مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  د. صالح باظفاري* إن علاقة صناعة الفن والهجاء البحري تعود إلى أسباب أساسية في ر …

تاريخ فنون الغناء البحري.. وتأثيره على الموسيقى الحديثة

منذ سنة واحدة

1444

0

 

د. صالح باظفاري*

إن علاقة صناعة الفن والهجاء البحري تعود إلى أسباب أساسية في ربط الموسيقى والغناء بصناعة النغم عند الملاحين، بحكم ارتباطهم بتواريخ القدماء من ربابنة السفن ذات الرحلات المتعددة في الخليج العربي. ترعرعت تلك الأنغام الفطرية مع الأجيال التي مارست المهنة، التي تحتاج إلى الصلابة والشدة وقوة العضلات وتحمل الصعوبات، حيث كانوا يبتعدون عن وطنهم وأهلهم وذويهم مدة من أربعة أشهر إلى سنة أحيانًا، يصطحبون معهم مغنيًا، ويُقال له باللهجة المحلية (النهام) الذي يقوم بغناء المواويل الشجيّة والأغاني والأهازيج التي تساعد البحارة في مواصلة العمل والتخفيف من آلامهم وغربتهم هو عنصر أساسي على متن السفينة، حيث يشحذ هممهم بالأغاني الشعبية التي يؤديها، والتي تكون مرتبطة بكل عمل يُنفذ على ظهر السفينة. بذلك، فإن لديه دورًا وظيفيًا مرتبطًا بدورة العمل، فكل حركة أو جهد عضلي يتطلبه العمل من مجموعة البحارة يكون المغني قد ترنم به، ما يحدد الحركة المطلوبة من خلال التنغيم والتلحين الموزون إيقاعيًا لنصوص باللهجة المحلية الدارجة (العامية) فيساعد ذلك في تنظيم إيقاع دورة العمل من خلال مشاركة البحارة في أداء مقاطع لحنية قصيرة أو أهازيج شعبية معينة. ويرتبط كل لحن أو أهزوجة أو موال بأداء عمل معين يأمر به رئيس السفينة (النوخذة)، فيترجم إلى موسيقى لحنية إيقاعية موقعة على آلة الطبل والطوس والمراويس. وهذه الترانيم والأراجيز تساعد في الاندماج الذهني والعضلي لمجموعة البحارة، وهي عبارة عن ابتهالات واستغاثات دينية في شكل أغنيات. ومن تلك الأغنيات البحرية التي يطرب لها رجال البحر:

الحمد لمن قدر خيرًا

الحمد لمن قدر خيرًا وقبالا، والشكر لمن صور حسنًا وجمالا

فرد صمد عن صفة الخلق بري.. رب أزلي خلق الخلق كمالا

بالمجد وبالجود وبالجد تجلى

ما مال عن العدل ولا نال ملالا

ذو القوة، ذو الطول وذو الفضل، مليك ما دوخت الأرض جنوبا وشمالا

لا شبه ولا مثل، ولا كفؤ المولى، لا ولد ولا والد، ولا عم ولا خالا.

لا ضد ولا تد ولا حد للربى

الآن كما كان ولم يلقَ زوالا

لا مثل لمن صُور منلا ونظيرا

من قال سوا ذلك فقد قال محالا

لا قبل ولا بعد ولا وقت زمانًا 

لا مانع لحاجة الله تعالى

أرسلت لنا نبيًّا عربيًّا

للخلق هداه وللشرك أزالا

يا رب إننا وإن نلمهم برضاك ما دام سقيمًا وبها حَلّ حلالا

إياك طلبنا ولنعماك سألنا الله

وبالله لمن خاب والا

إن مثل هذه الأغاني أو المواويل التي تُؤدّى أثناء العمل، لها أثر كبير على دفع الرجال إلى كسب طاقة غير طبيعية.

ومن الأهازيج المعتادة المغناة هذه الأهازيج:

شَلنا واتكلنا على الله

ربي عليك اتكالي

عزيت يا من له الملك

كريمٍ تعلم بحالي

علمك بسود الليالي

بشكي لك عما جرى لي

مسكين أنا مسكين

ومن الإيقاعات والأغاني والأهازيج المشتركة بين أهل السفن الشراعية وقوارب الصيادين، هذه الأهازيج الغنائية:

يا شيلة آه يشيله

قولوا لها وخبروها

يا شيلة آه يشيل

حلان في دار بوها

يا شيلة آه يشيل

وإذا بغوا يصلح الله

يا شيلة آه يشيل
والصلح من الله
يا شيلة آه يشيل
ولا عادنا عادنا

يا سيد ما أنا خلي لك
ولا عادنا عادنا لك

يشيله آه يشيل
ياهوين قلة رجاله

آه يشيله آه يشيله
وشف رجاله جالسين لله

آه يشيله آه يشيله
على المشوى ما حد خلا له يشيله آه يشيله
ثم ينشد أحدهم أبياتًا مسجعة تناسب النغم، مثل:
يا بحر خاف الله
لا تأخذ الشبان
خذلك اثنين بحرة

والثالث الربان
والرابع الرئيس

ليه يقبض السكان
ربي عطاني خديجة
سميتها الحالوية
منبي ومسكت عطونا

والشام قالوا هدية

في الفاتحة والتحيات وبغت عمارنا بنيات

الله يعين الشويقي
من له عمل ما يمله

ومن الحكايات، قد أثبتت الدراسات التي تحمل شيئًا من الواقع أن الدواسر، وهم قبيلة متفاخرة وذات سعة، سكنوا منطقة البديع في البحرين حتى عام (1845)، ثم هاجروا عام (1923) إلى المملكة العربية السعودية واستقروا فيها. وكان لديهم أسطول من السفن، وكانوا يؤمنون لقمة العيش لعدد كبير من العاملين في البحر. وبهجرتهم، هاجرت معهم مراكبهم وعمالهم وأغانيهم وأهازيجهم بعد العاصفة العاتية التي ضربت الخليج والبحرين عام (1925) والتي تسببت في فقدان عدد كبير من السفن، وكان ذلك عام 1925، وقد سُمي هذا العام (بسنة الطبعة) أي سنة الغرق. ومن أهازيجهم أيضًا:

قروي سقاني عسل من مبسمٍ
له وهلّفي شفهم ما يعزونّي
في رفاقه وهل
سقيني كأس راحٍ ما عززوا عيني
أنا ممنون من وصلهم حيوهم عني
أهلاً بسحبٍ انهمل
من بيت جودٍ وهل

من الرقصات المشهورة عند البحارة رقصة (الدربوكة)، وهي في الأصل منقولة من البصرة في العراق، حملها أصحاب السفن معهم إلى سواحل الخليج والجزيرة. وتصاحبها إيقاعات مفردة مصنوعة من الخزف أو الطين، وتستورد من البصرة، وتُصاحب الغناء آلة وترية تُسمى (السمسمية)، ولها نوعان من الغناء: موال يغنيه المطرب أو النهام أو الشلال، وغناء جماعي. ومن المواويل المشهورة:

أصل الزبيب من عنب
والتمر من نيلة
يا خل بلد بعيد يا من يوديني
احلف برب السماء
يا اللي هواك مذهبي ومحبتك ديني

وعند انتهاء الموال، يدخل المغني في إحدى الأغاني المتعلقة بالبحر، التي تتناسب مع إيقاع الدربوكة. ولنا في العدد القادم وقفات تفصيلية عن بعض الرقصات المهاجرة من موانئ البحر الأحمر والعربي إلى مواطن غير عربية بإذن الله.

 

*كاتب يمني

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود