السردية المُوازِنة

 

قراءة في لغة قصة (اضطراب) للقاص/كاظم الخليفة

بقلم: ساعد الخميسي، قاص وناقد سعودي

 

نص القصة:

“لا بأس من ارتكاب بعض الأخطاء: أكبر من مجرد هفوة، وأصغر من خلطك بين أدوية والدتك.. فصالح نفسك. يهمس صديقي بشفقة، وأنا أنظر إلى قدمي المرفوعة على الحامل الطبي من أجل ثبات العظام في مكانها. فببساطة كانت الحادثة نتيجة لارتباك اللحظة الحرجة في التفكير؛ أي من القدمين ستتقدم بالنزول أولاً؟ تماماً كما الأشخاص المتجادلين دوماً في داخلي وشجارهم المستمر على من يملك زمام المبادرة؛ أحدهم وهو الأكثر قرباً من نفسي يلوح دائماً بصولجان الحكمة الورقي والذي ينثني دائماً عندما يرفعه ليشير به. شخص مستفز آخر يربك ذاتي عندما يبدأ بالسباب لكل موقف يستدعي التروي! أما الثالث فهو يراقبهما ويقول لي اقرأ هذه القصيدة ففيها خارطة الطريق وصك الحكم!؟” القاص: كاظم الخليفة

__________________________

 

تعد اللغة أهم العناصر الرئيسة في النص الأدبي بشكل عام، وعلى الأخص في النص القصصي تحديدا؛ لأنها الوسيط الأساس الذي يربط بقية عناصر السرد كالحدث والزمان والمكان والشخصيات، هذا أولا.

وثانيًا كونها الوسيط الناقل بين عناصر الاتصال الأدبي (المبدع – النص – المتلقي)، لذا يولي المبدعون جُلّ اهتمامهم باللغة وبنائها على النحو الذي يمكنهم من أداء رسالتهم الأدبية، ولا تتوقف اللغة عند هذا الحد من توخي واهتمام مبدعيها، بل تستحوذ على أوقاتهم أيضًا في التركيب والهندسة النصية، وما يتبع ذلك من المراجعة والحذف والتعديل والإضافة.

قلت إن النص السردي -على وجه الخصوص- بالغ الحساسية في تعامله اللغوي أكثر من غيره كالشعر مثلا؛ لأن كاتب السرد هو كاتب لا يعمد كالشاعر إلى اللغة الموحية/ فلغة الشعر لغة تتكئ على تقنية التداعي، وليس ذلك في السرد. فإن كان الشاعر يقف ليلقى القصيدة، فإن السارد يتحرك نازلا وصاعدا ليكتب السرد، والمتحرك فيما يستخدم من اللغة لا كالذي يقف..!

السرد في اللغة هو التتابع، والتتابع يعني الخطو والبناء والمواصلة، وهنا تكمن صعوبة البناء اللغوي، البناء الفني المحكم من غير خلل أو وتجاوز قد يؤدي إلى إرباك النص وقصوره عن محطة الوصول.

سنحاول معالجة ذلك بإعادة بطيئة للنص القصصي (اضطراب) للقاص كاظم الخليفة، هذا النص الذي يتراوح فيه الحدث بين شخوص الداخل وشخوص الخارج -كما أجدها-، إذ يتم ذلك عبر اللغة.

نلاحظ أن لغة النص تتخذ أبعاد الحكمة والإرشاد، وربما لقصر النص القصصي نراه ملحا على تلك اللغة التي تتأتى بصياغات آمرة ومباشرة دونما أن تشوبها اعتراضات واصفة تؤخر من وصول رسالتها. يبرهن على تلك التقنية اللغوية ما نجده في العبارات التالية:

(صالح نفسك ـ اقرأ هذه القصيدة ففيها خارطة الطريق وصك الحكم)

إذ تحاول الذات الساردة عبر صيغتي (صالح – اقرأ) أن تنفذ إلى ما يمكن أن يوازن حالة الاضطراب/ اضطراب الشخصيات.

 

(الحادثة)

جاءت نتيجة لارتباك اللحظة الحرجة

في التفكير

موقف يستدعي الروية لكلا من:

 

↓                                  ↓

الخارج                        الداخل

                             

↓                           ↓

صديقي               الأشخاص المتجادلين

                              دوماً في داخلي

 

ولن تتخلق عملية الموازنة في نظر ذات السارد إلا عبر هاتين الصيغتين:

(صالح نفسك)         (اقرأ هذه القصيدة)

 

لنصل معهما كمؤشرات لغوية، ومع رؤية السارد إلى نتيجة تبدو متشاكلة ومتناسبة لحل متصالح لحد كبير مع حالة الاضطراب، التي عنون بها النص، كونها مناط الأزمة، وعقدة الحدث الباحثة عن الحل، فالتفاوت يجيء -بطبيعة الحال- ليكشف لنا عن توظيفات الشخوص -خارجيا وداخليا- لعملية كشف آخر؛ تأخذ صورتها السردية الشكل الآتي:

 

اللحظة الحرجة ←التروي ←اقرأ ←خارطة ←صك

 

(صك) 

هي الدال المكون من صوتين/حرفين (ص – ك)، كأنهما -حسب تصوري- قدمان يقف عليهما خطاب النص بصورة متزنة وواضحة، وهما أيضا صوتان منطوقان تبيانا للحجة والبرهان، اللذان تنتهي إليهما حدثية الاضطراب، وتزول متلاشية معهما أزمة الشخصية المضطربة، ذلك لأنه قد مر بما خططته ووجهته إليه منظورات السارد، فقد أملت عليه فعلين يؤديان به إلى منطقة أكثر اتزانا تجاه حالة التذبذب والاضطراب.

لجأ الكاتب في نصه إلى معالجة أزمة الاضطراب من خلال لغة ثنائية مُوازِنة سرديا، أتصورها طريقة بنائية ذكية وفق في توظيفها الكاتب إلى حد بعيد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *