ثلاثية المنذري: الشعر، والتصوف، والبحث العلمي

* الشاعر والناقد العماني: فهد المنذري في حوار مع “فرقد “:

* يسكنني الطموح وتأثرت بالتصوف، والسلوك، وتحليل الذات “شعريا “

* أسهمت في منتدى “أمّ اللّغات ” لحماية لغتنا من التماهي والضياع.

* رسالة الشعر “السامية “التغيير الجذري في المجتمع.

* الرسام التشكيلي شاعر “أقل ” عنفا!!

* مسابقاتنا الشعرية تعاني من الضبابية والغموض!

حاورته:–خديجة عياش

كشف الشاعر والباحث والناقد، فهد المنذري. أحد الوجوه الثقافية الملهمة بسلطنة عمان، على أنّ التعليم في بلادنا العربية مهنة من لا مهنة له، مشيرا إلى الإكراهات التي تواجه المعلم الباحث، وأضاف المنذري في حوار خاص مع مجلة (فرقد) الإبداعية عن جوانب مهمة من عالمه الإبداعي، مقرّبا القارئ الكريم من فضاء نقي، تتداخل فيه الأنا بالآخر، وتتمازجان، لتنتجا إنسانا يعي إنسانيته جيّدا.
 وأكدّ أنه لو لم يكن شاعرا، لتمنّى أن يكون رسّاما تشكيليا، لأنه “شاعر” أقلّ عنفا. وأكّد أن تأسيسه لمنتدى “أم اللغات” جاء برغبة ذاتية؛ لحماية اللغة العربية من الضّياع والتماهي. ووضع المنذري النقاط على الحروف في عدة قضايا، وهموم تخصّ الشعر في عمان، والوطن العربي في سياق الحوار التالي :

– نرحب بك أستاذ فهد، وندعوك أن تفرد شراعك، وتهرق مداد يراعك…-ونحن نترك لك مساحة من البياض- لتعرّفنا بفهد قبل عشرين سنة: طموحه، مستقبله، أحلامه…

– أولا، شكرا على عطر إخائكم. الأحلام لم تذهب جزافا، فقد تحقق الكثير منها، على أن طموح الشاعر لا تحده حدود، ولا تقصيه سماوات، ومنذ الانطلاقة الأولى في المرحلة الجامعية، لقيت احتفاء لائقا بالشعر، قبل أن يكون احتفاء بفهد، وتفاعلت مع هذا الاحتفاء بكمّ غزير من الإنتاج الشعري، لم ينشر حتى الآن، وها أنا ما زلت أشق طريقي في غابة الأحلام، بدراسة الدكتوراه في النقد الحديث.

– ممارستك التعليم من المهام، التي ذأبت عليها منذ سنوات خلت. كيف تقيّم المستوى التعليمي ببلادنا العربية عامة ، وبالسلطنة خاصة؟ وهل ممارسة التعليم تحدّ-بشكل ما من طموح الأستاذ، وتشكّل عائقا أمام بحثه العلمي، الذي يتطلب في الغالب التفرغ التام؟

 
– التعليم في بلادنا العربية، مهنة من لا مهنة له، ذلك لأن المعلم ينصرف عن جوهر رسالته في نشر العلم، إلى تفريعات أخرى تثقل كاهله، وتثبّط عزيمته، ويبقى هو يتأرجح ما بين القشور واللباب، وتخبو في زحمة هذا التوتر المقاصد العليا من التعليم. وتستحيل الرسالة الإنسانية حينئذ إلى وظيفة رتيبة، الهدف منها الكسب المادي لا أكثر. لا شك أن هذا قد يؤثر سلبا على الطموح العلمي في البحث والتأليف والإبداع، فالروتين اليومي، والوسط الوظيفي المتململ، وقسوة القرارات الأدبية وكثرة الأعباء، كلها مجتمعة تولد حالة من النقمة على الوضع الذاتي…ومع ذلك لابد من التغلب على هذه الحالة وكسر الجمود.

– إهداؤك الذي وقّعت به ديوانك (شراع ويراع) تقول فيه: إلى كلّ إنسان كاد أن يكون رسولا. لمَ هذا الاهداء؟ وهل هو من باب المكافأة الذاتية؟ ثم كيف ينظر أستاذنا فهد للمعلّم بعيدا عن الزّمالة المهنية؟

– لا يخلو الأمر من إسقاط رمزي على الذات والآخر، وقد تأكدت هذه النظرة بطبيعة وظيفتي كمشرف مقيم، التي تجمع بين التدريس والإشراف، وكأن الأمر ينطوي على نوع من الترويح عن النفس، والإحساس بالآخر، وإيحاء من طرف خفي إلى ذلك المعلم، الذي يطفئ أزهى سنيّ عمره، ليضيء السبيل للآخرين. وقد يفهم من هذا الإهداء تعبير عن جلد الذات، وهذه نظرة تشاؤمية قاتمة، أرفضها جملة وتفصيلا.

– يقول الدكتور محمد بن مبارك السليمي في تقديم ديوانك الشعري (شراع ويراع) أن الذاتية تغلّف قصائد المنذري، وهو شيء امتدحه وأثنى عليه. هل يعني هذا أن المنذري لم يتماه مع قضايا الإنسان عامة؟

– في تقديري أن الدكتور السليمي، لم يحمل الذاتية بمفهوم القولبة في إطار الهم الشخصي، ولكنه قصد منها التفاعل مع قضايا العصر من منطلق ذاتي بحت، يقوم على القناعة الذاتية. يبدو فيه مظهر الذات بجلاء بمعزل عن التأثر الفكري المسبق بالمناخات الثقافية المشبعة بالنظريات التجريدية. إنه التحليق إلى فكر واسع الأفق غير مؤدلج، أو مؤطر، والناظر إلى الديوان يرى مثلا قصيدة (مقدسية) ،التي تحاكي مأساة القضية الفلسطينية، وغيرها من القصائد التي انبعثت من بوتقة الذات المتفاعلة مع الهمّ الجمعي.

– الشعر والتصوّف من الثنائيات التي اشتغل عليها النقد وخصوصا في العصر العباسي. حدّثنا أستاذ فهد  عن حضور هذه الفيوضات الإيمانية في قصائدك؟

– لا أنكر تأثري في هذا الجانب خصوصا بقصائد السلوك، والتصوّف بشاعر عمان أبي مسلم البهلاني، كان ذلك في ارتباكات البداية الأولى، وقد كان للنزعة الأسرية المتديّنة، أثر واضح في إذكاء هذا التوجه، ولعلّ تسميتها بالفيوضات ليس اسما دقيقا، فلم تكن أكثر من محاكاة لظلال قصائد المتصوّفة، والسالكين. كتبت في مرحلة من مراحل العمر في العقد العشريني، على أني مغرم بهذا اللون من الشعر، فلا أبرح منه حتى أعود إليه في شكل مقطوعات شعرية، إنه الحنين إلى الجذور.

– قرّبنا من كتابك النقدي (هكذا تكتبنا الكلمات) دراسة نقدية وأسلوبية في شعر سالم بن علي الكلباني. وهل تمة ما يميّز هذا الشاعر، ليكون موضوع دراستك النقدية؟

– للشاعر سالم الكلباني رمزية خاصة عند العمانيين، باعتباره من شعراء الجيل السبعيني، وأوائل شعراء النهضة المباركة، التي أرسى قواعدها السلطان قابوس في عام 1970. ولذا أحببت أن يكون موضوع دراستي عن حياته وشعره، مفتاحا للدخول إلى عالمه الشعري، فضلا عن أن أحدا لم يتناول الشاعر في دراسة معمّقة مفصّلة، لذا فإنني أعتبر هذا الكتاب، إضافة في بناء الدراسات الأسلوبية العمانية.

– كيف ترى دور النشر، وهذا الإسهاب الكبير في المنشورات على مستوى العالم العربي؟ 

– من حقّ كل كاتب أن ينشر فكره للناس من غير إقصاء أو انتقاص، أوتسفيه أو تشويه. فإذا تحلّى العمل الأدبي بالموضوعية، والنزاهة العلمية، كان أقدر على الرواج والبقاء. وكم قلم مجهول؛ توارى وراء رزنامة الأسماء المشهورة. لا بد أن نفتح الآفاق للشباب، لإبراز مواهبهم في المنابر الإعلامية، والصحف، والاستماع إليهم، وإعطائهم الفرصة كاملة، لإثبات وجودهم، مع مراعاة أن تكون مادتهم المقدمة رائدة، ومميزة، لا للتسلية والتسويق.

– هل وجد فهد نفسه داخل السلطنة،أم أن هناك مشروع للبحث عن الأفضل خارج الحدود؟ 

– توفر لي الحضور في الساحة العمانية الأدبية، وقد تُوّج هذا الحضور بالقصيدة، التي تشرفت بإلقائها بين يدي السلطان قابوس، وهو حضور مُرضٍ إلى حدّ ما، ولكنني مسكون بالطموح، وأنشد الأفضل دائما.

– هل توفّر المؤسسات الثقافية العمانية الأرضية لبروز الشعراء والأدباء والمثقفين؟

– لدينا في عمان مهرجان شعري دوري كل سنتين، وملتقيات أدبية مدعومة من وزارة التراث القومي والثقافة، كما تنشط مؤسسات النادي الثقافي، والمنتدى الأدبي في رعاية المواهب الشابة. ولكنها في تقديري لا ترقى إلى المستوى المطلوب، لابد لرسالة الشعر من طرح قضية التغيير الجذري للمجتمع في كل هذه الجهات. ونحن كذلك مطالبون ببذل مجهود أكبر.

– هل تؤمن بالمسابقات الثقافية، والشعرية خاصة؟ وكيف ترى المؤسسات الحاضنة لمثل هذه المسابقات؟ 

– مشاركاتي قليلة في مثل هذه المسابقات، لأنني لا أومن بالتراتبية في الشعر، فضلا عمّا تكتنفه من الضبابية والغموض، وينساق هذا الحكم إلى المسابقات الشعرية وهي المعنية بذلك في المقام الأول.

– لكل شاعر غالبا شاعر سبقه تشرّب بتجربته، وحذا حذوه في بداياته…من الشاعر الذي استطاع أن يؤثر في فهد؟ 

– مررت مرورا عفويا، عابرا في طفولتي البكر، بالشاعر العماني الكبير أبي مسلم البهلاني -كما أسلفت- وأعتقد أنّني تجاوزت هذا التأثر  بالانفتاح على ثقافات، ومسارات الشعر العربي المعاصر.

– لو لم يكن المنذري شاعرا وأديبا، ماذا كان سيكون؛ لو تغيرت الظروف والمعطيات؟

– لو لم أكن شاعرا، لوددت أن أكون رساما تشكيليا، فهو الآخر شاعر، لكن بطريقة، أقل عنفا…

– ما التيمات التي تحرك الشاعر والإنسان داخل المنذري، وتحفّزه على القول الشعري؟ 

– رائحة الموت تفوح من غير نص في الديوان، لعلّ هذا من أكثر ما يثير الهاجس الشعري لدي، إلى جانب مجموعة من المظاهر الأخرى، كالحرية، والوداع، والغربة، والغياب، والعتاب، والنقمة على المرأة، والقناعة من الغنيمة بالإياب.

– إلى أيّ كفة يميل المنذري، إلى المنذري  الشاعر أم الناقد؟ ولماذا؟ 

– أتمنى أن أجد نفسي شاعرا، هكذا أحبّ أن أعيش ساعات عمري، قد يقف النقد بالمرصاد حيال هذه الأمنية، وكلّما ارتفعت سطوة النقد، أهمس إلى قلبي قائلا : هذا الشعر…لا شريك، ولا نظير.

 – أظنّ أن طبيعة مناخ السلطنة صحراوي، إلا في بعض المناطق…هل الطبيعة الصحراوية لازالت تؤثر على القول الشعري، من حيث الغرف من المخزون اللغوي، وبناء الصور… كما الشعراء القدامى؟

– في تقديري أن الشاعر لم يعد ابن بيئته كالسابق، لما شهده العلم من تحولات جذرية؛ نقلت الحياة من محيطها  الضيق، إلى آفاق العالم الرحب. فأنت تستطيعين أن تعبّري عن عرض مرئي، مشاهد، دون معايشته على أرض الواقع. بمعنى آخر أصبحت الوظيفة الشعرية أكثر تمرّدا، وقوّة على استحضار اللامحدود.

– اهتمامك بلغة الضاد، وحبّك الكبير لها…جعلاك تؤسس منتدى على الواتس،  تحت مسمى (أمّ اللغات)، حيث يجتمع الكثير من فطاحل لغتنا العربية، لتبادل الخبرات، وتدارس النحو والبلاغة…
هل تمة نية بعدية، لتفعيل هذا المنتدى على الواقع؟ 

– لا أزعم ذلك، فمنتدى (أمّ اللغات) وغيره من النوادي الثقافية في العالم الافتراضي، ما هو إلا استجابة ملحة؛ لحفظ هويتنا العربية من التماهي، والضياع. وبصفتي رئيسا سابقا لفرع الجمعية العمانية للكتاب، والأدباء بمحافظة البريمي في بلدي الحبيب عمان. فإنني لمست أهمية أن تترجم مثل هذه المجموعات الافتراضية، إلى واقع حقيقي، ملموس. يجد فيه المثقف، الشاعر، الباحث، المفكر…مجالا واسعا لتبادل الآراء، وعرض وجهات النظر، حول متطلبات المرحلة، ومستجدات الثقافة.

– لو قُلّدت منصب وزير الثقافة بالسلطنة. ما هي رؤاك المستقبيلة للثقافة؟ وما هو جدول التغييرات الذي كنت ستسطره؟ 

– هذا أمر بعيد المنال، ليس لشيء، إلاّ لأني أنفر من قيود المناصب الحكومية، لأنها تغلق في وجهي نوافذ الحرية، لذا لابد أن أكون منسجما مع طبيعة شخصيتي، وإن تحقّق هذا الأمر يمكن القول حينئذ، لكل حادث حديث.

– ونحن نختم هذا اللقاء الجميل معك أيها المنذري المحنّك، مقدّمين لك باقات شكر، مضفورة بالكثير من الدعوات. ونسائلك في الآن ذاته. ما هو السؤال الذي انتظرت أن نطرحه عليك، وظل جوابه معلقا على طرف لسانك؟ 

– ربمّا السؤال عن آخر ما كتبت شعرا، وهو هذه الأبيات:

في الوعد جئت ولكن لم أجد أثـــــرا

يوحي إليك سوى الأضواء والقمــــر

لعلّ في البحر أصدافا لقافيـــــــــة

ولهى تهدهد طفل الصمت في وتري

هيهات مات وفاء أنت عاشقـــــــــه

وعدت أطوي دموع الأرض في أثـري

8 thoughts on “ثلاثية المنذري: الشعر، والتصوف، والبحث العلمي

  1. ليس غريبا أن تتألق الشاعرة الأديبة المتميزة خديجة عياش كل هذا التألق،فلقد خبرت نباهتها وقوة لغتها،وجزالة لفظها منذ أن عانقنا سويا فضاء الجامعة،إنها شاعرة وناقدة فذة،وقد قرأت هذا الحوار فلمست الجمال كله،ووجدتني أنتشي واستمتع،،،،
    كل التحية والتقدير للصديقة خديجة،وهنيئا للرائع الذي حاورته خديجة فكان رائع الجواب،مستفيضا في التوضيح،شكرا لكما معا.

  2. كل ماتقدمه شاعرتنا المتميزة خديحة عياش الصديقة الصادقة الخلوقة ما يمكن الا ان يكون راقيا ومن هنا تحية تحية لك ولضيفك الكريم الاستاذ فهد.اتمنى لكما التوفيق.

  3. خديجة عياش ابنة المملكة المغربية نفتخر بك جدا اختي أستادة وكاتبة كبيرة من الحجم الثقيل .
    مادا عساي أقول لأستادتناالكبيرة بعد متابعتي لكثير من خواطرها وكتاباتها وجدت فيها الانسانة الطيبة الحنونة رغم المرارة والفراق أبت الا ان تتحفنا بجميل الكلمات والعبارات فمني إليك ألف تحية ولك من قلبي كل التقدير والاحترام بارك الله فيك وعليك وزادك نورا ويقينا وتألقا ونجاحا .
    أخوك محمد
    المغرب

  4. شكرا لفرقد الإبداعية التي فتحت لنا هذه النافذة لتمكين القراء والمهتمين بعالم الفن والإبداع بتتبع أهم المستجدات في الساحة الفنية والثقافية وتعرف عن قرب برجالات الفكر الإنساني ومختلف حقول المعرفة.ومزيدا من التألق والنجاح للأستاذة المميزة خديجة عياش التي حاورت الشاعر والناقد العماني فهد المنذري الذي جمع بين مهنة الأستاذ والمشرف التربوي و هموم الثقافة والإبداع الشعري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *