حصار

بقلم: أحمد الهلال*

أنا لا أكتب في الغالب إلا حينما أحاصر، أو هكذا تعلَّمت أنَّ الكتابة لا تأتي إلا بهمٍّ نبيل يحاصرك، سواء كان ذلك الحصار خارجيًّا كما كانت تعمل معي الصحف الَّتي كتبت بها لسنوات أو كان رموزًا ثقافية تعلقت بها، أو أنَّ ذلك الحصار ينبع من الداخل إلى درجة لا يجعل لك مفرًّا إلا أن تمسك بالقلم وتكتب، حينها تشعر بأنك تقف بالمكان والزمان الحقيقي، سواء جلست في مقهى يملؤك صخب وضجيج رواده، أو وقفت لوحدك تتأمل صفاء البحر فهذان المشهدان لا فرق بينهما إلا أن يحركا قلمك لتكتب نصا تقرأه أنت أولا وتنتشي به، وتجد القارئ بعد ذلك إما أن يشاركك شيئًا من هذه النشوة، أو يلعن الوقت الذي أضاعه فيه بقراءته للمقال، بغير هذا الحصار تصبح الكتابة عملا للتسلق إلى أمر الثقافة ونشر الوعي، أو تصبح الكتابة كما يقال بريئة منك براءة الذئب من دم يوسف، لأن الكتابة دون هذا قد تصبح أقرب للجريمة من الهدف النبيل.

لهذا من يقرأ لكتاب مطلع الخمسينيات إلى بداية التسعينات من القرن المنصرم في مصر على سبيل المثال وكيف كان هناك كتاب مبدعون في أكثر مجالات المعرفة يعرف بأن ذلك الجيل من الكتاب كانوا محاصرين بقامات إبداعية مثل: طه حسين وعباس العقاد وعبد الرحمن بدوي وغيرهم من عملاقة الأدب والفكر والصحافة، وهذا ما كان يقوله على سبيل المثال أنيس منصور بأنه أصبح كاتبًا مميزًا لأنه كان محاصرًا بين عملاقين من عمالقة الفكر والإبداع، حيث كان يتنقل بين طه حسين والعقاد، ليجد نفسه بعد ذلك أمام تحدٍ حقيقي، الفرار منه هو أن تتحداه، وهذا ما جعلنا ننظر لحقبة الخمسينات والستينات والسبعينات في مصر حقبة زاخرة بالمعرفة التي ليس لها حد، فروعة الفن والأدب والفكر كلها جمعت في أزمنة متقاربة، وانتهت في أزمنة تلتها بعد ذلك، لن أقول كيف انتهت؟ ولماذا؟ فهذا يحتاج لمقالات ولكن الحصار سبب رئيسي في نظري، ومع هذا أنا على يقين بأن التعبير عن الفكر وولادة الأفكار الجديدة ليس بالسهولة التي يتوقعها القارئ، ولا يشذ عن هذه القاعدة حتى جهابذة الفكر، ولهذا نحتاج إلى حصار يبدأ من حيث ينتهي وأن لا نقف بالضِّدِّ مع كل من يحاصرنا في فكره وإبداعه.

والآن قل لي بعد كل هذا: هل جربت أن تكتب مقالا دون أن تكون محاصرا؟ حينها هل تعيش نشوة الكتابة أو معنى أن تكون كاتبا؟
أظنك سوف تجد شيئا واحدا، وهو صدى صوتك يعود إليك.
وهذا هو الألم الذي لا يحتمل.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *