لماذا نرسم؟

لماذا نرسم؟

 

نجمة الشاكر

إن أي رسامٍ تحركُ مكامنَه الداخليةِ ومشاعرَه العواملُ الخارجيةِ، كالطبيعةِ والمواقفِ المختلفةِ وعلاقةِ الأشياءِ ببعضها والبشرِ ببعضِهم، وأسماها وأعلاها علاقة البشرِ بالله عز وجل، وما يهيمن على خلجات الروح ويحرك فيها السكون ويجعلها في حالةِ استفزازٍ دائم، وتدفعُه إلى التساؤلِ: كيف؟ وهل؟ ولماذا؟
أو شعور داخلي مبهم يلهمه التعبيرُ بطريقةٍ ليس لها أحرفٌ ولا كلمات، بل بمزجِ الألوانِ الأقربِ إلى شعورِه والديناميكيةِ اللاشعوريةِ التي يعملُ عليها الرسامُ كما تمليهِ عليه حالتُه، أو يعبر بتركيبِ العناصر المختلفة بشكل جماليٍ متناسق في اللوحةِ يراها مناسبةً تمامًا لمشاعرِه وِفقًا لذوقه.
فجُلَّ مايتمناهُ الرسامُ فقط أن يفجرَ مكامنَ روحِه ورغباته ومشاعرِه المختلطة من فرح وحزن وخوف ورجاء وتوسل ليهدأ قلبه ويجد سكينته وراحتَه، وهو في ذلك إذ يشعرُ بانسجام تام بين روحه وعمله الفنيِّ وكأنّما إلهام يهبط عليه في لحظةِ سكينةٍ تامةٍ، وهو إذ ذاك يجردُ روحَه من التراكماتِ المتداخلةِ ويرتبها بطريقة فنية رائعة، وكأنه يوجد حلًا للغزِه أو جوابًا لسؤاله.
وقد يسمو بروحِه فوقَ السماءِ السابعةِ حيثُ اتصاله باللهِ عز وجل في لحظةِ خلوةٍ وانفراد، وهو إذ ذاك يتعبدُ اللهَ بفنِّه ويناجيه فتخضع له أدواتُه وفرشُه لتتمازجَ الألوان بشكل أقرب إلى الهدوءِ والسكون بعد ثورة عاصفةٍ داخلية، أو بألوانٍ متباينةٍ توحي بتباين الشعور والصراعاتِ التي بداخلِه.
هذا حال الرسام وله فيه مآربُ أخرى وتعابير مختلفة مقصودة أو غير مقصودة، وكلها تعكس حاله بشكل أو بآخر.
تقول الكاتبة أحلام مستغانمي:
“أدركتُ في النهاية أننا لا نرسم ما نسكنه بل ما يسكننا”

والرسمُ بغضِّ النظرِ عن كونه وسيلة للتعبيرِ، فهو أيضًا وسيلة تعليمية ناجحة، ووسيلة لنقل الثقافات والحضارات بين الشعوبِ والأمم، استخدمه الأقدمون منذُ فجرِ التاريخ قبل اختراع الأحرف، ابتداءً من رسم معبوداتهم إلى كتابةِ الرسائل بين الملوكِ وتدوينِ الأحداثِ التاريخيةِ كاللغة السومرية والهيروغليفية التي هي عبارة عن رموز ونقوشات مختلفة، ورسمِ الخرائطِ ومرورًا بالتطوراتِ التي مرّ عليها الرسمُ وأدواته عبرَ التاريخ، فاخترعت الألوانُ المختلفةُ للأسطحِ المختلفة حتى وصلنا في عصرنا الحاضر إلى الألواحِ الرقمية وبرامج الرسم وتطبيقات التصاميم المختلفةِ، ولكلٍ هواته ومحترفوه.
ويبقى الرسمُ شكلاً من أشكال التعبير والتعليم عبر الأزمانِ لا يقلُّ شأنه عن شأنِ الكتابة.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *