تقابلية الذكورة والأنوثة في رواية خاتم لرجاء عالم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تقابلية الذكورة والأنوثة في رواية خاتم لرجاء عالم

دانيا عبد الرحمن الغامدي

أكاديمية وشاعرة     

 

        

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ظلّ الأدب على اختلاف أشكاله شعرًا ونثرًا الابن البار للبيئة التي ولد فيها، يلتقط من حوزتها ما يغذي به أوعيته. وقد احتفت العديد من المناهج النقدية بتناول النص الأدبي من حيث الصلات الخفية بينه وبين سياقات بيئته، ومنها: البنيوية التكوينية أو التوليدية.

توجهت البنيوية التكوينية أو التوليدية إلى اعتبار النص الأدبي بنية متولدة عن بنية اجتماعية ما، وباتت البنية التي أخذ بها غولدمان “ترتبط بالأعمال والتصرفات الإنسانية، إذ يكون فهمها محاولة لإعطاء جواب بليغ على وضع إنساني معين؛ لأنها تُقِيم توازناً بين الفاعل وفعله أو بين الأشخاص والأشياء“.[1] وقد أشار عبد السلام المسدّي في كتابه قضية البنيوية إلى مبعث ذلك التوجه وهو: إقامة توازن بين العالم الخارجي المتمثل في محيط الإنسان وما يضّمه من سياقات، والعالم الداخلي الذي ينبعث من الإنسان والبشر حوله لغرض التفاعل أو الرفض.[2] وتستهدف الدراسة قراءة رواية خاتم لرجاء عالم وفق هذا المنهج، والوقوف على أهم الإلماحات التي أنبأت بكثير من إرهاصات المجتمع المرتبط بالرواية زمانيًا ومكانيًا وسياقيًا.

اتخذت الكاتبة من (خاتم) رمزًا لمساءلة الفكر الاجتماعي المتعلق بعلو الصوت الذكوري، بل وضربت هذه الفكرة بجذورها في أصعدة مختلفة من النمط الحياتي في المجتمع الذي تعايشه. خاتم التي احتفت بطاقة الازدواج من أصغر بنية فيها وحتى تكامل الجسد، أطلقت الكاتبة من خلالها إشارات تستفز الرؤية الاجتماعية الكبرى، وتهزّ ثوابتها في صراع على مستويين مع: الذات، والآخر، ثم عمدت إلى بث الشكوك في مصداقية هذه الثوابت من خلال افتراض إمكانية حدوث اللاممكن بالنسبة لتلك الرؤية، وبالتجاذب مع تلك الافتراضات، وإنزالها منزلة الواقع ضمن واقع افتراضي آخر يشبه إلى حد كبير الواقع الحقيقي، ولكنه نشأ في حيّز الرواية.

وحين نتتبع بوادر هذا الانبثاق للطاقة الازدواجية بدءًا من بنية صغرى من شخصية (خاتم) شكلت عتبة النص، ألا وهو اسمها، نلمح بجلاء بون هذا اللفظ عن جنوسية ما، فهو لفظٌ على وزن فاعَل خالٍ من التأنيث اللفظي مما يكسبه الحياد الكافي لالتباس ذكورة أو أنوثة، كما يرتبط دلاليًا بالخاتم باعتباره حلية يشترك في ارتدائها الذكور والإناث، وهو رمز للارتباط والزواج وكلها مجتلبات شراكة بين ذكر وأنثى، كما تتكشف لنا في غمار بحثنا عن حضور هذا اللفظ في السياق التاريخي رمزية ذكورية ما، حيث يتبادر إلى الأذهان خاتم سليمان، وارتباطه بدلالات المنزلة والثراء والملك، بينما ورد توظيف هذا اللفظ دينيًا في قول المرأة المتعففة: “لا يُفضّ الخاتم إلا بحقه” كناية عن البكارة والأنوثة، وتعكس اقتران الانفتاح الجسدي للأنثى للممارسة الحسية بانزوائها في كنف رجل، وكلها دلالات تجعل من الخاتم حلقة تربط بين طرفي الصراع، وتسهم في تكثيف حيثياته، كما يحقق هذا التجاذب في السياقات التاريخية والدينية مبدأ التكافؤ والمساواة بين المرأة والرجل في فرص الوجود والحياة.

أما على مستوى الجسد فتتنامى هذه الازدواجية لتشكّل جسدًا منغلقًا لا ينفتح على ذكورة ولا أنوثة، وتتوسل الكاتبة في صياغة هذا التصور بمسار دلالي لكلمة خاتم، حين تعني الإغلاق، ثم تُجري فيه موقدات هذا الصراع الذاتي بمستوياته النفسية والجسدية، ومما يزيده قسوة وضراوة مفارقة أن الشخصية لا تملك حق الاختيار أو الانفتاح، بل هو بيد الشيخ (نصيب)، أي أن هذا القرار لا يصدر إلا بوصاية ذكورية، تمتد من اختيار الجسد (نصيب)، إلى التوجه العلمي (نصيب، إمام المسجد)، وممارسة الحياة اليومية (رفقة سند)، ومن ثم شرعية التعبير عن الذات (مطاردة هلال)، كل تلك المفاصل التي تشكّل هوية ما هي تحت سلطة الذكر، وقد حاولت الكاتبة من خلال فعل الشخصية (خاتم) أن تمرّر رسالة تدحض بها كل جانب من تلك الجوانب في معرض بحث الشخصية عن هويتها، وتعزيز وجودها في واقعها الذي يحتفي بالذكور، وهو ما دعمته الكاتبة من خلال استحضار الأماكن، فخاتم الذكر في منزلة عليا ارتبطت بالجبل، ولها حرية الخروج، واكتشاف الحياة بعيدًا عن قيود التقاليد المتعسفة، بينما تخضع وهي أنثى لسلطة الجدران فلا تغادر منزلها. وتعزز الكاتبة منزلتها الدنيا من خلال (الدحديرة، جدران المنزل، الأبواب الموصدة) وكلها تشي بالدونية والحبس والحصار، أما المحرك لهذا الصراع فهو رغبة نصيب في إنجاب ذكر، فحين فشلت محاولاته بعد حملات سكينة المتعددة التي أسفرت عن موت الذكر ونجاة الأنثى، جاءت خاتم؛ لتكون خاتمة هذه المحاولات، وفرصة نصيب في الحصول على ذكر ذهبت في طريق المحال، ثم جعلت الكاتبة من تكوين (خاتم) الجسدي مبرر نصيب في السماح لها بالعيش ضمن نمطين حياتيين مختلفين، إلا أن هذا الأمر ورد في الرواية مبررًا ومقبولاً – رغم كونه غير مألوف ولا صحيح – ممن يدركون حقيقته؛ لأنه بإذن نصيب ومشيئته، فتبنيه للمسألة أكسبها الشرعية والمنطقية، وهو ما يكشف عن نفاذ صوت الذكر ضمن مجتمعه، حتى ولو كانت هذه المباركة الذكورية قد خلقت صراعًا داخل خاتم التي بحثت كثيرًا عن منطقة راحة من هذه الحياة التبادلية المفروضة من قِبل نصيب. وقد حافظت الكاتبة على وتيرة الصراع من خلال الاندماج بين الروحين والجسدين، والذوبان التام في شخصية خاتم، فهي في جسد الذكر تتوق للحمل والإنجاب، وتستنكر فعل نصيب، وتتمنى العيش مثل باقي الفتيات، وفي جسد الأنثى تتوق لبنات الدحديرة، فالتزمت الكاتبة بتأجيج الصراع معوّلة على المخاتلات الدلالية، فحين يشعر القارئ كليًا أن خاتم أنثى تلقي بإشارة ذكورية تقلب الرؤية، والعكس، فهي مغرية لكنها تفتقد المفاتن، ورقيقة لكنها تلقي الحجارة، وتصعد الجبل…وهكذا. وجاء حرص الكاتبة على هذه الوتيرة التقابلية في معرض تكتمها على حقيقة جنس خاتم، وعنايتها باستمرارية الطاقة الازدواجية، وتصاعد حدة الصراع.

وقد وقعت خاتم في صراعها لأجل الوجود، والبحث عن الذات تحت العديد من الضغوطات التي حاولت توجيهها في المسارات التي اختارها أصحابها، فنصيب يرى فيها الذكر الموعود، وعمد من خلال السماح لها بممارسة الذكورة إلى أن يستنطق الجسد عله يستحيل ذكرًا خالصًا، أما شخصية هلال فقد مثلت ضغطًا يستحثّ رغباتها الجنسية الأنثوية للظهور بالتناسب مع أسلوبه العنيف والمزاجي المتطرف في التعامل مع خاتم، كما تلاءم وسلوكه حين عاب عليها خروجها وهي في عينه فتاة؛ تعزيزًا لفحولة الذكر الذي لا يرى الأنثى إلا في المنزل، وقد أكّد ذلك موقفُه الذي تُلخّصُهُ كلمة (يلعنك…) في نهاية الرواية حين صُوِّر له خروج خاتم عن كينونتها الأنثوية مما يُبِيْن عن هذا الرفض، وحاول جاهدًا أن يضعها في قالب الأنثى/الجنس أكثر من أي هوية أخرى. أما شخصية سند فصاغت وصاية مبطنة من خلال محاولاته امتلاك خاتم عاطفيًا، ومخاطبة الجانب الشعوري فيها؛ لتمثّل بالنسبة له الأنثى/ الشعور.    

لقد سعت الكاتبة إلى تضمين توجه مختلف، وصياغة أخرى للواقع عبر مقاربة صوت الأنثى مقابل صوت الذكر في روايتها، فالأنثى رمز للخصوبة والحياة (سكينة)، والمداواة والحنان (شارة)، والجمال والمتعة (تحفة والمغنيات)، بينما جاء حضور الذكور في أردية الغياب من خلال فعل الإجهاض، والموت بالأمراض، أو الموت في صراعات الحارات، أو القتل في المقاومة، وموتهم جميعًا في نهاية الرواية فلم يبقَ ذكر في بيت نصيب، والمفارقة هي تشكل الموت في صورة أنثى أيضًا (المرأة التي تجهض، الأمراض، الصراعات، المقاومة) كلها علائق للتأنيث، أعلت من خلالها الكاتبة صوت الأنثى، بينما نلحظ ضعف صوت الرجل شيئًا فشيئًا في الرواية حتى يخفت في نهايتها،  بل وجسدت الكاتبة حاجة الرجل للأنثى في مناحٍ عديدة، فالذكور يختبئون في ثياب النساء خوفًا من فتك جنود الترك، وجاء هذا التوسل بكينونة المرأة ملمحًا للتشبث بالحياة، حتى سند الذي تفتحت له مدارج السمو العلوي، والتجلي الإلهي، لم يرقَ، وعزا هذا الأمر لعدم وجود خاتم إلى جواره، وناشدها كثيرًا أن تشاركه حدوث هذه الكرامة، وهو ما يعزز البعد الدلالي لكلمة خاتم، فهو حلية ترصع بالجواهر، وسند برع لدى الجواهرجي، ولكنه بحاجة إلى خاتم يحمل ما لديه من أحجار كريمة، وكلها إشارات رمزية تعكس حاجة الذكر إلى أنثى تقاسمه الحياة والتقدم فيها ضمن مشاركة متكافئة بعيدًا عن الطبقية بينهما. وجعلت الكاتبة من رفض خاتم الزواج، وبكائها يوم العرس، ووصفها العروس بالضحية ورغبتها في إنقاذها من العريس ذي المخالب، وغيرها من سلوكيات دلالة رفض السلطة الذكورية على الأنثى في خاتم جسدًا وروحًا.

وحين نتتبع تصنيف سلوكيات شخصية خاتم وأفعالها، نلحظ غلبة التماهي النفسي على الفعل الحقيقي لديها، مما يوحي بأن الشخصية بأكملها في جوهرها مفهوم ذهني، يقاوم تصورًا أكبر صاغ من خلاله المجتمع صورة الذكر، ووجود المرأة ضمن رؤى مؤطرة، بعيدة عن الواقع الحقيقي الذي كان يمكن أن يتحقق لولا هذه القيود الأيديولوجية.    

وفي خضم هذا التشابك التقابلي صنع العود التوازن من خلال عدم انحيازه لخاتم الذكر، أو خاتم الأنثى، فهو فعل محايد تمارس من خلاله الشخصية حرية تفلت فيها من سلطة الجنس، تبثه آلامها وهموم مناصفتها بين الجنسين، وتعزز فكرة المشاركة والمساواة بين المرأة والرجل في فعل واحد، كما يكشف التطور في هذا الفعل عن رؤى اجتماعية مستقبلية صاغتها الكاتبة من خلال براعة خاتم في العزف على العود، واكتسابها هذه المهارة التي تفوقت فيها بسبب المساحة الحرة التي أعطيت لها لممارسة الحياة واكتشافها، بينما لم نلحظ ضمن الرواية أنثى تبرع في شيء ما غير خاتم حتى مغنيات الدحديرة أنفسهن، فكأن النص يحمل مغزى مفاده أن المرأة تتفوق حين تتاح لها فسحة من الحرية، وتفتح لها أبواب كثيرة من فرص الحياة، هذه الحرية التي مُكِّنت لخاتم ولم تُمكّن لأنثى في النص، جعلتها في مقام المساواة مع سند (أنموذج ذكوري ناجح) الذي تفوق لدى الجواهرجي في معرض إرساء مبدأ تكافؤ الفرص. 

لقد مثّلت شخصية خاتم مركز الصراع الذي انبثقت عنه صراعات متعددة تشق صدر المجتمع الذي تعاين الكاتبة ثغراته القيمية من خلال الثنائيات الضدية المختلفة، ونقطة الانبثاق هي خاتم بخطابها الأيديولوجي المتشظي، وسلوكها المتذبذب بين طرفي جنس، فتكشفت من خلالها انتفاضة الطبقة الكادحة في وجه السادة، وأظهرت ملامح الفساد في بيع الأطفال، وخاصة الإناث (ضحى) مما يساند الصراع الجنوسي الأكبر في وضع المرأة ضمن منزلة دنيا بإتاحة النساء للبيع والشراء، حيث بيعت (ضحى) ولم تستقر حتى تزوجت، وخاتم هي حلقة الوصل، فهي من بيت ثري، وتزور المنطقة الفقيرة، والتي أسمتها (الحميم)؛ لما فيها من بؤس، وتردٍ للأحوال، والفاصل بين الجهتين مسجد، ولذلك دور في صنع مفارقة دلالية، فللمسجد قداسة دينية، وقيمة روحية، وهو رمز للطهارة والصلة بالله، وتلك الدلالات هي التي ترسم حدود الفصل بين النمطين المختلفين للطبقتين، كما تسلط الكاتبة الضوء على انقسام اجتماعي تمثل في ممارسات دينية أخلاقية تحافظ على الصلاة، وتسعى لدراسة علوم القرآن والسيرة على يد إمام المسجد، وانفلات منها بالعزف على العود سرًا، ومجالسة المغنيات، وكلها من يوميات خاتم، إضافة إلى سياق سياسي بدا باهتًا في ثنايا الرواية، ثم أخذ يظهر بقوة في الجزء الأخير منها، تمثل في السلطة العثمانية التركية، مقابل العروبة التي ارتبطت بمكة من جذورها التاريخية القديمة، وخاتم هي تَشَكُّل تلك الفكرة على أرض الواقع، فهي عربية تعيش في بيت عربي، لكنها تزور قصر الأتراك، وإذا ما صورنا هذا التمركز لخاتم في إطلاق الصراعات نصل إلى حركة دائرية تعكس هيئة الخاتم باعتباره مفتاح النص، هذه الاستدارة تجلّت في فعل الطواف، وفي استدارة المسار حول الحرم، ومن ثم في انغلاق الصراعات تدور في مساراتها، وتعود إلى حيث بدأت لا تنتهي، ولا تُحسم، هو الانغلاق الذي وسم به جسد خاتم، وواقعها، والصراعات من حولها؛ لتعطي أفقًا دلاليًا أكثر رحابة يجعل من خاتم هي مكة، وهي المجتمع بكل تكويناته القيمية المتناقضة، وقد عملت الكاتبة على تعزيز هذا التقابل من خلال الأمكنة المختلفة:

  • ذكورة # أنوثة= خارج المنزل/ داخله.
  • الغنى # الفقر= الجبل/ الدحديرة.
  • التيار المحافظ # الطرب واللهو= المسجد (الظاهر)/ السطوح، منزل تحفة (الخفاء).
  • العروبة # العجمة= المنازل/ القصور.

لتبدو حركة الصراعات وتشابكها في هذه الصورة:

    

وقد ساهمت الشخصيات في إثرائها بالتفاصيل، فشخصية (هلال) رمز للطبقة الكادحة، وبما يشي به اسمه من ارتباط بالظلمة وضمور الضوء استطاع أن يعكس واقعًا بائسًا للفئة المعوزة التي يمثلها، فمال إلى العنف كنتيجة منطقية لطبيعة حياته، وحاول أن يتلبّس صورة البطل الصعلوك؛ ليكسر أطر الدونية التي يشعر بها ضمن أعراف مجتمعه، فكثرت حروبه في الحارات، وكثر الثائرون، لكن لم يزده ذلك إلا قوة وصلابة في مواجهة الضعف والانكسار. وشخصية (سند) الذي يلخّص اسمه الغاية من تربية نصيب له، فقد توسّم فيه السند والعون باعتبار أن ذلك لا يتحقق إلا بذكر، أخذ يتوسل بالحجر الكريم، يتطلع من خلاله إلى السمو العلوي، ومناجاة الإله رغبةً منه في التخلص من الإحساس بنقص طبقي سببه كونه في الأصل وأهله من عبيد نصيب. أما (نصيب) فله في الرواية سلطة الوالد وكبير الأسرة، يأتمرون بأمره، وله في التأويل سلطة القدر، حيث يُعوّل على النصيب كثيرًا في تبرير المصائب، أو الوقائع، إضافة إلى رضوخ الشخصيات لمشيئته، وهي مبالغة منطقية تتناسب وإطلاقه صراع خاتم، فكأن السلطة التي تواجهها لها سطوة القدر، في إشارة إلى شدة وطأة سطوة الرجل على المرأة. أما المغنيات في بيت (تحفة) فهن معادل لنظرة دونية للمرأة على مستوى الجنس، بينما شكلت (سكينة وشارة) معادلاً لغياب المرأة عن ساحة مجتمعها، وانصرافها إلى المنزل تبقى حبيسته، ولا يخفى أن تنوّع جنسيات المغنيات يوفض إلى فحوى سياقي من حيث إن مكة هي مجمع قلوب المسلمين من كافة البلدان، وفحوى دلالي من حيث إن الأدلجة التي يناهضها النص هي شركة بين العديد من الدول، ولا تختص بمجتمع بعينه فقط.

وقد أفرغت الرواية الكثير من حمولاتها حين بلغت نهايتها، وحين مات الرجال كلهم، بقيت خاتم منشطرة المصير ضمن اللاحياة، واللاموت، وجاء ذلك ضمن تكتم الكاتبة على حقيقة جنس خاتم، وكأنها تجيّر للواقع ممارسة استكمال هذا الصراع الذي يتسم بالاستمرارية، ولا تحده نهاية؛ لذا أطلقت النهاية مفتوحة على عدد من الاحتمالات، لا يمكن ترجيح أحدها، إذ لم ينته الصراع في الواقع بعد، وإن انبتّ ضمن حدود الرواية.

نقلت هذه الرواية واقعًا موازيًا للواقع الحقيقي، يتقاطع معه في نقاط مفصلية هامة، لكن أحداثه وشخصياته تسير وفق رؤية الكاتبة المقصودة، والتي تنفي اعتباطية الواقع، لكن الكاتبة حرصت على تسليط الضوء على كثير من موجودات الحيز الأصلي؛ لتلبس هذه الرواية شيئًا من الواقعية بدءًا من تفاصيل المكان، وموجوداته من منازل، وشوارع، ومحلات، وأثاث، وثياب…إلخ. وقد وظّفت الكاتبة لتجسيدها عاملي الوصف والخيال، ثم أثرت ذلك كله بالعديد مما شاع في تلك الحقبة المستهدفة فترة حكم الدولة العثمانية من قيم ومعتقدات وأعراف، فحين ضجّت مكة بالبيوت القديمة التي حوت قصص الجان والأرواح، نلحظ ظهور ذلك في تفسير غضب سكينة من تبني (نصيب) ابنًا له من خلال روح شريرة تطوف بالمكان، وتؤذي سند وأمه، ولما كانت منطقة الحجاز في تلك الحقبة ساحة للتصوف بحكم وجود الحرمين فيها، نلمح إشارات ذلك من خلال الكثير من أفكار الصوفية حول مناجاة الإله، والخلوة في حضرته، وبلوغ المرء بذلك مدارج السمو النفسي والجسدي حين يصبح غوثًا وذلك من أعلى مراتب الصوفية، كما أن الإحالة على الأحجار الكريمة تستجلب إلى الأذهان البيت الصوفي الشهير للسهروردي :

على العقيق اجتمعنا      نحن وسود العيون [3] 

الذي يتحدث عن حلقات الذكر لدى الصوفية، وهي تعني أن المتحلقين حولها لهم حظ في الطريق إلى الله ، وكلٌ له نقطة انطلاق يصبو منها إلى مركز الدائرة التي تعني الحق، والأحجار الكريمة بشكل عام تعالقت والكثير من المعتقدات الصوفية، وبدا ذلك جليًا في تماهي سند والجواهرجي في العمل عليها، والتواصل الروحي بينهما وبينها. وقد اهتمت الكاتبة بإسقاط العادات والأعراف في مجتمعها ضمن مجتمع الرواية، فتجلى ذلك في طقوس الأفراح والتعزية والولادات والولائم، وطبيعة المعيشة، ولعب اعتماد لغة الحديث بين الشخصيات ضمن اللهجة الدارجة دورًا في الإقناع بواقعية هذا المحيط. وعنيت الكاتبة أيضًا بالظروف السياسية المتعلقة بتلك الحقبة، فأولتها حظها من الاستحضار في أحداث الرواية، وأوجدت ضمن ذلك كله شخصية خاتم بوصفها معادلة صاغتها لمفهوم مغاير، وطرحت من خلال هذه الشخصية سؤالاً مفاده: ماذا لو؟ وتركت الإجابات مبهمة تنفتح على الواقع، بحيث تبقى هذه التجربة حية تستقبل التحولات المختلفة بحسب المتغير في طريقة تعاطي أفراد المجتمع مع هذه الفكرة، وبالتالي المتغير من نظام المجتمع وفقًا لذلك.       

المراجع:

  • السلمي، سليم ساعد (2008م) البنيوية التكوينية (مقال) دار ناشري للنشر الإلكتروني nashiri.net
  • المسدي ،عبد السلام (1991م) قضية البنيوية – دراسة ونماذج، ط1، تونس، وزارة الثقافة.
  • أدب، الموسوعة العالمية للشعر العربي. تاريخ البحث 30/10/2018م adab.com

 

تحميل الدراسة 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *