تاريخ الجنون

 

بقلم: علي بدوي*

بداية يجب أن ندرك من هم المجانين في العصر السادس عشر (بداية العصر الكلاسيكي)، فبحسب الفيلسوف ميشال فوكو فقد كان كل من الأحمق والبخيل والفاسق والملحد والمشاكس وكثير الشغب والكذاب وبذيء اللسان والمرابي والمرأة التي تطالب بحقوقها ومن يشنف أسماع الناس بالغناء في الأماكن العامة والمومس وكذلك المجانين أو المتفق والثابت جنونهم، كل هؤلاء يعتبرون في ذلك العصر مجانين وأصبح لا بد أن يوضعون في السجون وليس في مصحات عقلية كما عهدناه ونتوقعه، لأن أوروبا لم تعرف المصحات العقلية إلا في العصر الثامن عشر ( أواخر العصر الكلاسيكي) أو ما يسمى بعصر الأنوار عن طريق العرب، حيث أنشئ أول مشفى للمجانين في مدينة فاس مع إطلالة القرن السابع الميلادي، وفي بغداد مع نهاية القرن الثاني عشر ، ثم في القاهرة في القرن الثالث عشر، وقد كان العرب يعالجون مرضاهم بحسب ميشيل فوكو باستخدامهم وصفات روحية تستعين بالموسيقا ومشاهدة الفنون المختلفة والاستماع للحكايات والقصص الغريبة بإشراف أطباء متخصصين وليس سجانين وسجون ومعتقلات كما في أوروبا، وفي هذا إنصاف للعرب من قبل فوكو وما كانوا عليه من تقدم فكري وثقافي وطبي آنذاك.

وبالعودة للجنون في العصر الكلاسيكي فلقد كان المجانين والمرضى الذين يعانون من أمراض جنسية يقيدون ويجرون بالسلاسل والقيود، ليوضعوا في أماكن تمكن العامة من مشاهدتهم ودفع مبالغ نقدية زهيدة مقابل الفرجة عليهم والاستمتاع بما يقومون به من حركات تجبرهم على فعلها السياط التي تنهال على ظهورهم وجلودهم، في عمل لايمت للإنسانية بشيء بل وينحط للحيوانية وأكثر.

وهناك سفينة الحمقى وهذه السفينة كما يقول فوكو فقد كانت تجوب الأنهار والبحار دون رسو، وكانت تحمل على متنها كل الحمقى(المجانين)الذين يُنفون وتنفيهم مجتمعاتهم من المدن التي يعيشون فيها ليلحقوا بغيرهم من الحمقى والمجانين حتى إن ربابنتها وملاحيها يلقونهم في البحار لتلتهمهم الأسماك وهذا كان في نهاية القرون الوسطى أي ما قبل عصر النهضة.

وبحسب ميشيل فوكو فمقدرة المجانين على تحمل البرد القارس والذي تصل فيه درجة الحرارة لست عشرة درجة مئوية تحت الصفر وهم عُراة تماماً بالإضافة للرطوبة العالية في السجون التي يوضعون فيها والمليئة عادة بالجرذان والمياه الآسنة كل هذا؛ يعطي المجنون مناعة شبيهة بالمناعة لدى الحيوانات، وبحسب رأيي المتواضع ككاتب للمقال أعتقد أنه لا بد وأن يدرس ويحلل ما قاله فوكو بعاليه بشكل منطقي وطبي، حيث يعطينا هذا مؤشراً مهما جداً على أن الأمراض التي تصيب بني البشر يجب أولاً أن تعالج من خلال أدمغتهم ومن خلال جلسات نفسية وطبابة مختلفة عما عهدناه ونعهده اليوم.

ويشير فوكو إلى أنه لم يُربط بين الجنون والعقل على اعتبار أن الجنون خلل عقلي ومرتبط ارتباطا وثيقاً بالعقل إلا في نهايات العصر الكلاسيكي، أما ما قبل هذا العصر فقد كان ينظر له على أنه داء مستقل وبعيد تماماً عن العقل كالكذب والمراباة والبُخل والحُمق.

وحيث إن الجنون يعتبر إبداعاً ولحظة من لحظات التجلي لذلك ظهرت مؤلفات كثيرة في عصر النهضة وهو العصر السبق للعصر الكلاسيكي تحكي عن الجنون كمسرحية شكسبير وشخصية (الملك لير) الذي أصابه الجنون، ومسرحية هاملت وشخصية (أوفيليا) التي أصابها الجنون، كذلك مسرحية ماكبث وشخصية (زوجته) التي أصابها الجنون كذلك، وهناك سرفانتس مؤلف رواية الدون كيشوت والتي يظهر فيها رجلاً يحارب طواحين الهواء.
وهذا يذكرني بلحظة من لحظات التجلي لدى الشاعر الكبير نزار قباني حيث وظف محاربة طواحين الهواء عند الدون كيشوتيين توظيفاً عبقرياً حين قال في قصيدته رسالة حب:

بعد ما احترقتْ روما
واحترقتِ معها..
لا تنتظري منّي..
أن أكتبَ فيكِ قصيدةَ رثاءْ
فما تعودتُ..
أن أرثي العصافير الميِّتة..
أنتِ قاتلتِ على طريقة دون كيشوتْ..
وأنتِ مستلقية على سريرك..
هجمتِ على الطواحين..
وقاتلتِ الهواءْ..
فلم يسقط ظفرٌ واحدٌ..
من أظافرك المطليّة..
ولم تنقطع شعرةٌ واحدةٌ.. من شعرك الطويلْ..
ولم تسقط نقطةُ دمٍ واحدة..
على ثوبك الأبيضْ..

شاعر وكاتب سعودي*

6 thoughts on “تاريخ الجنون

  1. موضوع رااائع بصراااحة يخلي الواحد يغير نظرته للمجانين تمنياتي لك بالتوفيق ابو محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *