قراءة لكتاب التحليق بعيداً

الأستاذة بسمة القثامي*

قدمت القراءة في أمسية تدشين كتب جماعة فرقد الإبداعية بأدبي الطائف 

الكتاب : التحليق بعيدا 

المؤلفة: وفاء سالم الغامدي

منذ وصول الكتاب إلى يدي وروحي لاهثة، راكضة لكنها، خلف التحليق بعيدا ارتطمت وتعثرت بالمقدمات في مستهل الكتاب والتي كتبها الشاعر عبدالله بيلا، والكاتب عبدالرحمن الدرعان. إذ يحدث أن يقتل الكاتب عمله الإبداعي بكتابة مقدمات للكتاب فالإبداع يقدم نفسه بنفسه،لا يحتاج إلى مقدمة وكما اتفق معي مقدم كتابها عبدالرحمن الدرعان بأن التقديم قد يعطي نتيجة سلبية تضر بالكاتبة وبالقارئ عليه أكثر من أن تضيف له حين استفتح تقديم الكتاب بقوله: ( قد تكون عبئا عدا عن كونها قد تفسد العلاقة الحميمية التي يفترض أن تتشكل بين الكاتب والقارئ وتؤطر مخيلته).

هروب جميل

حين نتحسس مواطن التحليق المضيئة نجدها في فرار الكاتبة من واقع لا يحتمل إلى أفق الخيال الذي تنتمي له و يؤثث الجمال ويصنع الفرحة. هذه الحالة، حالة الهروب تحمل معنى الخوف والعزلة من قلب الوجود كما لو كان كل فرد يصنع جزيرته بنفسه مع حطام الواقع وعراك معه. ويعده بعض النقاد هروبا مؤقتا من الواقع ووقائعه الفجة إلى عالم المتخيل، الذي يتيح للذات أن تستحضر ما تشاء وتحاور من تشاء وفق شروط لعبة الكتابة.

ولعلنا نلاحظ تكرار رفض الواقع والهروب منه في قولها: (أريد أن أقول إننا نعيش واقعًا صعبًا بما يكفي طالما أننا لانملك تغيير الواقع لنصنع واقعًا جميلا ً)  ثمة نفور واضح و قوي من الواقع، يحس به القارئ اتجاه النصوص، فهناك شهقة لتهدئة الألم والفقد وانهزام القلب أمام الحياة والهروب منه إلى مواضع النسيان، وفواجع الزمان، كما تحضر الأقوال الباطنة بكثافة كبيرة وتمتد على مساحات واسعة من النصوص فيما يشبه الحوار الداخلي، وقد يأتي هذا الحوار الداخلي على هيئة مونولوغ حين يتذكر المتكلم ماضيه الخاص، ويرويه لنفسه وقد ورد هذا المونولغ في استرجاع الكاتبه لماضيها، ودثار كلمات الأب وحكاياته، والشتاءات والعزلة والغربة و دربة الأم على ملازمة إحدى زوايا البيت للقراءة والترتيل، وتسترجع الكاتبة مواقف خالدة في نصوص مباشرة حرة، تنقل فيها معاناتها مع الفقد والحرمان كذكرى عيد مفقود بفقد والديها، والتي لاتملك فيه إلا صباحات شامخة تنثرها على أرواحهم، وحملها للدلالات الإنسانية المعبرة ،تكمن فتنة هذه النصوص في صدق مشاعرها، وحملها للدلالات الانسانية المعبرة، وفي كونها كالشهب تومض في ذهن القارئ اثناء قراءتها وسرعان ما يبقي أثر التجربة عالقًا في أرواحهم. و إذا ألقينا نظرة سريعة على بعض النصوص نجدها قد كتبت في حالة فائقة من الصفاء وهذا واضح في نصوص (شافعية الحب، عطر، يقين ، وتساؤلات مسددة).  والبعض كتب بتقرير اللحظة، للحظة خوف وآمال متعثرة ( كقدر كئيب، محاولات، غيمة  الأمنيات)

فتارة تسمع فيها ، تضج بألم الحياة، وكل موضوع في هذا الكتاب هو بناء متكامل والزوايا المحاصرة بالشموع والدموع، ولوحة فنية، حديث الهدايا الكئيب ونص الوهن الممتد بعلو روحها وسرقة بريق الأمل من عينيها. وأرواح نقية تبعث الفرح في القلوب، لكننا نتلمس أثره ونجني ثماره، وتارة ثمة جمال خفي لا يظهرمن تحب.

وكل موضوع في هذا الكتاب هو بناء متكامل، ولوحة فنية، تضج ظبالم الحياة، فتارة تسمع فيها حديث الهدايا الكئيب، والزوايا المحاصرة بالشموع والدموع. ونص الوهن الممتد بعلو روحها وسرقة بريق الأمل من عينيها. وتارة جمال خفي، لايظهر، لكننا نتلمس أثره ونجني ثماره، وأرواح نقية تبعث الفرح في قلوب من تحب

الرهان على حزن المتلقي

 

  تطغى على المواضيع صرخة أنثوية مدوية، رغم اصطباغها في بعض الأحيان برؤية متفائلة ، إلا أن الكاتبة تبدو كمن ينهج الأسلوب السوداوي المغلف بنظرة تشاؤمية في نصوصها لانه يدغدغ مشاعر الحزن، ويستحضر ، مستدعيا الذكريات المكنونة في روحه.

 المشافهة في الكتابة

تعتمد الكاتبة، الأسلوب البسيط والسرد الذاتي غالبا من الكتابة ً كأنها تشافه القارئ بدلاً من الكتابة إليه وهذا أوقد في رأسي سؤال، مالذي يريده المرء أكثر من أن يكون على قيد الدهشة طوال قراءته للكتاب؟! حيث الكتاب محطة استراحة للقارئ في أغلبه، مع استثناءات متفرقة، يظهر فيها الاشتغال الفني على الصورة، وضخ شعور هائل في مساحات ضيقة ومتقنة، مثل : (لا اللغة . البائسة ولا المفردة اليائسة تغير شيئا هي الواقع تلوكه بمرارة ثم تبصقه في وجه الأوراق فقط)

تراتب شعوري

يظهر لدى الكاتبة، حين التمعن في الإطار العام للنصوص ، اتساق الأفكار تماسكها إلى حد لافت فالكتاب يكاد يكون سلسلة متصلة بانتظام خفي وجلي، يربط ما قبل بما بعد في تراتب شعوري متدرج، يلتقطه القارئ الفطن وينتبه إلى مسار تصاعدي على مستوى الانفعال،إذ يقرأ نصاً ويأخذه النص التالي الى منطقة شعورية متصلة بالسابقة ومتقدمة عنها.  كما في النصين المتتالين : ومضة، وبلون رائحة الورد.

ويظهر هذا التراتب المقصود، أيضاً على مستوى الفكرة فالكاتبة تمجد الكتابة وتنثر لها سطورفي وصفها وتمنحهاتعريفها تعريفها الخاص ،  بقولها : ( الكتابة إحساس تترجمه الكلمات.. الكتابة جمال يحاصر القدبح ويرتب ملامحه.. وتعاريف أخرى).

بعد هذا الانغمار في الكتابة ووصفها، تأخذنا الكاتبة إلى الدافع الأول والخطوة الأولى لها، ،القراءة، فهي وقود الكتابة بل وتصفها من العنونة بالشغف ابتداءاً من أوراق التقويم وانتهاء ً بالقراءة/الشغف والإلحاح والحاجة.

ثم تجمع الكاتبة بين الفكرتين في تجانس جميل، إذ تعقد مقارنة في الفرق بين القراءة ، والكتابة.  واستجابة لشغف وتمنع الثانية إذ هي  مايحدد اللحظة والطريقة والمكان. تقول: (المدهش في كل هذا أنني انقاد للقراءة بكامل رغبتي وإرادتي وعن قصد.. إلا أن الكتابة على العكس تماما فهي التي تقدودني إليها حين تشاء ً)  .

الغاية والوصول.

  نجحت الكاتبة في إظهار ذاتها والتعبير عن عواطفها ومشاعرها وأحاسيسها وأرائها، ونظرتها للواقع لكنها غفلت في بعض الأحيان عن التعبير بأناقة الكلمات وتوظيف الإيحاء وممارسة الإيماء، التي كان ممكنا لها أن تسهم بشكل أعمق في شد القارئ، والتحريض على التعاطي مع النصوص بإعمال الفكر، والقدرة على طرح الأسئلة ، وتلك واحدة من أهم ممارسات الكتابة الحديثة ، ألا وهي بشكل واضح ومباشر  (إعمال الفكر، والقدرة على خلق أسئلة تحرض على إشغال الذهنية بما هو استفهامي، بتداخل مع ما تقدمه النصوص من جماليات. فالقارئ الذي يبحث عن فكرته الخاصة داخل نصوص الكتاب،  سيجد كثيراً من الأفكار المطروقة جاهزة ومباشرة، وهذا ما قد لا يتسق، مع ما قلنا به قبل قليل وهو ( إعمال التفكير) . ختاما وبصورة عامة، يبدو الكتاب ، مبشرا، وهو يقدوم بدور الدليل في رحلة ، ترنو للتحليق عاليا بعواطف الإنسان ، رحلة هدفها الوصول إلى مزيد من الفهم ، لكوامن الذات البشرية ، عبر مقاربة أكثر اللحظات الإنسانية في حياتنا ، ضخا للمشاعر، وما يترتب على مقاربة هذه المشاعر، من أفكار ورؤى ومفاهيم ، يمكن أن تسهم في ترتيب خطواتنا، كبشر، وتجعلنا أكثر قدرة ، على مواجهة الواقع ،

والسعي للتصالح معه بما هو ايجابي، ومنتج لأفكار خلاقة ، تعيد تشكيل الحياة، بما هو أكثر قدرة على منح الوجود بشارات مضيئة ، وما شابه ذلك

________________________________________

* ناقدة سعودية ـ ماجستير تخصص أدب ونقد محاضرة في جامعة أم القرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *