وردة في أعماق جرح

*بكر مستور عابد

لا تنكئي الجرحَ.. حسْبُ الصَبِّ ما وجدا

ما زالَ في التّيهِ.. قالوا: “قد يؤوبُ غدا”

مُذْ غربتينِ يُربّي حُلمَهُ ولدًا

وذاتَ حُزنٍ هوى في الجُبِّ وافتُقِدا!

وصاحبَ النارَ في حَلٍّ ومُرتَحَلٍ

يا رُبّما لهَبٌ فيهِ بصيصُ هُدى

شيّعْتُ روحيْنِ في منفايَ.. لا تسَلي

لكنْ مددتُ حبالي في السما عُمُدا

كانتْ هناكَ تُناديني بعبرتها:

“يا بكرُ، لا تبتعدْ.. يشقى الذي ابتعدا”!

عانقتُها بحنانِ الأرضِ أجْمَعِهِ:

“إنّي على العهدِ.. ما خنتُ الهوى أبدا”!

أودعتُ سرّيَ إيّاها بليلِ جوًى

فأودعتْ هيَ لي في صدرها بلدا

يا وردةَ اللهِ.. يا أنسامَ جنّتهِ

لا زلتِ مُعتنقًا.. لا زلتِ مُلتحدا

أنثى تَعَلّقْتُها.. صَلصالُها عَجَبٌ

مِنْ سُكّر الوردِ كانتْ، واستوتْ جسدا

أنثى.. بساتينُها روّتْ أُوارَ دمي

مَنْ عَلَّمَ الكَرْمَ يُغوي مَبْسِمًا ويدا؟!

تعَتّقَتْ في مياهِ الشامِ أزمنةً

فقطَّرَتْ: أرَجًا، دَلّاً، سَنًا، غَيَدا

من “الشفا” شَعَرًا مدّتْ لعاشقِها

إلى “الهدا”، جَهَدَتْ نفسي وما جَهَدا

تنامُ فوقَ رُبى “غَزوانَ” هانئةً

كما الأميراتُ يأتي ما تشا رغدا

للتينِ حقٌّ، وللرمّانِ آصِرَةٌ

كَذَا الوفاءُ.. ألا بُعْدًا لمَنْ جَحَدا

إنّي أحِنُّ إلى ” وَجٍّ”.. إلى “نَخِبٍ”

إلى “شهار”..إلى “شُبْرا”.. إلى “الشُّهدا”

لِمسجدٍ.. هلْ تُراهُ بَعْدُ يذكرُني؟!

لِمنزلٍ كانَ في يومٍ يَضِجُّ نِدا!

متى اللقاءُ؟! -أيا حسناءُ- والَهفا!

متى اللقاءُ؟! -أيا حسناءُ- واكَبِدا!

*

يا أُختَ مكةَ.. ها قد جئتُ مُعتذرًا

فسامحي الشَّجْوَ، والآلامَ، والسَّهَدا

وسامحي شُعلةً في الروحِ ما هدأتْ

أُوامُها حارقٌ.. لا تعرفُ الأمدا

لا تغضبي اليومَ إنْ لاقيتِني أَمِدًا

فالمرءُ من حُبّهِ قد يُظهرُ الأمَدا

نأيتُ عنكِ وفي الوجدانِ نهْرُ بُكا

كأنّهُ إذْ جرى مِنْ لَهْفِهِ “بَرَدى”

على سرير حياتي إنْ هَجعْتُ، وإنْ

صحوتُ تُرعبُني فيهِ جيوشُ مُدى!

يا أختَ مكةَ.. جئتُ اليومَ.. عَذَّبَني

أنّي أرى النورَ في عينيْكِ مُضْطهدا

شُقّي سوادًا طغى في الأفْقِ مُرتديًا

ثوبَ الضياءِ جِهارًا يدّعي الرشدا

معِي تعالَيْ إلى صَرْحٍ يُعانقُنا

شيَّدْتُهُ.. من شُعاع الفجرِ قدْ مُرِدا

*شاعر من السعودية

2 thoughts on “وردة في أعماق جرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *