الأكثر مشاهدة

د. منصور إبراهيم الحازمي*   .. في اعتراف الجاحظ بأنه كان في بدء حياته الأدب …

اعترافات الأدباء

منذ 8 أشهر

25

1

د. منصور إبراهيم الحازمي*

 

.. في اعتراف الجاحظ بأنه كان في بدء حياته الأدبية يؤلف الكتب القليلة الفائدة وينسبها إلى المشهورين في عصره – من أمثال ابن المقفع، وسهل ابن هارون، کي تروج وتستنسخ، بعد أن كسدت بضاعته، وقد أدرك أن الناس لا تميل إلا إلى الأسماء المشهورة اللامعة.
وما أكثر اعترافات الأدباء والشعراء بنقائصهم الجسدية أو الخلقية أو الذهنية التي سجلوها في أبيات أو فقرات أو فصول أو في كتب مستقلة، إذ كانوا في لحظات من التجلي والمكاشفة، أو كانوا في حالة يرثى لها من الضيق واليأس. وقد لا يكون الاعتراف نتيجة حالة نفسية عابرة، بل نتيجة حالة مرضية مستعصية، كما نرى ذلك عند إبراهيم عبد القادر المازني، الذي شغل بعيوبه الجسدية، فاتخذها في أكثر كتاباته موضوعًا للتندر والسخرية.
وليس في اعتراف الأديب بمثالبه ما يعیب، إن حمل المحمل الحسن، ولم يؤخذ على أنه من باب المدح الذي يشبه الذم، أي زيادة لفت النظر بمخالفة المألوف. والناس قد ألفوا التكتم على العيوب، وستر العورات، والظهور بالمظهر اللائق المحتشم. على أن في النقد الذاتي – من جهة أخرى -، شجاعة أدبية لا يقدم عليها سوى القلة الواثقة ولكن لا ينبغي أن ننخدع بالمبالغة الظاهرة في النقد الذاتي، الذي لا يقصد منه الشاعر أحيانًا سوى نقد المجتمع، أو الكشف عن أوجه النقص في الطبيعة البشرية.
يقول المازني – وهو المشهور بإظهار عيوبه – من قصيدة يرثي بها نفسه :

قضي غير مأسوف عليه من الوری
فتىً غره في العيش نظم القصائدِ
لقد كان كذابًا وكان منافقًا
وكان لثيم الطبع نزر المحامدِ
وكان خبيث النفس كالناس كلهم
جبانًا قليل الخير جم الحقائدِ

فهل كان المازني يعترف بعيوبه حقًا، أم كان ينسب هذه العيوب إلى الناس جميعًا ؟!، إنه فرد أصابته العدوى من هذه الجموع الكثيرة المحتشدة حوله، فهو مثلهم “کالناس كلهم “ ، ولو صلحوا لصلح واستقامت أخلاقه. ومثل هذا النقد يتكرر كثيراً عند الشعراء ذوي النزعة الفكرية الفلسفية، كأبي العلاء المعري، الذي بلغ به التشاؤم في صلاح الإنسان أن يقول:

إن مازت الناس أخلاق يقاس بها
فإنهم عند سوء الطبع أسواءُ
أو كان كل بني حواء يشبهني
فبئس ما ولدت للناس حواءُ

ومن حسن الحظ أن أمنا حواء قد ولدت الكثيرين ممن لا يشبهون أبا العلاء في تمرده وتشاؤمه، وإلا لفسدت الأرض. ولا أحسبنا نستطيع أن نصدّق شاعرنا حمزة شحاتة في قسوته على نفسه، وتجريدها من الفضائل والمواهب، إذ يقول في ” رفات عقل ” إنه محروم من الذكاء، وإن شهرته زائفة لا أساس لها، وإن من عادته التخلص من إنتاجه الأدبي كل عامين أو ثلاثة وكان هذا يريحني، ويملؤني بلذة التخفف من شئ لا أطيق النظر إليه..
وما دمنا نعرف أن حمزة شحاتة ليس على هذه الدرجة من السوء، بل إنه أقرب إلى أن يكون من الآحاد المتميزين، وهو منهم و لا ريب، فلا مندوحة لنا من أن نلتمس الأسباب التي تدعوه إلى الزراية بنفسه، وتحقيرها بهذه الصورة، وقد نجد الجواب في حياته الشخصية أو في حالة مجتمعه، أو في كليهما معًا.على أنه يتحتم علينا أولًا أن نفحص كلماته جيدًا، وأن نتدبر معانيها داخل السياق الذي وردت فيه. فلو نزعنا الألفاظ من غلائلها المجازية الشفافة، أو أخرجناها من سياقها، لبدت عارية، جامدة لا حياة فيها. فكم  من مرة أشار حمزة شحاتة إلى نفسه بأنه ” محروم من الذكاء” وهو لا يعني المعنى المعجمي لكلمة ” ذكاء ” بل یعنی شيئا آخر.

وفي إحدى هذه المرات على الأقل ينحط الذكاء « إلى مستويات مرذولة لا يرضي عنها الكاتب حين يقول: “.. لقد كانت حياتي قلقة، وما تزال،لأني لم أتمتع قط بحريتي واختياري، وعلى النحو الذي يرضي عقلي وطبيعتي، وكنت أعتقد القدرة على المرونة والتكيّف، لأني محروم من الذكاء إلى حد التجرد …”
(رفات عقل )، فالحرمان من الذكاء هنا هو ما يحمده الكاتب في نفسه وينوه به، إنه إطراء وليس قدحًا.

*الحازمي: منصور إبراهيم، مواقف نقدية، (بتصرف)

التعليقات

  1. يقول الكاتب الأديب جمال بركات:

    أحبائي
    أبنائي وبناتي
    الاعترافات والأحاديث عن السير الذاتية ليست موقوفة على الأدباء والسياسيين
    بعض الناس يجد متعة في نشر هذه الاعترافات التي قد تتضمن بعض الفضائح والفعل المشين
    في الغرب يتحدثون في الفضائح كأمر عادي لكن الأمر انتقل عندنا بأقلام بعض الزملاء من المثقفين
    أنا شخصيا امتعضت جدا عندما نشر زميل من كبار المثقفين فضائحه الجنسية في كتاب ضخم بعد أن ستره رب العالمين
    أحبائي
    دعوة محبة
    أدعو سيادتكم إلى حسن التعليق وآدابه….واحترام البعض للبعض
    ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
    نشر هذه الثقافة بين كافة البشر هو على الأسوياء الأنقياء واجب وفرض
    جمال بركات…رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود