رحلة التلاشي

قصة قصيرة 

اسماعيل آل رجب 
١-التكوين :
من بين عدد لايحصى من حبّات الرمل ،بالقرب من ساحل البحر المالح ،  ساقني المدُّ أو الجزر، لا أذكر في حينها،من فتحة ضيقة، إلى داخل هُلامي، أحاط بي من كل جانب، يحرّكني عن موضعي بين جدران صلدة برّاقة، محاولاً قذفي إلى الخارج، ثمّ يجعلني ساكناً بعد أن ييأس من محاولاته، يحيطني بنسيج ستائري، يفرز حولي طبقات متتابعة من سائل جيلاتيني، كنت أسبح بداخله في البداية، ثمّ مالبث طويلاً حتّى بدأ يتماسك ويشتد صلابة، يتكوّر حولي رويداً رويدا ويأخذ شكل كرة ملساء، يزداد جسدها نعومة وبريقاً بمرور الوقت، وحين اكتملت دورة حياتها، وصارت تنتظرمن يقتنصها، أتاها من يخرجها من القاع، ليعرج بها إلى الفضاء الأرحب، صاحب الحظ السعيد فتح بابها، وأطلق سراحها، مبتهجاً، ثمّ ضمّها إلى أخواتها، فصارت واحدة منهن.

٢- في السّوق

بعد ان تداولتني أيادي الطوّاشة * في دول الخليج، منها ماكان نظيفاً، ومنها ماكان قذراً، انتهى بي المطاف إلى سوق صياغة الذهب والمجوهرات، في محلّة باب الطوب، في مدينة الموصل، كانت قلادة اللؤلؤ، من المجوهرات البارزة، تتلألأ بين المصوغات الذهبية الخالصة، أوالمطعّمة بالأحجار الكريمة، تشغل حيزا بارزاً خلف الواجهة الزجاجية لمحل الصائغ، ينعكس عنها الضوء، فتحيطها هالة من البريق والسحر فتبدو للناظر وكأنّها تتحدث.
حينما كانت الموصل مدينة عامرة، اشترى أحد أثريائها عقد اللؤلؤ، وقدّمه كهدية لزوجته، للتعبير عن حبّه لها، فرحتْ به كثيراً ولم تدعْه يفارق عنقها منذ ذلك الحين..

٣- داعش والخضراء

هذا العنوان يعيدنا إلى الوراء، حيث عصر الجاهلية، لأنّه يرادف داحس والغبراء، ويذكّرنا بحرب استمرت أربعين سنة، كان سببها تسابق بين حصان داحس والفرس الغبراء، على رهان بين طرفي النزاع عبس وذبيان، لحراسة قوافل النعمان بن المنذر،
كنت في عنق الزوجة، حين دخلت العصابة إلى بيت الثري الموصلي،عناصرها قد أطلقوا للشعر الكثيف العنان في لحاهم ورؤوسهم، ملامحهم وهيئاتهم تثير الرعب والخوف في النفوس، خصوصا وأن أخبارهم قد سبقتْ بوصف أفعالهم، إنّهم ينحرون الإنسان نحراً دونما وازع أو رادع، اعتقلوا الثري الموصلي واقتادوه إلى جهة مجهولة، غيّبوه عن عائلته وأخذوا يطالبونها بالفدية مقابل إطلاق سراحة، وكانت العائلة تدفع وتدفع حتى استنفدتْ كلّ مالديها من أموال، وفقدتْ الأمل، حينها عثر الناس على جثته ملقاة على قارعة الطريق.
كانت الأيام تجثم على صدور أهل الموصل بثقلها، وهم بين نارين نار داعش من داخل المدينة، ونارالقذائف والصواريخ من خارج المدينة ومن سمائها، كانوا يطلبون من الناس أن يمكثوا في بيوتهم لايغادرونها! وفيها عناصر داعش تمنعهم من الفرار كذلك، حتى استحالت المدينة الى ركام.
كنت أشعر بما يجول في صدر زوجة الثري، واتحسس مدى المعاناة والألم، وانا اتدلّى مع عقد اللؤلؤ من عنقها الى صدرها، قررتْ بعد ان أقترب القصف من بيتها، أن تجازف بنفسها وببناتها الأربع وأن تخرج من المدينة بأقصى ماتملك من طاقة، وفعلا استطاعت وبناتها الإفلات من بين فكّي الموت، وقررت مغادرة العراق عن طريق مدينة زاخو الحدودية في أقصى الشمال إلى تركيا..
4- الرحلة :
لم تمكث أرملة الثري الموصلي كثيراً في تركيا، لصعوبة العيش بدون مورد مالي مستمر، فقررت الهجرة مع بناتها إلى أوروبا عن طريق البحر إلى اليونان، وفي الطريق إلى جزيرة كوس اليونانية، اهتزّ قارب الهاربين من الجحيم، جحيم الحرب في العراق وسوريا، بفعل تيارات مائية خطيرة، سببتها ريح عاصفة، فانقلبت لتلقي بما على ظهرها من النساء والأطفال والرجال، في بحر إيجة.
كنت شاهداً على اختناق أرملة الثري الموصلية، لأني كنت عالقاً في عنقها، لحظات تمتنع عن الشهيق كي لا يدخل الماء إلى رئتيها، لكنّها تضطر أخيراً لاستنشاق الماء رغبة في الحياة، تمتلئ و تمتلئ، فتنازع العذاب حتى تموت،وبمرور الوقت تتفسخ جثتها، وتعتاش عليها الأسماك، حتى إذا مابقي منها إلا النصف التهمها الحوت،كنت أشعر وأنا معها في بطنه، أنّه يفرز أحماضا، جعلت عقد اللؤلؤ يتحلل، ثمّ رويدًا رويدا يتلاشى، فعدت أنا كما كنت، مجرّد حبّة رمل.

……………..

الطوّاشة: جمع مفرده طوّاش: تاجر اللؤلؤ.

*قاص وناقد عراقي

3 thoughts on “رحلة التلاشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *