مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عائشة عسيري* جازان منذ القدم وهي منبع العلماء والفقهاء والشعراء والمبدعين في كاف …

أبو علة (حسن الشعر و الإطلالة)

منذ 8 أشهر

38

0

عائشة عسيري*

جازان منذ القدم وهي منبع العلماء والفقهاء والشعراء والمبدعين في كافة المجالات.

وكما يزخر بحرها بالخيرات المتنوعة، فكذلك أرضها زاخرة برجالاتٍ عِظام كرام  في الشعر والأدب والفقه والقضاء والتعليم  وشتى العلوم  والمعارف  المختلفة.

قبيل أن نودع عامنا ٢٠٢١م أطل علينا عبر إحدى القنوات الإعلامية، شاعر بيش المُفْلِق، وسيلها المتدفق الشاعر الكبير/ حسن أبو علة- أطال الله في عمره وحفظه- إطلالةً  مضيئةً لاسيما وأنها جاءت بعد طول غياب، أبهجت محبي هذا الشاعر العظيم، وأشعرتهم بنوع من الاستحقاق الذي يجدر أن يناله مبدع مثله، استحوذ على لب سامعيه ومشاهديه بروعة أشعاره، وبهاء حديثه  ورؤاه.
أوليس حقيقًا  بالحفاوة، وهو من جادت قريحته برائعته (الناي)، إذ يقول فيها:

أسمعت يا ناي فاحكي
واسكب دموع التشكي
لله أنات شــــــــــــاك
تنساب في حسن سبكي
تبدي الذي أنت تخفي
في النفس من غير شك
أبكاك طول التنائي
والنأي إن طال يبكي
*******
هيجت بالقلب ذكرى
فذاب شيّاً فشيّا
وانساب دمعي سخينا
ينهل من مقلتيّا
إذ هزني منك صوت
ينساب عذبا شجيّا
لو رام قلبا عصيّاً
أبكي الفؤاد العصيا
******
ماذا عسى الشعر يغني
إن فاض من الشعور
وأنت حلو التغني
في كل ناد أميـر
في الجوف منك ظلام
وفي تغنيك نور
وأنت في كل مغنىً
بكل شدو تثيــــر

أمام كل هذا الإبداع الشعري الجميل، والمذهل، نقف تقديرًا  لشاعريته العالية جدًا.

كما أن كل محب للشعر الجميل والأصيل؛ بناءً ومعنىً، سيجد كما وجدت أنا في هذا الشاعر، معينًا صافيًا لأعذب الشعر وأحسنه صورًا ومعانيَ.

ولنتأمل عذوبة هذا البوح الشعري الشجي الذي يأخذ بالقلوب والألباب وهو يقول في قصيدته (النغـم المفقـود):

سُدَّ باب الهوى ومات النشيدُ  
وبكى شجوَه عليك القصيد

وغرام القلوب في الناس يشقى   
بلظى ناره المحب البعيد

أين ذاك اللقاء؟ يا رُبَّ ليلٍ   
طاب فيه اللقا، وطاب النشيد

مبسم يستبيك منه قريض   
وشجيّ من اللحون فريد

رقّ مثل النسيم حتى توارى   
في قلوب تكاد منه تبيد

فكأن الجموع باللحن سكرى   
وكأن اللقاء للناس عيد

كوكب للغناء يزهو بك الحفــ   
ـل وشمس تشع منها السعود

ما أبالي بعاذلٍ فيك يحلو   
كل هاوٍ بما أحب يشيد

والملام السخيف عذل أمور   
ليس يدري بحسنهن بليد

وإذا ما الرشيد جارى سفيها   
في سخيف المقال ضل الرشيد

ولشاعرنا قصائد كثيرة يتغنى فيها بالمكان في جيزان، من ذلك قصيدته التي بعنوان(زفرة الشوق) حيث يقول مترنمًا بمحافظة فيفاء الفاتنة:

لا تلمني في الهوى إن لاحَ منِّي
أنّة الشاكي وترديدُ المغنِّي
في هوى فيفاء ما أحلى التغني
فأَدِرْ كأس التصابي وارْوِ عني
زفرة الشوق إلى تلك الربوعِ
تبعث الأشجان للصب الوَلوع
فيك يا فيفاء كم سالت دموعي
وكتمت النار ما بين الضلوع
وبعثتُ الشوق من قلب كليم
غصّ بالأحزان كالطفل اليتيم
إن شدا القمريّ في برد النسيم
أو دنا طيفك في الليل البهيم
حجب البين رؤى تلك الروابي
ومغانٍ كنّ في عهد التصابي
وشذا الوزَّاب ما بين الشعاب
ذِكَرٌ مرت كأحلام عِذاب
هل لنا عَوْدٌ إلى تلك الليالي
فيراح الجفن من دمع سجال
كبد حرَّى ودهر ما يبالي
بالذي ألقاه من همٍّ عضال
بَلِيَ العهد وما يبلى الهيامْ
لك في القلب من الشوق ضرام
كبداً تشكو وعيناً لا تنام
وفؤاداً خافقاً بين الحنايا
هزه الشوق إلى «شط الصبايا»
رق إشفاقاً على حَرِّ بُكايا
والنوى يُبكي كما تُبكي الرزايا

وهذا ليس إلا نزرٌ يسيرٌ من فيض إبداعه، وإلا فالمقام  والمقال يعجزان عن الحديث عن كل روائعه الشعرية الخالدة.

على الصعيد الشخصي في كل مرةٍ أستمع فيها إليه أردد بأسفٍ شديد:
خسارةً أن هذا الشاعر المبدع لم تتح لنا فرصة معرفته عن كثب إلا منذ فترةٍ قصيرةٍ، وهو من أبحر في عالم الشعر منذ أمدٍ بعيد، ولاتزال نفائسه الشعرية ساطعة.
قد يقع بعض اللوم على أبناء منطقته، خاصةً الإعلاميين منهم والمثقفين، إلا أننا نلتمس لهم العذر، فقد يكون زهد شاعرنا الكبير، سببًا في تمنعه من الظهور عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

وكلنا يدرك أن غالب أدبائنا المنتمين إلى الرعيل الأول لا يولون الظهور في وسائل الإعلام عناية كبرى، إيمانًا منهم بأن روائع الشعر لاتضل طريقها إلى محبي الشعر الرصين بشكلٍ أو بآخر، فهم جيلٌ لا يشغلهم سوى تجويد إبداعهم، وصناعة دهشته.

يحسب لنادييّ أبها و جازان الأدبيين أنهما من عرفانا بشكلٍ رسمي، على هذه القامة الشعرية السامقة، قبل سنواتٍ مضت.

وفي عالم الشعر جودة الإلقاء لاتقل عن كتابته، فمن جمعهما فقد جمع المجد الشعري من أطرافه، خاصةً إذا علمنا أن شعراء كبارًا كانوا لايجيدون إلقاء قصائدهم بأنفسهم وعلى رأس هؤلاء أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي كان يوكل لغيره من المجيدين لفن الإلقاء، إلقاء قصائده نيابةً عنه حفاظًا على جمالها.

وإذا نظرنا إلى الشاعر الرائع حسن أبو علة، نجد أنه من أولئك القلائل الذين جمعوا الحسنين.

إذ جمع فعلًا بين الشعر العربي الأصيل الرصين، وبين طريقة مذهلة في الإلقاء، كانت بمثابة بصمته الخاصة، مما يجعل متابعيه يحتارون هل يتفاعلون معه حين يلقي درره الشعرية، أم يتأملون انفعالاته وتعابير ملامحه ولغة جسده أثناء إلقائه القصيدة، أم تصغي آذانهم لفخامة صوتٍ متميز، حين ينتقل من طبقةٍ إلى طبقةٍ أخرى صعودًا وهبوطًا، حركة وسكونًا، ليحلق بنا إلى أعلى درجات المتعة الحسية والفنية.

وهذا مما يحسب له، ويجعله في مصاف كبار الشعراء، فالمبدع الحقيقي يفرض نفسه، مهما غيب نفسه عن الشهرة، أو تم تغييبه من قبل الآخرين، وليس الكلام هنا عن شاعرنا تحديدًا، بل عن المبدع الحقيقي في كل زمانٍ ومكان.

أخيرًا:
لبزوغ نجم شاعرنا ضياءٌ يتحينه متذوقو الشعر العربي الأصيل، حيث بدا لنا بدرًا تام الكمال في سماء بيش، جعلنا نُيمم قلوبنا المحبة للإبداع الحقيقي صوبها، وهبت علينا نسائم أشعاره العليلة من أرض الفل والكادي، فامتلأت صدرونا بعطر حروفه الشذية حتى قلنا ليته لا يسكت .. ليته لا يسكت؛ فقد أعاد لذائقتنا الشعرية مباهجها وبعث أحاسيسها تجاه الإبداع بعبقريته الشعرية المذهلة.

*كاتبة وإعلامية سعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود