الإثارة في المرّارة

بقلم: محمد أحمد بابا*

على غِرار “العمليّة في النّمليّة والسّفارة في العِمارة والحقيقة في الحديقة” اخترتُ هذا العنوان إذْ وجدتُ “مرّارتي” متأهّبةً لأن تشتركَ في سباق “فَقْعِ” المرّارات وتفاقمِ الأزمات وتتابع الحسرات ممّا يفعلُهُ “الجرّاحون” في غُرَف العمليات بجهازٍ حسّاس للغاية لهُ ارتباطٌ مُباشر بكظْمِ الغيْظ وكِتْمان الغضَب ..

لم أقِفْ على سببٍ عِلمي يُعتمَدُ عليه في عَزوِ الآثارِ السّلبيّة للشعور بالامتعاض من شيءٍ ما أو عدم الرّضا عن تصرّفٍ ما إلى أمراضٍ تُصيبُ “المرّارة” بالذات فتثورُ تلك “البالونَة” وتُفرِزُ كثيراً من الألم ومزيداً من الوَجعِ تجعلُ صاحبَها يُحكمُ قبضةَ يده على خاصرتِه ويقتربُ من الأرض متلويّاً من “مرّارة” أغضبَها موقفٌ ما ..

في الطّب يقولون بأن “المرّارة Gallbladder ” هي المكان الذي يختَزِنُ إفرازاً من الكبد يتميّزُ بأنّه عصارةٌ صفراويّة وأحماضاً متوازنة من الكوليسترول يستفيدُ منها الهضم في الجسم الصحيح، ولأنّها تقبعُ في نهاية قناة ترتبط بالكبد والبينكرياس تجدُ أنّ مكانَها ضيقٌ للغاية يكادُ لا يتّسعُ لغيرها وتُصبحُ مهوى للحصوَات وتكوينها ..

وبعيداً عن الناحية الجسمانية التشريحيّة للإنسان نرى غالبَ أهل المَشرق من العرب ينعتَونَ غضبَهم من أولادهم بأنّهم جلَبوا لهم “آلام المرّارة” وبعضهم يصفُ تصرّفات زملائه أو بعض أصدقائه بأنّه “يفقعُ المرّارة” وآخرون يرونَ بأنّ هذا العرض التلفزيوني أو المسرحي “يُثيرُ المرّارة” وهم بذلك مُحقّون لأنهم لم يجدوا من أعضاء جسدهم ما يستحقّ أن يكونَ متجانساً مع الأفعال السّلبيّة المتوالية والمتكررة دون رادعٍ أو تغيير مهما حاولَ معها الإنسان سوى “المرّارة” ..

وقد يكونُ إطلاق هذا الاسم “المرّارة” على هذا الجهاز بسبب ما يتصوّره المتخصّصون في الأحياء من أنّ الأحماض والعصائر التي تملؤها “مُرّة” المذاق طاغيةُ التركيز قاسيةُ الطعم فاستحقّت بامتياز أن تكونَ موصوفة بالمرَارَة بصيغة المبالغَة أنّها “مَرَّارةٌ” تمُدّ الجسد بالمُرِّ من الألم والتأوّهات ..

وقدْ يكونُ هذا المُصطلحُ مأخوذٌ من “المُرور” وهو العُبور، وذلك لكثرة ما يمُرُّ عبرَ هذا الجزء البسيط في الجسم من موادّ لا تستقرّ فيها بل تختزنها لحين احتياج المعدة لما فيها أو جهازٍ آخر أُوحِيَ إليه أن يطلبَها ذلك السائل، فهي بالتّالي “مَرّارةٌ” تُمِرُّ الموجودات لغيرها وتُمَرِّرُ ما فيها في وقتِه وحينَ طلبه لمنطقة مستعدّة لذلك، ولا يخلو هذا العمل من نظامٍ مُحكمٍ مستنير يُشبِهُ قواعدَ المرور وإشاراته وإجراءاته عندَ حصول حوادث الاصطدام أو كثرة السيّارات والازدحام، وحَصَواتُ المرّارة من أعظم حوادثها المؤلمة والقاسية ..

في هذه الأيام التي يزدَهرُ فيها الطبُّ علاجاً واستطباباً يشيعُ في النّاس شكواهم من “المرّارة” رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً ولكنّ النسبة التي أحصيتُها شخصيّا من المعارف والأصدقاء وجدتُ النساءَ أكثرُ تعرّضاً لهذه الآلام من الرّجال، وقلتُ لنفسي لعلّ صبْرهنُّ على أحداثٍ كثيرة تصدرُ من الرّجل واحتمالهنُّ لتربية أطفالٍ في زمنٍ ليسَ فيه معينٌ على تربيةٍ صحيحة هو ما جعلَ “المرّارة” لديهنّ أكثرُ استهدافاً ..

الأمرُ المُخيفُ في هذا الإحصاء البسيط لذاكرتي أنّني عدَدْتُ أكثرَ من أربع حالات في كلّ عشرِ حالات لا يسلمْنَ من مُضاعفاتٍ كبيرة وهنّ يخضَعْنَ لعملياتٍ جراحيّة تخصّ “المرّارة” استئصالاً أو استخراجاً لما فيها ممّا يدعونَه “حصى” بل وفي حالاتٍ يعرفُها الكثيرُ من النّاس تُصبِحُ المرّارة ضيفَ شرفٍ فقط، حيثُ يلتهبُ الكبد ويغضبُ البينكرياسُ وتتأزّمُ المعدةُ وتنفجرُ الزائدة ويضيقُ التنفّسُ بسبب فلسفةِ طبيبٍ ادّعى بأنّ “المرّارة” هي السبب وشمّرَ عن ساعدِ أخطائه الطبّية القاتلة ..

مالي ولِلمرّارة !! ولكنّ إصرار التنظيمات والقواعد في المؤسّسات الحكوميّة على أن يكونَ أثرُها حاضرٌ في جميع جُزئيّات جسمِ الفرد من الشّعب جعلَ خوفي على “مرّارتي” يأخذُ طابع الاستعداد المسبق والاحتياط للأسوأ والتدريب على خطط الإخلاء ومبادئ الدّفاع عن النّفس ومَرَّارَتِها ..

أسمعُهم يقولون “نِظامٌ يرفعُ الضّغط، وبيروقراطيّة تُمرض، وتعاملٌ مؤسّسي يجلط” ويقولون أيضاً “احرصوا على تطعيم أطفالكم ضدّ الشلل أو الكوليرا أو الكُزاز وضدّ الحصبة الألمانية والنيوزلنديّة والدّرَن” وكانوا يقولون أيضاً “حديثُ هذا المسئول يأتي بالصّداع وصوتُهُ يصمّ الآذان وهم يكمّمون الأفواه ووَجهه يقطَعُ الخلَف ويُسقِطُ الجنين” كما قد سمعنا أقواماً قالوا “العين بصيرة واليد قصيرة” وهم يشاهدونَ ما يُزعجهم ولا يملكونَ سوى انتظارِ فورَان “مرّارة” كلّ منهم ليصيح مرّارتي يا مرّارتي ..

علينا أن نُفكّر في السبب الذي من أجله يبرَعُ أطباءٌ سويديّون وكنديّون وألمان في علاج مشكلات “المرّارة” والتهاباتها واستخراج حصوَاتها “بالليزر” أو العقاقير التي تُذيبُ المرضَ وتُخرجُه مستغلّينَ بذلك مرضى ثلاثة أرباعهم من العالم “العربي” بالذات لأنّهم أصدقُ دليل على أنّ “المرّرَات” تختلف من وضع اقتصادي وآخر وعالمٍ اجتماعي وآخر وحياةٍ كريمةٍ وأخرى ..

لا أدري لماذا نشربُ المُرّ ولنا “مرّارةٌ” تستطيعُ مدَّنا به وحدَها؟ ولا أدري لماذا نرضى بالمُرّ ولنا أمرُّ منه في “مرَّارة” أصبَحتْ هدَفا لكلّ طبيبٍ مُزوَّر؟ ولا أدري لماذا لنا أفواهٌ تستطعِمُ المُرَّ في كلّ شيءٍ ولنا “مَرَّارة” يُمكنَها اختزان المُرّ بل وصناعته بل وحتى تصديره للخارج؟ ولا أدري لماذا يُصرُّ من يفتينَا ويفكّرُ عنّا ويخطّطُ لنا أن يصدِرَ أوامرَه بأن “أيَّ مَرَّارةٍ سليمةٍ” مُخالَفَة؟

وأتمنّى لو أعرفُ شعورَ اللاتي أُستأصلَ الأطباءُ “مَرَاريهنّ” كيفَ هي حالتُهم بعدَ أن ارتاحوا من انعكاسِ صروفِ الزّمان على جُزءٍ غائرٍ في أبدانهنّ؟ وكيفَ هو انطباعهم عن فُقدانِهم لمقياسٍ كُنّ يقِسْنَ به مدى فظاعةِ الحوادث ومقدارَ فدَاحَة الطَّوامّ؟ أمْ أنّ الأمر لا يعدو ضرباً من إلقاء اللائمة على “مرّارة” لا تملكُ من أمْرِها شيئاً؟

واعتقادي أنّ لفُقدان الجسم لهذا الشيّء الذي يُدعى “المرارة” فائدتين إحداهما اقتصاديّة لأنّ إفراز الأحماض التي تُساعد على الهضم سيقلّ إن لم ينعدم وبالتالي لن تستطيع المعدة هضم كثيرٍ من الأطعمة غالية الثّمن فتكفّ عن طلبِ الشراء ويخلو مسرحُ التسوّق لمن لهُ “مرارة” في عمر الزهور، والثانية سياسيّة أمنيّة حيثُ بفقدان “المرارة” يرتاحُ كثيرٌ من مكافحي الشغب لأنّ عدم الضّغط على “المرارة” المزعجة يستدعي رُكونَ صاحبها للرضا التام والنّوم الطويل والشعور بأن “كّل شيءٍ تمام” ..

وسواءً وضَعتَ شدّة على الرّاء الأولى في “المرّارة” أو خَفّفْتَ حِدّة وطأتِها وقُلتَ “مرَارَة” بدون تشديد فلن تستطيع الخلاصَ من آثارها الجانبيّة عليكَ وأنتَ تنطقُها، فما بالُكَ بمَن يتألّمُ منها ويتألّمُ لها ويمرُّ بها ..

أستودِعُ اللهَ “مَرَّارَتِكُم، وفلذَاتِ أكبادِكُم، وشرايينَ قُلوبِكُم” فادعوا لنا ..

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *