عرفتُ الهوى مُذْ عرفتُ هواك

بقلم: سامية العتيبي*

أثناء رحلة الحياة الشاقة يبقي المرء قلبه وعقله متعلقاً بمن يحب، فيجد نفسه لا يستطيع العيش بدونهم، يتحدى الصعاب لأجلهم، ويفرح لأجلهم، ولكن لا ندرك ولو للحظة أن لا أحد باق لنا إلى الأبد، فالآباء والأمهات قد تخور قواهم مع تقدم العمر وقد يصيبهم داء الكبر فلا يعودون يتذكرون حتى أسماءنا ،ولا الإخوة باقون فمسؤوليات الحياة قد تأخذهم بعيداً عنا، ولا الأصدقاء باقون فقد يتغيرون ويتبدلون ،ولا الزوج أو الزوجة سيبقون حافظين لعهود الوفاء والود،قد يتبدلون، أحباب اليوم قد يكونون هم أعداء المستقبل، وأعداء اليوم قد يكونون هم أنفسهم أحباب المستقبل.

وفي كل منعطف من منعطفات الحياة قد نفقد أحداً كنا نراه سنداً وعوناً ونصيراً، فنصاب بالذعر والصدمة على ما فقدنا، الجدير بنا أن لا نتعلق إلا بالله، فالله هو وحده الباقي والكل زائل إلا وجهه الكريم، فكل عمل نقوم به يجب أن يكون لوجه الكريم، فلا ننتظر من أحد مساعدة ولا عون قط، ولا نتوقع الكثير ممن أحرقنا سنوات العمر لأجلهم، عندهها سنطمئن أن الله لا يضيع أجر ما عملنا وسيكافئنا الله على ما بذلنا، ومن أجمل أبيات التعلق بالله أبيات رابعة العدوية:

عرفتُ الهوى مُذْ عرفتُ هواك

وأغلقتُ قلبِي على مَن عداك

وقُمْتُ أُناجــيكَ يا مَنْ ترى

خَفايا القلوبِ ولســـــــــــنا نَراك

أُحِـــبــُكَ حُبَّيْنِ حُبَّ الْهـــَوَى

وَحُـــبّا لأَنَّكَ أَهْــــــــلٌ لِذَاك

فأمّا الذي هو حُبُّ الهوى

فشُــــــــغْلي بذكْرِكَ عَمَّنْ ســِواك

وأمّا الـــذي أَنْتَ أَهْلٌ لَهُ

فلســــــتُ أَرى الكــَوْنَ حتّى أَراك

وعلينا أيضا أن نتعلق بأنفسنا، لكن ليس على حساب من حولنا، نتعلق بأنفسنا نطور ذاتنا ونحترم احتياجاتنا ونقدر إنجازاتنا ونكافئ أنفسنا ونداوي جروحنا وأوجاعنا وتقلب أمزجتنا بأنفسنا ونهتم بهواياتنا ونركز على جوانب ضعفنا لنطورها ونهتم بجوانب قوتنا لنعززها ونستثمرها الاستثمار الأمثل. التعلق بالذات ليس أنانية وإنما درع يحميك من تقلبات وخيانات من حولك، فمن اختار الرحيل عنك يوماً ستدعه يرحل ولن تتمسك به، لأنك أيضا لست بحاجة إليه، ومن اختار خيانتك فظهرك محمي من طعنات الغدر.

تعلقنا بذاتنا يجعلنا أقوى وأكثر قدرة على تحقيق النجاح في رحلة الحياة المليئة بالصعاب والخذلان، ومن أشهر أبيات الاعتزاز والفخر بالذات ما قاله المتنبي:

وما الدهر إلا من رواة قصائدي

إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا

فسار به من لا يسير مشمرا

وغنى به من لايغني مغرّدا

 

كاتبة سعودية*

4 thoughts on “عرفتُ الهوى مُذْ عرفتُ هواك

  1. سلمت اناملك عزيزتي ،
    كل الشكر الى الدوافع الايجابية اللي حاولتي ارسالها .
    “ولو للحظة أن لا أحد باق لنا إلى الأبد” وقع اثرها علي وحاولت استيعابها لكني اختلف معك للحظه لايمكن تجاهلها ، فاجد ربط بينها وبين الدنيا كما نعلم ان الدنيا ليست دار وقرار لنا لكننا نحاول جاهدين ان نعيش بكل ماوتينا من خيارات فكيف لنا نتجاهل الاشخاص الذين نحب تواجدهم! فعلا كلامك صحيح الالويه الي ذاوتنا لكن كيف نحصل رضا الذات اذا لم نواجه الدنيا مع اللي حولنا من ام واب رفيق وحبيب روح …… لايبدل الود ولا ينخان الوعد ولاتخور قوى الام والاب وحدنا من نضعف لقرارات نفوسنا ونقود ذاتنا مع منعطفات الحياه .

    والله ولي التوفيق تحياتي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *