سارة الزين: نحن أسارى الحرف نخسر جزءًا كبيرًا منّا كلّما نزفنا قصيدة!

*الشعر يحرك جوارح الشاعر ليبحث عن المختلف 

*فلسفة الحياة تتكئ على جوهر السؤال وعمقه 

*الإنسان العربي يمرّ بحالة من التضعضع 

*الشاعر يفضح أسراره و يضع حياته بين يديّ المتلقّي 

*في الكتابة عناق طويل مع المحبوب 

حوار_إيمان بـدوي

استسلمت للشعر، و قبل أن تقدم نفسها  له على طبق من حرف كان هو قد جاد لها بنفسه، حلّقت كلماتها في فضاءات واسعة، و كلما رفرفت انبعثت الموسيقى من أجنحتها وتداعى النغم.! 

هي امرأة نذرت قلبها للقصائد المتموسقة في نوتات الحنين.! و هي امرأة نثرت نبضها ليعلو صوته في دروب الحالمين. 

فمن ينصت لشعرها لا يملك سوى أن يحلم و إن كان على قيد الواقع.

في صخب بيروت همس يبدو أنه صوتها المنبعث من حناجر الريف التي ظلت تبوح بها في أمكنة الحل و أزمنة الترحال ! توقن أن خيالها معجون بقرى الجنوب، و تؤكد أن الشعر اجتاحها بطريقة ذكية في العقد الرابع من العمر، و أن لهُ سطوةٌ مهيبة، تحيل الوجود إلى ساحة من إلهام يراود الشاعرَ عن نفسه ويغريه للكتابة والنزف والتأويل، وتصف الشعراء بالهوائية و المزاجية و الجنون و الشفافية و الغموض، و تتسأل فكيف إذا ما اجتمع كل ذلك في جسد امرأة من زجاج !؟

إنها الشاعرة سارة الزين التي فتحت لنا قلبها.

*الخوف كان حاضرًا بقوّة

نود أن نقف بك على ضفاف الشعر، لتحدثينا عن التجربة الشعرية الأولى ؟

لم يكن من السهل أن يجتاحني الشعر بكلّ تفاصيله بعد دخولي العقد الرابع من العمر، الأمر أشبه باجتياح المشيب شعرَ شابٍ عشرينيّ! اجتياح ذكيّ من دون أسلحةٍ أومقاومة. كان طعم الاستسلام لذيذًا أمام هذه السطوة المهيبة، كأوّل حرف يخرج من شفتيّ طفلٍ صغير..، كأوّل ملمسٍ لشعر أنثى يتدلّى على كتفها بكسل..، ولكنّ الخوف كان حاضرًا بقوّة، خوفٌ شهيٌّ يولد رغبةً جامحةً في الكتابة أكثرفي المزيد من الغرق والاستسلام! أذكر أن أكثر ما حفر فيّ عميقًا هو وجه والدي الشاعر بشار الزين مبتسمًا ومندهشًا من قصيدتي الأولى. وغالبًا، في البدايات، يكون الدفق عشوائيًّا فوّارًا مجنونًا..، ومع الوقت، يعلو سور التوقّعات والتأمّلات، يتغيّر مفهوم الشعر في بال الشاعر، ويفهم أكثر أن اللذة تكمن في الطريق!

*الشعر بالنسبة إليّ هو أكثر من مجرّد موهبة

هل يجب على الشاعر أن يطور من نفسه بأساليب معينة أم أن الموهبة هي تتطور و تتجدد من تلقاء نفسها ؟

الشاعر يحتاج دائمًا إلى الحياة حتى يكتب الشعر، الحياة بكلّ تفاصيلها، يحتاج إلى القراءة في شتّى الميادين وليس فقط في الأدب، يحتاج إلى التجارب والتجريب، يحتاج إلى الاحتكاك بالآخرين، وإلى الوحدة أيضًا، الشعر بالنسبة إليّ هو أكثر من مجرّد موهبة، هو روح تولد مع الشاعر وتقتات من جسده وعقله وفكره وقلبه، ثمّ لا تكتفي، تحرّك فيه كل الجوارح والجوانح كي يفتّش عنالمختلف، عنالجديد، فالشعر يكره الملل والتكرار، ويجدّد دمه مع كلّ قصيدة! لذلك لا بدّ للشاعر أن يبحث ويقرأ وينزف حتى لا يرجمه الشعر وينفيه خارج مملكته!

بيروت ماذا ألبست قصائدك ؟ و هل حرفك تغريه المدائن أم الأرياف ؟

بيروت.. مدينة تهفو إليها الأفئدة من قبل أن تبصرها الأعين، أنا بنت المدائن..، تتقمّصني بيروت بكلّ تناقضاتها وصخبها..، كتبتني بيروت قبل أن أكتبها وتلبّستني معالمها وطبعها المتفرّد! غير أنّ طينتي ترابية، وخيالي ريفيّ معجون بالأرض والقرى والجنوب..، يغريني الجمال أينما كان، ولكنّ لذّة التربة الحمراء لا يضاهيها شيء في بالي… ،رائحة الصبح وهو يلوّح للقرى كي تستفيق على مواويل الحياة ونكهة البنّ مع أكواز التين العابق بالنقاء والحب.

هل للإلهام أن يتوه أم أن الشاعر وحده الذي قد يصارع التيه ؟

نديمُك التيهُ.. فاكتم رعشةَ التيهِ

واسمع لوحيك إن أحياهُ مرديهِ

قد يتشتت الإلهام، وقد تضيع البوصلة، وقد يغمى على الحرف حينًا…، أو تسطو عليه كبوة أحيانًا..، ولكنّ الشاعر الحق يعود بعد كلّ توهان الى معبد الدهشة والجمال… ،وبعد كلّ صراع إلى جادة الشوق والشعر، لا مناص من اللهفة، ولا مهرب من الشغفللشعر سطوة تحيل الوجود ساحةً من إلهام يراود الشاعرَ عن نفسه ويغريه للكتابة والنزف والتأويل!

*الشعر عابر للحدود 

في الماضي كان الشاعر يحب الكتابة و هو يجلس أمام البحر أو بين الفيافي و الكثبان ! برأيك أ ما زالت هذه الطقوس موجودة أم أنها تحدثت مع مرور الزمن ؟

لا أؤمن بالطقوس أبدًا، عندما يهبط الشعر على قلب الكاتب بلحظة نبوّة، لا زمان ولا مكان! الحدث أكبر من الأمكنة والأزمنة…، والشعر عابر للحدود والترسيمات والأطرالتي يحاول البعض وضعه فيها. الشعر موجود في كل شيء في الحياة، في الهواء، في الحركات والسكنات، في التفاصيل المهملة، في النظرات والسكرات والنوم واليقظة، والفرح والبكاء، في الأضداد والمعاني والأماني وما لا يُقال! إذا كنّا نراود الشعر عن نفسه، نسعى إلى هذه الطقوس التي تعيننا على التركيز، ولكن حين يرادونا الشعر فلا طقوس ولا مقدّماتنكون عراةً في بلاطه وحده!

قيل: بأن الشعر العربي يمر بحالة تقهقر .. ما رأيك ؟

الإنسان العربي بشكل عام يمرّ بحالة من التضعضع والقلق والأرق والتعب والشتات، وهذا الشتات يتجلّى في الشعر، ولكنّ الشعر العربي يتجدّد ويغيّر جلده في كلّ مرّة! ليس تقهقرًا، بل هو نوع من انبعاثٍ جديد بعد هلاكات وصراعات طويلة! لا بدّ من تصارع الفنون وتمايزها بين الحين والآخر، من الطبيعي أن نقرأ مثلًا أنه عصر الرواية، ثمّ بعد ذلك تتجدّد روح الشعر لنرى أنه عصر الشعر بأعلى تجلّياته الفنية والروحية والأدبية…، ” وتلك الأيام نداولها بين الناس “

من مثلك الأعلى في الشعر ؟

القصيدة! وحدها المقياس والغربال، وحدها المثل الأعلى المقدّس بمراميها ومعانيها وجمالياتها.

ظهرتْ في أحد نصوصك ( امرأة من زجاج ) بلورية الدمع والتأويلهل لازالت موجودة، و ماذا تودين أن تقولي لها ؟

إنّ الحساسية المفرطة التي يحملها قلب الشاعر لا يستطيعها أحدٌ سواه! نؤوّل الوجوه والسّكنات، كل الجماد ناطقٌ في عرفنا، هوائيّون شفّافون وغامضون في الوقت نفسه، مزاجيّون متقلّبون ومجانين، فكيف إذا ما اجتمع الشعر في جسد امرأة من زجاج! رقيقة ومرهفة، بلّوريّة التأويل والمجازات! نعم تعيش فيّ هذه المرأة بقوّة، ولكنّهاتحاول التمرّد على زجاجيّتها الرقيقة لتصنع لها سورًا فولاذيًّا يقيها من رياح الغدر العاتية، ودرعًا يحميها من الألسنة المسنونة بالسواد.

وأقول لها:

لا تَسْقُطِي الآنَ..!

مُدّي الشّالَ والعنُقا

سيَعبُرُ الشِّعرُ منْ جنبيْكِ مؤْتَلِقا

جيدُ القصيدةِ يَنْمو طَوعَ فاتِنَةٍ

تُعَبِّدُ الحرفَ مِنْ أحداقِها طُرُقا

قلتِ ذات قصيدة :

يا نخلةَ التعبِ العتيقِ بأرضي

من أينَ أجترحُ الغيابَ لأمضي؟!

هل السؤال لازال قائمًا أم أن الايجاد أيقظ جوابك في ارتكابات و ارتباكات الغياب  ؟

السؤال هو سرّ القصيدة وصحوتها ونهضتها، والشكّ ألذّ الطرق للوصول.. ولا نريد الوصول! ما الشعر؟ ما الوجود ؟ ما الخلق؟ ما القصيدة؟ فلسفة الحياة كلّهاتتكئ على جوهر السؤال وعمقه..، وكلّما تشعّب السؤال تمدّد الوجود وتسرّبت القصيدة من بين الأنامل، مختالة، متوهّجة بصورها البكر ومعانيها العميقة، وتجديد روحهاالمنسلّة من روح شاعرها الفيلسوف. هل الجواب غاية؟ بل الجواب موت!

على ضوء هذا البيت:

كثيري فيكَ أكثرهُ جنونٌ

وأكثر ما يُعذّبني أقلّي

هل جنون الحب يشفي الشاعر أم يشقيه ..؟

للحب فلسفة خاصة في قلب الشاعر، ومهما حاول ترجمة فلسفته هذه، ستبقى هناك حلقة مخفية لا يستطيع التعبير عنها مهما حاول، الشاعر يتغذّى بالحب ويعيش عليه ويشقيه ويضنيه ويتعبه! فيموت ألفًا ويحيا ألفًا لذلك تغويه المسافات.. ويتلذذ بالبدايات ويغريه المجهول والمستور والمخفيّ. الشاعر يموت من دون حب، كل أنواع الحب، لذلك يعيش نقصًا دائمًا وحاجة ملحّة إلى الكتابة ففيها عناق طويل مع المحبوب الذي رسمه القدر، فينزف بين يديه ويتعرّى بين يديه ويبكي ويتجدّد ليولد شاعرًا من حبق!

هل الشاعر يبوح بأسراره لقصائده التي ينشرها ..

و هل نستطيع أن نقول بأن القصيدة مخبأ أسرار غير سري !؟

الشاعر لا يفضح أسراره فحسب! بل هو يفضح عالمًا بأكمله، يعرّي خياله ووجدانه وباله وحياته وروحه ويضعها بين يديّ المتلقّي! والقارئ الفطن يتقن التأويل والقراءة بين السطور، وهو ملّاح ماهر، يجيد السباحة والغوص داخل جسد النص ليدخل عوالمه ويكتشف زواريبه، أسراره، وما لم يقله الشاعر!

* القصيدة سيدة الوجود 

من هو الشاعر الذي تحبين الوقوف على أطلال قصائده، و التنعم بجميل حرفه ؟

كما قلتها قبلًا، أنا أنتصر للقصيدة وحدها، أعيشها بكلّي حتى لو لم أكن أنا من كتبها، لا يوجد شخص بعينه أقف على أطلال قصائده، بل القصائد هي التي تدلّني على أصحابها وتأخذني إليهم، وبها عرفتهم! القصيدة سيدة الوجود وسيدة القصر في مملكة الشعر! كل قصيدة تهزّني وتؤرقني وتسلب النوم من عيني أقف على أطلالها طويلًا وأقلبها، بعض القصائد تبكيني، وبعضها يبعث فيّ الدهشة والذهول، وبعضها يستفزّني للكتابة ويفتح فيّ مسامّات الشوق والحنين صوب نزفٍ حبريٍّ مختلف!

إن كان للقصيدة هامش .. فماذا سيكون ؟

لا هامش في القصائد، وإذا ما كان هناك هوامش فأؤكّد كثيرًا أن هذه الهوامش هي الأصل والمتون! كابتسامة نظنّها عابرة على رصيف الحرف، لكنّها خلّفت وراءها جبلًا من الشعر والأشواق! كرفّة جفن على حافّة لقاء أو عند مفترق أصابع خانها حضن أو أفلت منها وداع! كنهدة تسرّبت من قضبان الروح نحو رئة الشعر علّها تجد متّكأ لأنّتها…، في الشعر كلّ الهوامش مقدّسة!

هل كل قصيدة يكتبها الشاعر يعود منها و من قوافيها .. أم أن طريق العودة قد لا يجود بنفسه ؟

نحن أسارى الحرفمكبّلون منسيّون مهمَلون! نخسر جزءًا كبيرًا منا كلّما نزفنا قصيدة! ليس من السهل العودة أبدًا..، تموت القصيدة بين أيدينا بعد ولادتها وبعد مخاض طويل…، ثمّ ننظر إلى هذا المولود المتعب وهو يتقلّب بين أيدي المتلقّين يؤوّلونه أو يرجمونه أو يحضنونه، فإما أن يدفنوه، أو يعيدوا الحياة فيه من جديد.

كلمة أخيرة تودين أن تختمي بها الحوار ؟

أقول لأهل الشعر والثقافة والأدب، احتفوا بالعمل الجميل، تقاسموا الجمال وتناقلوا الإبداع وشاركوا القصائد فيما بينكم، فأنتم سدنة الذوق، أنتم الشركاء الأساس فيصنع ذائقة الشعوب التي من خلالها تُبنى الحضارات ويرتقي أهلها، لا تقلّلوا من قيمة الأعمال الجميلة بحجة أنّ هناك أجمل، فمقاييس الجمال لا تنتهي تدرّجاتها، لاتحرموا أنفسكم والآخرين لذّة تقاسم النعم والسحر والشعر والأدبكل الحب لقلبكم، حتى مطلع الشعر.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: