قراءة نقدية سيميائية لقصة (الحل الوحيد لعبده خال)

شروق عبد الرزاق الوافي 

تندرج قصة “الحل الوحيد”، ضمن مجموعة قصصية معنونة بـــ” الأوغاد يضحكون” للأديب السعودي عبده خال، وهي من نوع القصص القصيرة، تقع في ثلاث صفحات، وسنقرؤها -وبالله التوفيق- بعين سيميائية.

لتكن بداية القراءة من العنوان، بصفته نصًا موازيًا، يعطي النّص أبعادًا دلالية، ويأخذه إلى طرق تأويل متعددة. وُسِمت القصة بــ”الحل الوحيد”، أي بتركيب وصفي معرف الطرفين بـ ال، يسقط منه عمدًا الخبر المتمم لمعناه، فيبقى رمزا معلقًا لا تُفهم دلالته القطعية إلا بقراءة كامل النّص، لتؤدي رمزية العنوان هنا دور الغواية للمتلقي.. باعثًا فيه أملاً ما، لحل مجدٍ لم يتعثر به قبلاً، حتى يُنقض هذا الأمل آخر النّص، في تركيب وسياق يتلاءم بسلاسة مع النّص الرئيس، والنصوص الموازية الأخرى.

أما النص الرئيس، فقصة، بُنيت على الحوارية، والتبئير الداخلي، تم فيها التعرّض للمكان عبر اقتران الحدثية والحوار بالأطباء والممرضات، فيتبادر للذهن بداهة أنّ القصة تحدث في مشفى، أو عيادات طبية دون أن يذكر النّص ذلك صراحة، وتتجاهل القصة ذكر الزمان تمامًا، لتترك رسالة خفية بإمكانية تكرار الحدث دائمًا، خاصة وأن شخصيات القصة كذلك متروكة بدون تسمية / هوية.

مشكلة النّص، أو عقدته تتمثل في رمزية “المرارة” الملازمة للشخصية الرئيسة:

“قلت له: أشعر بمرارة تلازمني أينما اتجهت. وبعد فحوصات، وتحاليل، وأشعة مقطعية، وطولية، وملونة، لاطفني بود:

-أنت لا تشكو من شيء.. أفلا تستطيع أن تتعود على هذه المرارة” [1]

والمرارة مرتبطةٌ دلاليًّا بأكثر من معنى :

فترتبط “المرارة” عرفًا بالصبر وليس لذلك الارتباط علاقة تشريحية وظيفية، إنما ارتباط موروث في الأمثال وفي اللغة اليومية، ثم إنّ فيضان المرارة التي بدت وكأنها مفقوعة في القصة، يشير بالضرورة إلى فراغ صبر الشخصية الرئيسة من صعوبة الحياة، لتلتقي بهذا المعنى بتناغم مع الحل الوحيد المقترح لمرارة الحياة: الموت.

“كيف هي المرارة (معك) الآن؟

أشعر بأن فمي بحر من مرارة تفيض، كنهر لا ينضب.

ألم تلاحظ متى تخفّ؟

عصرت ذاكرتي…. صحت به: نعم، أشعر بطعمها يزول من فمي كلما تذكرت الموت، أو فكرت فيه!”[2]

 وعلى المستوى النفسي ترتبط “مرارة” الحياة، بحالات الاكتئاب الشديدة، والتي يصعب علاجها طبيًا، وغالبًا ما تنتهي بذات الحل المقترح: الموت / الانتحار، يؤازر هذا السياق أن عامة ألفاظ وتراكيب النص تحمل دلالات التشاؤم، والسوداوية، وتهويل الأمور:

(أسقط بحلقي، غرس تلك الملعقة الخشبية، دفعوني، يأمرني، أسفل قاع، أخرجَ صوتًا أشهو بالاستفراغ، شعرُ بشرتي يستنشق هواءً مرًّا، استنفذت كل الطرق……)!

ومن اللافت للنظر، استعارة ألفاظ مرتبطة بالسيولة والدائية لو صف حالة “المرارة”: 

(بحر “مرتين”، تتدفق، تفيض، نهر، لا ينضب، عصرت، بغزارة، سالت)، فارتبطت المرارة بعنصر

“الحياة” الرئيس: الماء!

وفي إحالة الإحساس بالمرارة من “الفم” وىو معقل التذوؽ، إلى “الحلق” في أكثر من موضع، “… المرارة التي أحس بها تزداد، وتتدفق في حلقي…”[3]

 إشارة ضمنية إلى معنى عرفي، يتم فيه التعبير عن أمرٍ علقنا به، وضقنا به ذرعًا، أنه في الحلق مستقر!

ويرتبط الحلق بمجرى التنفس / الهواء كذلك، وهو كذلك عنصر حياة أساسي!!

وإن تفرعّت الدلالات اللغوية في معانيها تضمينًا واستعارة، إلا أنها تجتمع في نقطةٍ واحدة، تجعل لرمزية “المرارة” معنى: الحياة /أو عناصرها التي تقوم بها، وبهذا الكشف يبدو “الموت” الحل الوحيد لمشكلة المرارة/الحياة! بعد أن رفضت الشخصية الرئيسة اقتراح الطبيب بالتعايش : “أنت لا تشكو من شيء، أفلا تستطيع أن تتعود على هذه المرارة؟”[4].

وبالوصول إلى آخر القصة، تتحول مجريات الأمور إلى مسار غير متوقع، في: ربط زوال المرارة  بالموت كحلّ، وفي ردة فعل الطبيب.

فالأولى اكتسبت وقع الصدمة نظرًا لسياق القصة وطريقة سير الحكاية الهادئ، الذي كان يبدو أنه بحث عن “حلّ” جذريٍّ قابلٍ للتطبيق. أما ردة فعل الطبيب فاكتسبت الصدمة من مناقضة ردة فعله الأخيرة، لعموم سلوكه في النص، ولأن “الحل الوحيد” المقترح، غير معمولٍ به طبيًّا / منطقيًّا!

هذه الضحكة الصادمة قد تشكل ابتسامة خفيفة لدى المتلقي، لتنتهي القصة كأي قصة ساخرة، لكن ثمّة ارتباط مباشر بين العنوان الرئيس للمجموعة القصصية “الأوغاد يضحكون” وآخر هذه القصة ارتباطًا يعكس ظلالًا جديدة للمعنى، ويُعطي بعدًا غير مصرح به لحقيقة شخصية الطبيب، فتوظيف رمزية الطبيب، التي تستجلب تصورًا ذهنيًّا عن البياض، والأمانة، والإنسانية، انكشف عنها الغطاء بسلوك أخرج مكنونات نفسه الحقيقية فدخل ضمن إطار “الأوغاد” السابق ذكرهم.

وبعد تكشف بعض أجزاء النّص، تكون السياقات في القصة قد أخذتنا إلى نصّ موازٍ آخر، لتتقاطع معه، ومع هدفه، ففي إهداء المجموعة القصصية:

“جوى:

تأتين كأغنية في حنجرة شيخ يتغرغر بها ليتذكرحلاوة الحياة، أبوك لا يكترث بالأوغاد….. فتعالي …. نضحك على ىؤلاء الذين يعكروف صفو الحياة.”

وتبقى الحياة مستمرة بمرارتها، ويأبى الأوغاد إلا الضحك.. وإن كان هذا التصور يمثل انعكاسًا فرديًّا، إلا أنه تمثّل بشكل جيّد، وتشبث بأكثر من مستوىً دلالي، ليتلبس فكر المتلقي بما يلائمه.

____________________________________

([1]) الأوغاد يضحكون، ص 167.

([2]) الأوغاد يضحكون، عبده خال، رياض الريس للكتب والنشر، 2002م، ص166.

([3]) المصدر السابق، ص166.

(([4] المصدر السابق، ص 166.

One thought on “قراءة نقدية سيميائية لقصة (الحل الوحيد لعبده خال)

  1. أعجبني أسلوبك في النقد أستاذتي شروق الوافي..

    لست بقارئة ولكن أشعر بالفضول والحماسة لقرائت القصة المنتقدة.

    شكراً لك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *