غربة

قصة قصيرة 

للقاصة لطيفة هيف *

كحياد الصمت ، كتوقف الكلام ، هو معهم وليس معهم ، فكان على العموم لايبدِ رأيه ، صوته ، يبقى بعيداً دائمًا بذهنه المملوء باهتمامات أخرى ، وعندما يصل الأمر إلى أن لا يسمعهم أولئك الحضور لدخوله قنينته الخاصة من اللامبالاة هو يجد نفسه ، بتمعن أظافر يديه ورقّة جلدها المنكمشة، الناحل عظمها ، المرتجفة بعض الشيء، يلمح فنجان قهوة بجانبه، وكأنه يخصه، لا يتذكر من قدمه له ولا متى كان هذا، يتمعن وجوههم التي يغيب صوتها بعيداً، يتفقد خروجهم بنظراته المستفهمه، يرغب بمد رجليّه المثنية تحته منذ زمن يبدو طويل له، يعيد ترتيب وبرّ ما تحت يده، ويشير لشخص مألوف له بأنه يريد أن يستلقي على مرقده، يساعده ذلك الشخص ، يسترضيه في شرب قهوته التي خفت سخونتها، يرفض، فمنطقة أسفل الظهر تكاد تنفجر من ألم أحس به، ويريد إسكاته فوراً، يعود لتلك الفتحات الممتدُ لها سقف أبيض منها ما هو مضاء ومنها ما هو منطفئ، تتوزع بشكل منتظم يحقق للالتفافات فنّها المدروس، يشتهي ماءً، يمد يده ويحاول الجلوس عبثًا، فيأتي ذلك الشخص المألوف ليساعده، يتذكره !
إنه ابنه الذي منعه من الخروج للمسجد واقترح عليه أن يصليان معاً في البيت .
” أنت ؟! مانع الخير ؟”
– أنا حبيبك ، تذكرتني !؟
– أحبائي فيهم خير، وأنت لا تبدو كذلك .
يشرب الماء ويلمّح برغبة الجلوس، يعدلُ له متكأه ويكثر له وسائدٌا تعدل ظهره، يبادر في سكب القهوة له من جديد وتقديم قطعة خبز هشة، فيشير له بأنه فعلاً جائع، فيقصد طاولة جانبية ويحضر له إناءً مغطى، ويبدأ في اطعامه، يغمس له قطع الخبر في شربة العدس ويطعمه بشكل هادئ جداً. يبدو وديع جداً، ثم يأكل بشراهة ينتثر لها ريقه، فيحافظ على اعتدال أمره، بمناديل ورقية يمسح بها عبث الفائض ورذاذ الزوائد .
يشير بالتوقف، ويفصح برغبته الملحّة لدورة المياة، ينخفض الابن ناحية ابيه فيتعلق بعنقه كطفل، في حركة تظهر اعتياده هذا التعلق .
يطلب مرآته الخاصة، فسرعة ما يلمحه في مرآيا المغاسل لا يكفيه لتأمل وجهه، يعود به إلى سريره، ويناوله مرآته .
يشير إلى ألم في قدمه، يبادر الابن بفحصها وترطيبها .
–  من أنت ؟
– حبيبك .
– …..
( يحاول الأب أن يتذكر، تغوص ملامحه في عالم من الحدة، ثم يتجاهل كل شيء ويشير برغبته في النوم ) .
وماهي إلا دقائق ويشير له برغبة بالجلوس وشرب القهوة وسماع صوت ( التلفاز) وأنغامه .
ويحين وقت الصلاة فيعده ابنه للصلاة ويصلي معه .
ينتهيان .
– من أنت ؟
– حبيبك .
– يرفع الأب يديه علامة احتضان، ويحتضنه .

* قاصة من السعودية 

2 thoughts on “غربة

  1. تفاصيل دقيقة تلتفتين إليها و تلفتينامعك
    لأدق الأوصاف تنقلينا إلى مشهد متحرك بكلماتك الساحرة
    توقظين مشاعر نائمة بداخلنا
    دائما تضفين بشفافيتك لمسة خاصة لا تليق إلا بحرفك
    يا جميلة السبك و الصياغة بكل ود و احترام
    أهنئك و أحييييييككككك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *