثانياً: زيارة الموقع الأثري وفحصه جيداً عبر مكبر لمعرفة نقرات الزخرفة داخل النقش، وماذا يقصد بها الفنان القديم، ثم التقاط صور واضحة وفق دقة ومقاسات وأبعاد محددة، حيث إن الصور العادية لا تعكس الأبعاد المطلوبة بين الصورة والنقش، ثالثاً: مراعاة أن عملية التجسيد تمر بعدة مراحل، موزعة وفق وقت وأعمال متنوعة، فهي عبارة عن تكوين النقش وتركيبه بمكونات مختلفة من المواد التي تستخدم في تجسيد العناصر من النقوش الصخرية في درجة حرارة معينة، ومن ثم نقله على اللوحة وفق عملية دقيقة تعكس تناسب مقاسات النقش على الطبيعة مع مقاسات رسمه وتجسيده على اللوحة، وعموماً المراحل متعددة ويتعذر إيجازها في هذا الموضع.”

يشرح لنا الشريف عن إنتاجه الأول في فن أعمال التجسيد (Relief Sculpture)

 “كانت أول تجربة تشكيلية عبارة عن لوحة تجسيد الرجل العربي الثمودي، بعد جمع معلومات عن أوصافه، وأخذ ملامح التصميم من النقوش الصخرية التي زرتها سابقاً، وحرصت على نشر أعمالي على حسابي في موقع “تويتر” خلال الخمس سنوات الماضية. كما وأفتخر بقبول متحف مركز الملك عبدالعزيز للإثراء الثقافي العالمي بالمنطقة الشرقية قبول إهداءات من  لوحاتي: لوحة لغة الكهوف، والقط الثمودي، والتوقيع على إجازتهما للمتحف.”

يتحدث الشريف عن أول معرض له (رواق جسفت) قائلاً:

“ولله الحمد أقام رواق جسفت معرضاً جماعياً، عُرض لي فيه أربعٌ وثلاثون لوحة ذات مقاسات كبيرة، وافتتح المعرض سعادة مستشار الفنون التشكيلية بالمملكة الأستاذ فهد الربيق، وبحضور رئيسة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية  الدكتورة منال الرويشد، والدكتورة هناء الشبلي مديرة التخطيط بجمعية جسفت، وزار المعرض الكثير من المهتمين والسياح من داخل وخارج المملكة حيث إن المعرض نال استحسان الجميع. من القصص التي أفتخر بأحداثها خلال مرحلة العرض: حضور إحدى سيدات المجتمع السعودي بباقة ورد قائلة لي: وفقك الله، وشكراً لك أن جعلتني أرى هذه النقوش الصخرية. قد كان موقفها من المواقف التي شجعتني على مواصلة مسيرتي التشكيلية، حيث وصل عدد لوحاتي إلى سبعٍ وثمانين لوحة، وسيستمر العطاء في نقل النقوش من الصخور على لوحات من الكانفاس، مع ابتكار مشاريع فكرية جديدة غرضها تسهيل للمشاهد والجمهور الكريم الاطلاع على تلك النقوش الصخرية؛ لإثراء الحصيلة المعرفية بثقافة الآثار، والتعرّف عليها من قرب.”

يفسّر لنا الشريف خطوات أساسية لاحتراف الفنان وجودة مخرجاته:

١- الإلمام بالأنتروبولوجيا للإنسان القديم الذي عاش قبل الميلاد على أرض وطننا الغالي، والذي أسس حضارات وصناعات ازدهرت بها شبه الجزيرة العربية، الأمر الذي ساهم بشكل واضح في إنتاجي التشكيلي للوحات تحاكي الصناعة والتجارة والزراعة والفنون البيئية، موضحة حالات الفروسية من الصراع والاقتتال والحروب القديمة لذلك الإنسان خلال العصور الحجرية قبل الميلاد ( ١٢٠٠٠).

  ٢- صياغة رسالة ورؤية وأهداف للفنان تسهل عليه إثراء مجتمعه السعودي بفكره وفنه، وإظهار آثارنا بشكل بصري؛ ليتعرف عليها العالم من حولنا، وتعريف السائح المحلي والأجنبي عن موروثنا الثقافي الأثري.

٣- عقد النية مع بذل الجهد على المساهمة الفعّالة بجزء متواضع في تحقيق رؤية سيدي ولي العهد محمد بن سلمان (٢٠٣٠) من خلال إنتاج لوحات تشكيلية بمثابة جسر يربط بين الحضارات والثقافات المتنوعة، ونقل المشاهد في رحلة بصرية عبر الزمن لآلاف السنين.

٤- المساهمة الجادة في إيجاد مدخل إلى ما يعرف (بالقوى الناعمة)، والتي قد تصبح معها الفنون البصرية بمدارسها تساهم في نمو اقتصاد وطننا التشكيلي والسياحي، وذلك بالعمل الجاد المتقن، وتحت توجيهات المعنيين في ذلك، بعرضها في مواقع وصالات عرض يسهل الوصول لها، على أن تكون ضمن برامج المجموعات السياحية عند قدومها للمملكة.

 ٥- الحرص على عقد شراكات فردية ومؤسسية مع الجهات ذات العلاقة مثل: وزارة السياحة أو الثقافة أو صندوق الاستثمارات العامة أو شركة أرامكو في تبني مشاريع تشكيلية رائدة في مجال الآثار والمعالم في وطننا الغالي.

٦-  الحرص على المشاركة في إقامة معارض (جماعية أو شخصية) بجميع مناطق المملكة للتعريف بموروثنا الأثري عبر النتاج التشكيلي، وحضور الفعاليات والمناسبات، تبادل زيارات بين الفنانين للوقوف على إنتاجهم التشكيلي.

٧- توثيق التجارب المتميزة، والخبرات الفذة في مخرجات مكتوبة، تضيف المائز والماتع للمكتبة العربية. 

كلمة أخيرة يضيفها الشريف إلى قراء فرقد الأعزاء مسطراً بها أهم أمنياته: 

أسعدني تواصلكم وحواركم السيدة ممثلة مجلة فرقد / قسم الفنون البصرية، وشكري العميق على إتاحة الفرصة لي في هذا اللقاء بالتعريف عن تجربتي التشكيلية التي أرجو أن تعم بها الفائدة…

من أمنياتي أن أدّرس ما تعلمته في عالم الفنون التشكيلية: تجسيد وتكوين النقوش على مدار خمسة وثلاثين عاماً إلى من يهوى هذا المجال لتعزيز آثارنا، وتقديم دورات وورش عمل في هذا المجال، ومن أمنياتي أيضا التواصل الدائم مع هيئة الآثار السعودية في دعم مشروع تدريب وتعليم الأجيال تجسيد النقوش الأثرية والاستفادة من مخرجاتها في دعم السياحة عبر عرضها في المتاحف والصالات الأثرية، وتحويل جميع إنتاجاتي التشكيلية في هذا المجال إلى كتب مطبوعة برعاية المهتمين في هذا المجال.

للمزيد للتواصل مع التشكيلي علي الشريف

حسابه على “تويتر”:

_AlsharifAli@

من أعماله التشكيلية 

لوحة: الهولوغرافيا الثمودية

على غرار الهولوغرافيا العالمية تعد اللوحة مصدر رمزي لتاريخ آثار النقوش الصخرية للحضارة الثمودية. لكل عنصر تشكيلي مصغر منقوش صخري يفسّر قصة وحدث. جميع عناصر اللوحة تم رصد معلوماتها التاريخية لإخراجها في كتاب مطبوع. 

 

لوحة: القط الثمودي

إحدى مقتنيات متحف مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء” تحكي جانب من جوانب الزخرفة نُقشت على الصخور، وهي عبارة عن المثلثات والمربعات، وقرص الشمس والدائرة، والنجمة من ثلاثية الأضلاع إلى ذات الأضلاع الحادية عشرة، وأشكال تمثل حركة في الإنسان، أخذت عناصرها من أكثر من سبعة نقوش من الحجر: وادي القرى، تبوك، تيماء، حائل، وضعتها بلوحتين تشكل أكثر من ثمانية عشر شكلاً زخرفياً تقريباً. تبرهن تلك النقوش القديمة الممثلة في الأشكال الهندسية أن تلك الحضارات سبقت العلم الحديث في ملكية تلك الأشكال.

 

لوحات: لغة الكهوف من مقتنيات متحف مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء”

هناك ثلاث لوحات:

 ١-٢:  لوحتان عن لغات الكهوف في العالم

٣-:  لغات الكهوف في المملكة العربية السعودية

 

الرجل العربي الثمودي

 

 

 

 

 

 

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *