مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

*سليّم السوطاني من الطبيعي جداً لمن يكثر التأمل في أحوال الدنيا وتغيرات الحياة أ …

الموت نقيض الحياة (1)

منذ سنة واحدة

254

0

*سليّم السوطاني

من الطبيعي جداً لمن يكثر التأمل في أحوال الدنيا وتغيرات الحياة أن يشدّه موضوع الموت، هذا الأمر الذي يحدث للمخلوقات جميعها دون استثناء، بعد ولادة تعقبها نهاية بالموت المحتوم الذي لا مفر منه.
كتبتُ مقالة من جزأين، ناقشت فيها فكرة الموت وتعامل النَّاس معه وقت حدوثه، والهيبة الوحشية التي تجتاح قلوب البشر بسبب فقد عزيز عليهم، وكيف يصبحون بعدما يخرجون من المقابر وتجف جراح الفقد.

الموت ليس سيئاً كما يعتقد معظم النَّاس، بل إنه يكون رحيماً لمن وافته المنية؛ إذ يخلدُ إلى نوم لا يصحو منه مودعاً الحياة الدنيا، المليئة بالضجيج والصخب، يودع العالم البائس، ويمضي تاركاً خلفه كل الذين يقتتلون على نعيمها الزائل.
تفر روحه من جسده وتحلّق عالياً، تعود إلى ربها راضية مرضية، بعد سنوات عاش خلالها الإنسان وهو يركض فوق بساط الأرض بلا توقف. ويبقي جسده؛ ليدفن في الأرض ويتحلل ويختلط بالتراب.

حال الميت عندما يرحل إلى العالم الآخر يحدث ضجة للأحياء، ويهز إدراكهم، وبخاصة إذا كان الميت من الأقارب أو الأحباب.
يهيلون على قبره التراب طمعاً بالثواب والجزاء، وتسمع في المقبرة الحكم تنهال من أفواه النَّاس، وأن هذه الدنيا لا تستحق أن نضيع أعمارنا فيها بالحقد والحسد والبغضاء، وأن الإنسان، مهما طال عمره أو قصر ومهما جمع من مال، ستكون نهايته حفرة يقبع فيها.
عندما تتناهى إلى سمعك هذه الهمهمة من الحاضرين تقول في قرارة نفسك: «سنخرج من هذه المقبرة أكثر نقاءً، وقد قطع دابر الشر إلى الأبد». كلها لحظات عندما يغادر الجميع أسوار المقبرة، ليتناهى من جديد إلى سمعك أخبار أسعار العقارات والسفريات، ويعود الضحك والمزاح… ينسون كل ما حدث، وتذهب كل الحكم التي قيلت مع هبوب الرياح، وكأن القبور التي باتت خلفهم عبارة عن مدن تضج بالحياة، وزيارتهم لها كانت من أجل تأدية الواجب ليس إلا…!

ما يمر بنا في هذه الحياة من أحداث متسارعة يجعلنا أكثر هشاشة!
كم عزيز دفناه بيدينا، وقد سبقنا إلى العالم الآخر!
أي حياة قادمة تنتظرنا؟

على شفا حفرة نتهاوى جميعاً بداخلها الواحد تلو الآخر، يودعنا أعز النَّاس، يتركوننا خلفهم نعاصر أحداثاً جديدة، وتمضي الحياة بنا وننسى لحظة الموت التي عصفت بنا.

كلما حضرت تشييع جنازة تهزني بشاعة الموت والفقد الأبدي، وتكاد تمزق نياط قلبي، حتى تهب عليّ نسائم النسيان وتنقذني من وحشية الموت، وتحوّل هذه الوحشية إلى إيمان مطلق بأن الموت هو نقيض الحياة.

*كاتب من السعودية 

الكلمات المفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود