مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

(جناح مفرد) في هذه الزاوية التي تشبه ديواناً مُصغرًا، نفردُ مساحةً لتجربةٍ شعرية …

قِديِّسُ قريتِنا، سيرة ونصوص للشاعر مؤمن سمير

منذ 3 سنوات

370

0

(جناح مفرد) في هذه الزاوية التي تشبه ديواناً مُصغرًا، نفردُ مساحةً لتجربةٍ شعريةٍ في كل مرة، نحلقُ في فضائها وأفقها ونفتح من خلالها نافذة نحو قراءة المزيد من التجربة..

محمد خضر

 

مؤمن سمير

شاعر وكاتب مصري، من مواليد 15/11/1975، ينتمي لجيل التسعينيات الشعري الحداثي المصري، صدَرَ له 30 كتاباً بين الشعر والمسرح والمقالات النقدية والترجمة والنصوص والسيرة الذاتية.

من دواوينه: غاية النشوة 2002، بهجة الاحتضار2003، ممرُّ عميان الحروب 2005، تفكيك السعادة 2009، تأطير الهذيان 2009، عالِقٌ في الغمرِ كالغابةِ كالأسلاف2013،إغفاءة الحطَّاب الأعمى2016، حَيِّزٌ للإثم2017، بلا خبز ولا نبيذ2017، سلة إيروتيكا تحت نافذتك2020،أصوات تحت الأظافر2020، أبعد بلد في الخيال2021.

وقد سُجَّلت رسالة ماجستير في جامعة جنوب الوادي بمصر، بعنوان “آليات الخطاب الشعري في قصيدة النثر. مؤمن سمير أنموذجاً” و صدَرَ عن تجربته كتاب “بصيرة المتشكك: نقد أعمال مؤمن سمير الشعرية “عن الهيئة المصرية للكتاب2020.

 

قِديِّسُ قريتِنا

هذا الذي لا يهبط حفرتَهُ إلا و علبةُ الصرخاتِ تحت إبطهِ

و حبلُ الخَلاصِ مجدولٌ حول وسطهِ، تماماً كما علمَّهُ أبونا..

(..)

كان الأبُ أسداً محفوراً على الحائط و لما أنجَبَ نظرَ للوَلدِ وهَزَّ رأسَهُ و قالَ أنا جبان.. حاربتُ ألف مرةٍ وقُتِلْتُ في كلِ مرةٍ رغم أني كنتُ أحاربُ من هنا، من غرفتي.. و اليومَ أرسَلَتْكَ السماءُ لي كي تحرق هذا العالم وأعيدُ أنا خلقَهُ وتوضيبَهُ.. و لكنكَ.. يا للأسف.. ستقول في غرفة الاعتراف “كان أبي جباناً”.. ستقولُ وأنت تبكي.. إذن فلتتهيأ جيداً و لتقفز باسم الربِّ في صورتي.. كن يا ولدي و شقيقي، على هيئتي و مِثالي فتعلو وتنجو ويكبرُ جناحاكَ ولا تشيخَ أبداً.. الأمان لحمُهُ طيبٌ صدقني و العَفوُ مَجْلَى هذه السَكِينة.. ساعتها فقط، أعودُ بطلاً للناحيةِ كلها ويقولونَ فازَ و كَسَبَ.. مَنْ صَعَدَ والشياطينُ كلها وراءَهُ.. لكنهُ خدعها واحترق..

(..)

في هذه البحيرةِ، كنتُ يا حبيبتي في راحتيْكِ، وردةً خشنةً تتهادى و لا تَغرقُ إلا في الأريج.. أما الطوفانُ، الغادرُ كالمُرابينَ والقَتَلَة، فكانَ يرسلُ كلابَهُ كل فجرٍ لتسرقَ سَلامَنا.. أغلَقْتُ عيني مرةً و مرةً حتى رأيتُكِ قويةً، ومتوهجةً كما أنتِ، تفردينَ ذراعَكِ لأرقص كالريشةِ وشَعركِ لأطيرَ على مَهَل وعيونَكِ في أعلى القلعةِ، تحرسُ الغاباتِ و تهذبُ العواصف.. فرحتِ أنتِ كطفلةٍ وأنا فرحتُ، لكنَّكِ وقفتِ وفتحتِ البابَ للملائكةِ وعَمَّدتِنِي ليصفوَ الماءُ، فوَقَعَت مني ظِلالِي.. ثم نظرتِ في عُمقي، نظرتِ طويلاً.. وسألتِ بصوتٍ ليسَ صوتِكِ: أين ألوانِكِ الأولى، أيتها الصورةُ التي تهتزُّ وتهتزُّ.. كشَفْتِني إذن أيتها الساحرةُ.. رأيتِ لحمي عارياً وملفوفاً بلحم أبي والتقطتِ الحبلَ من تحت عظامي وهو يرتعشُ.. لكني في لحظةٍ خاطفةٍ، التقطتُ سيفَ داود المحارب عَلَّني أقتنصُكِ.. وقبلَ قيامةِ قلبي تَدَخَّلَ قلبُكِ الصِدِّيقُ وبَشَّرَ.. قالَ لستُ خَلاصَكَ، فاخلعني من عينيكَ وهِبْني لنفسي.. لففتُ نفسي بحَبْلي واحتضنتُنِي، بعزم العماليقِ وشِدَّتِهِم، و قلتُ أنا صخرتي و قلتُ أنا خَلاصي..

 

“كيفَ حالكَ اليوم.. أيها البدائيُّ الشقيق؟”

كان الدَوْرُ اليومَ على جِلْدِهِ ليتقمص دور المُعَلِّم، يحقِنُ طاقةً سحريةً في الخلايا لتمزق نفسها وهي تبتسم ثم تحضنهُ و تسقيهِ على مَهَلٍ: كيف أن نظرة عينيها أخطر من خَمْشات النمر الأرقط.. في نفس الوقت، كانت رغبتها تعصف بها، تجعلها تلفُّ وتدورُ في الكهفِ و ذكرى اللبؤة الجريحة تتبعها كظِلِّها، فقط كي تُعَلِّمها أنه لا مفر من ابتسامةٍ جميلةٍ تقولُ تعال.. هذا الكهفُ طيبٌ وسهلٌ ويشبه المطاط، يتَّسعُ مع التنهدات الحرَّى و يضيق كلما كزَّت الأسنان على نفسها وطارت اللعنات.. لكنَّ الثابت أنني كلما سمِعتُ صوتاً و التفتُّ خلفَ ظهري بسرعة، وجدتُ مساحة تزيد في بسطتها كلما نظرتُ و لها كذلكَ حفيفٌ وهمس.. لم لا أرسم عليها قطة تغني أو تضحكَ لعفاريتها(أنا مخلصٌ في حبي لكل حبلٍ وديع، اختارَ ألا يزحف حول عنقي في الأحلام).. من الممكن كذلك أن أرسمَ الوردةَ التي تنتظرني خارج الكهفِ كلما عدتُ من الحربِ.. و دائماً ما كنتُ أتحرج أن أذوقها بسبب احمرار وجنتيْها المجرم.. لكنهُ وهو يرتعش، قرر أن يُخرج قلبَهُ ويرشقه على الحائطْ.. منذ سنواتٍ و هذا الغامض يحيره، وها قد آن الأوان لأن يكشفهُ ويملأ المكان بصدى السؤال: لماذا تربكني يا جاري رغم أني تركت لك ضلوعي لترعى وتغني وقت الأصيل؟.. لمَّا أَغْلَقَ عيناً وفتح الأخرى وكانت الدنيا تمطرُ خارجَ أذنيهِ، قَسَّمَ الأصوات التي وراء الكهف بجملةٍ قاطعةٍ كالإزميل، راقَهُ رنينها فلصقها في سقف الكهف لتصفو أكثر: قَسَّمها إلى “شهيق الأرض وزفير السماء”.. عشنا عمرنا كله وكلام السماء المتلعثم هذا، كلما زارنا، نرتعب.. و حديث الأرض، طبعاً، مكارٌ كأنهُ ثعلبٌ عجوز.. لكن بالنسبة لأمرٍ سهلٍ مثل الصيف مثلاً، فإنهُ لا يبذل أي جهدٍ: يقول ببساطة، هو دائماً أبٌ متعالٍ بلا أذنيْن وهذه الشتاءُ أمٌ جافةٌ وظِلُّها ناشف، كلما دَلَقت تعليماتها في العمود الفقري، تنكسر الجناحات.. أخيراً، و بالنسبة ليومنا الجميل هذا، فإنهُ قد استيقظَ نشيطاً وقوياً، فهداً واثقاً، تحمَّسَ وأخذَ يربط كل أفكارهِ المتوهجة في حبلٍ واحد.. كان سعيداً وهو يضعُ كل إنجازاته تحت فخذهِ و يفتلها كأنهُ مُعَلِّمٌ ماهر.. يريد أن يقدمها، هذا المِقدامُ، لعيونها الواسعة التي تتمشى داخله بجنونٍ، ولذراعها التي تدغدغُ روحه بانسيابيةٍ، وشَعْرِها الذي ألهمَهُ رسمة الوسادة المتكلمة.. لكنهُ فوجئَ بأقدامه تتقدم خطوة ثم ترجع.. الظاهرُ أنهُ ما زال متردداً، رغم أنهُ وقف في وجه السَيْل و انتصرَ على الخوفِ أمام الناس كلهم.. يبدو أنهُ ظَلَّ حَذِراً بالسليقة، يغلق عيناً ويفتحُ الأخرى كلما لمَحَ ابتسامةً تتنهد وراء باب الكهفِ.. ابتسامةً تكبرُ في ضوء النيران.. تكبرُ وتقولُ تعال..

 

رسائلُ الضَفَّةِ الأخرى

أودُّ أن أقفزَ فوقَ النهرِ

لأُمْسِكَ بالضَّفَةِ الأخرى

وأستأنفَ طريقي

للقلعةِ الكبيرةِ…

النهرُ يعوقني

و الجميلةُ المأسورةُ

رسائِلُها تُشكشِكُ عظامي..

رسالتُها الأخيرةُ كانت غيمةً تبتسمُ

ثم تبكي..

و التي قبْلَها

كانت وردةً بِطَلَّةٍ من حرير

تنتقلُ من حكايةٍ لأخرى

وتتركُ أريجاً خافتاً

وصفيراً حزيناً..

بالأمس كنتُ وحدي

وكنتُ خائفاً..

بحثتُ عن صورةِ أمي لأصيرَ جريئاً

واصطدتُ خفاشيْنِ سَمينيْنِ..

فَرَكْتُ الجَنَاحاتِ

وألقيْتُ رمادهما في طبقي

…وهكذا امتلأ البيتُ بالعواء

و صرتُ وحشاً يطيرُ فوق النهرِ..

يطوي الضَفَّةَ الأخرى في جيبهِ

و يصطحبُ الجميلةَ التي تراهُ جميلاً

والتي تتزينُ مدينتنا الصغيرةُ

بذكراها..

كلَ حصاد..

 

الحَجُّ لمقابر العائلة

فَتَحوا الأبوابَ و أغلقوا الأبوابَ..

باقةُ الورد التي حملوها كل هذه المسافة

كانت ثقيلةً و فَجَّةً في الصورة

والنور الذي جلبوه من صندوق الملابس القديم

لم يكن مخلصاً

فينقش بروحهِ المكان..

أقدامهم بلا روح

وظلالهم بلا وَهَجْ ولا رائحة..

قالوا لو كانت عظامنا أقوى

كنا طرنا وألقينا الدموع بسخاءٍ أكبر..

كنا ربينا جَنَاحاً و آخرَ

كي يَهُشَّا عنا الذباب والأمطار و الذكريات..

كنا متنا بقوةٍ واعتداد..

لماذا لا يصمت الموتى كي ننام..

لماذا لا يعيدون ما سلبوه منا

كي نحبهم وننسى تنهيدةَ الارتياحِ

وقت سقوطهم..

أخذوا هواءَنَا وأقلام الحِبْرِ النادرةِ

وأحلامنا الحَرَّى في الجارات والعابرات..

أخذوا كلاب الصيد

وأقماع السكر التي كانت تخفيها أمهاتنا

لوقت الغارةِ..

لكنهم لحسن الحظ تجاهلوا نظاراتنا

والعيون المخفية فيها..

وتعمدوا نسيان الشرايين

والكراتين التي تصلحُ كقصورٍ

للدُمى و العرائس..

هذه قبلةٌ تطيرُ في المقبرة

ستلتصق بلحم مَنْ هذه المرة..

هذهِ خُطبةٌ للحيةٍ كَثَّةٍ يوم العيد

ستركب على جسد مَنْ مِنَ المرتعشين يا تُرى..

إنها دببةٌ تجولُ وسطنا كي تجلب الثلوج

وتقنع الصيادين بالأسماك التي مَلَّت من البردِ..

إنهُ شهيقٌ دخَلَ فجأةً لما لم يجد مكاناً

في زحام الشارع..

ماذا تريد أيها الأخرق

المكان هنا لا يَحتَمِلُ ضيفاً جديداً

ثم أنه يضيقُ أكثر كلما شَرَدْنَا..

أكثر مما لو حاربَ الميتون أمجادهم

أو أخذوا يغنُّونَ لينامَ الوحشُ

و يموتَ السَأَم..

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود