11
0
13
0
74
0
113
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13510
0
13354
0
12190
0
12130
0
9554
0
أحمد العليو*
تمنّى أن خطة الجسر تلاشت.
كان يتوقع أنها ستتبخر كما تبخرت الأحلام المستحيلة.
لم يعد الرصيف مكانا للجلوس عليه، يسير وحيدا على الجسر، كانوا يتجمعون على ضفة الشارع، يجلسون على الرصيف الإسمنتي، حين تأتي الساعة الثامنة يجلسون هنا، يبدأ الرصيف الممتد بالامتلاء، سيارات الشباب تزحف شيئا فشيئا، يجلس مع صديقيه محمد وعلي، يتحدثان هناك بالقرب من شجرة السدر. إنْ كانت هناك مباراة في الدوري يتأخرون حتى تنتهي المباراة، ويأتون مشحونين بالحديث عن التحكيم حتى تدق الساعة العاشرة، يتصلون بأي مطعم، فيذهب أحدهم ليأتي بالعشاء. الآن هو يمشي وحيدا، وقدماه تصلان إلى أعلى الجسر المرصوص بالإسفلت توا، والذي تم بناؤه من عدة سنوات طويلة ليربط الهفوف بالمبرز، انقطعت الحياة عن هذا المكان، بعض المحلات ماتت، لم تستطع البقاء، انقطع النفس عنها، كل الهواء الذي خزنته في رئتيها استنفد، لقد قتل الجسر أحلامها، كانوا يتوقعون أن تتوقف الحياة بضعة شهور، لكن السنوات جرت بسرعة، وهو يكبر بشكل بطيء، ينظر إلى مكانهما من أعلى، يتذكر الضحكات والحكايات، كان يجلس مسندا ظهره على جذع الشجرة، والأغصان تتدلى فوق رأسه، وتغطي رائحتها المكان، يمد قدميه، يبدأ يحكي عن فتاته التي أحبها، عن ابنة الجيران فاطمة، وكيف ذاب الحلم مع مرور الوقت، حينما يتحدث عنها، يرفع رأسه نحو السماء، كان حديثه يمتزج بأحاسيس الأشجار والنخيل، والماء يتدفق من جانبي القناة، يصمت أحيانا، تجيش عواطفه، يرى السيارات صغيرة متلاصقة، الحركة بطيئة جدا، تتوقف قدماه، يهم بالعودة إلى المكان الذي كانوا يجلسون فيه، كان يعرف أن قناة الري قد أُزيلت، يعرف أن الأشجار قد اُقتلعت، يعرف أن كل شيء مات هنا، ولم تبق سوى الذكريات، الذكريات التي تحرقه، يعلم أن الوجع سيرهق أعصابه، وأن الوجع سيمتص هدوءه، وسيعيد له الألم الحارق. تتدحرج خطواته، تعود الأشياء إلى حجمها، يسير على الطريق الحالك السواد، يحس بألم في ركبتيه، تقدم السن أرهقه، لم يعد في الحياة شيئا ذا قيمة عنده، الآن يمشي وحيدا، كان يحكي لهما ألمه وحزنه، هل يعرف المكان الصحيح أم سيغلبه الزمن؟ هذا ما كان خائفا منه، أن يسير دون أن يهتدي إلى المكان، أن تغيب جزء من ذاكرته، أن يطمس الجسر أيام شبابه … أيام الحكايات والأحاديث الجميلة على ضفاف هذا المكان العابق بأحلام وطيش وأفكار الشباب ذات يوم ما، كان الطابوق الصغير منثورا في كل مكان، التراب يغطي الشارع، أما الرصيف فتحول إلى فضاء شاسع، بوابات المزارع القليلة زحفت هنا، أصبح يراها، كانت القناة تفصل بينهم، الآن لم يعد هناك فاصل، حينما وصلت قدماه إلى الشارع، أحس أنه تائه، أنه في مكان جديد، وكأنه لم يكن هنا يقضي لياليه، لكن ثمة رائحة كانت تحركه، يعرف أنهم يجلسون عند الجهة المقابلة لمحطة وسط النخيل، وحين يجلس يواجه الملعب الترابي، لكنه يريد أن يقف عند البقعة التي كانوا يجلسون فيها، يريد أن يستعيد مكان الألفة، مكان الحديث الشفهي، المكان الذي يشدو بالأحلام، المكان الذي كان ذات يوم حكايات أفراحهم وآلامهم، نزف غائر في داخله، “أنت لا تريد سوى استرجاع الزمن الذي كنت تفكر فيها بحبيبتك، بفاطمة التي لم تستطع الوصول إليها، فنكأت في قلبك جرحا عميقا امتد حتى وصلت إلى الخمسين، وأنت لم تنس ذلك” ..
يقترب من المكان، يحس أن ذاكرته صارت كجهاز حديث يلتقط التفاصيل الصغيرة، الزمن الماضي بدأ يهرول إليه، الصور والذكريات والأحاديث تهجم عليه، وتتداخل، يسمع صوت علي ومحمد وهما يتحدثان، صوت علي الرقيق، وصوت محمد الخشن، يتذكر ثوب البيت المقلم بالبني الذي كانا يرتديانه حتى يدكهما الزمن، يتذكر عليا وكيف شفتاه تتمايلان أثناء الحديث، يتذكر محمدا وكيف يتحرك حاجباه الساخران من كل شيء، الآن لم يعودا هنا، ابتعدا عنه، منذ أن بني الجسر أصبحا بعيدين عنه، لا يسمع صوتيهما إلا في فترات متباعدة، رائحة المكان عادت إليه، لا يدري كيف بزغت الشجرة؟ كيف بزغت القناة أمامه؟ يجلس ويمد قدميه، لم يعبأ بأي شيء، بل ربما لم يكن في لحظته، يستند على الجذع، ويرفع رأسه، ويأخذ قلبه ينفتح، ولسانه يحكي حبه الذي مضى، يحكي عن الزمن الذي لم يستطع التعبير عنه في يوم ما، يشعر أن المكان ينصت له، ويستمر يبوح ويبوح … وعلي ومحمد يسمعان ألمه وقصة الفقد.
*كاتب من السعودية
الفيس بوك: https://www.facebook.com/ahmed.alelaiw