حوارية القصيدة وحيويتها في “إبحار على اليابسة” للهلالي (2-2)

بقلم/ د. مصطفى الضبع*

  • السرد خارج النص:

لا يكتفي النص بتشغيل العلامات الشعرية داخله، وإنما يعمد إلى تشغيل كل ما هو واقع في مجاله الحيوي، وهو ما يتشكل في عدد من الآليات منها “السرد خارج النص” حيث تتحقق عملية السرد أو الحكاية خارج النص الذي يحمل علامة عليها تكون بمثابة الإشارة إلى الحكاية المتحققة خارج النص، حيث النص لا يحتمل أو لا يطرح التفاصيل السردية وإنما يكتفي بإشارة غير عابرة تحيل متلقيها إلى واحد من العناصر التالية:

  • المكان: حيث الإشارة على أمكنة محددة، لها حضورها في الفضاء الإنساني خارج النص.
  • الزمان: عبر الإشارة على تاريخ معروف أو علامات زمنية معروفة على نطاق واسع، يكتنزها النص في تفاصيله.
  • الأشخاص: بالإشارة إلى أشخاص بعينهم لهما حضورهم التاريخي: أويس – يوشع –عبس – شداد-عنترة، وهو ما يضع المتلقي في موقف من موقفين:
  • موقف العارف بالشخصية فيسعى للربط بينها وبين النص، والبحث عن العلاقة القائمة، والدالة على سببية اختيار الشاعر.
  • موقف غير العارف مما يجعل المتلقي يوسع من دائرة حركته إلى معرفة الشخصية أولا ثم يجتهد في إدراك العلاقة بالنص ودلالة الحضور في السياق النصي، وهو ما يقفه متلقي الشخصيات السابقة.
  • الأحداث: يشير النص إلى أحداث تاريخية متعينة لها صفة الشهرة والعموم.

وفي كل الأحوال فإن كل عنصر من العناصر السابقة تكون له حكايته/ سرديته خارج النص، تلك السردية المتحققة خارج النص وقبل وجوده، وهو ما يعني أن الشاعر حين يدرج العلامة في النص يحيلنا إلى السردية خارجه جاعلا منها نقطة حركة ممتدة من النص إلى الخارج، حيث حضور العلامة في النص اختزال لسردية كبرى أو صغرى خارجه، فعنترة على سبيل المثال يمثل سردية عربية بامتياز يعرفها المتلقي، ولا سبيل لاستحضارها كاملة أو الإشارة إلى منطقة محددة فيها؛ لذا يلجأ النص إلى اختزالها في العلامة الأبرز في السردية (الشخصية) التي يدرجها في السياق فتكون قادرة على الإحالة إلى السردية المتحققة خارج النص، منتجة حيويتها ومقيمة حوارا مع الواقع خارج النص، و ما ينطبق على عنترة ينطبق على غيره من العلامات المحيلة إلى الواقع خارج النص أو إلى الدوائر الأوسع للمجال الحيوي للنص خارجه.

السردية في الخارج تشبه المشبه به بمعناه البلاغي، ففي التشبيه يكون المشبه به مطروحا على الذهن، مستقطبا من خارج النص يتحرك المتلقي من النص إلى الخارج رابطا بين المشبه في الداخل والمشبه به في الخارج.

4-المجاز: عبر تفاصيله المتنوعة يعمل المجاز على إقامة حوار فعال بين النص والمجال الحيوي من حوله، في عملية التشبيه على سبيل المثال يكون الواقع بمثابة الأفق/ الآفاق المفتوحة ينتقي منها النص ما يحقق وجوده، والمتلقي يتحرك بين قطبين: المشبه في النص والمشبه به خارج النص، وهي حركة تتدرج كلما تباعدت المسافة بين القطبين، فمع التشبيه تكون العلاقة قريبة الإدراك نوعا ما عنها في الاستعارة مثلا، وفي قول الشاعر:

ثم نادى على البحر: يا واسع الصدر، يا واهب القهر ……”

تعتمد الصورة على تشخيص البحر تمهيدا للحوار، أو تمهيدا للوقوف على الحوارية النصية المتحققة في الصورة أولا، وعلى مدار النص ثانيا.

الاستعارة ذاتها تقيم حوارا داخليا بين الذات والبحر عبر النداء، وهي حوارية تحيلنا على الموضوع النصي دون الابتعاد عن التقنيات المجازية أو التقنيات التي تحقق وجود المجاز في النص، وهو ما ينقلنا إلى الحوارية التي يقيمها المتلقي مع النص أولا وتقيمها الذات مع العالم ثانيا بداية من الاستهلال النصي:

على شاطئ الهم

أوقد بيتا من الشعر

علق مصباحه في الرؤى

وأدار الطريقة نحو النهار

والاستهلال يهيمن على ذهن متلقيه تشويقا لما سيحدث ولما سيأخذه إليه مجال الاستبصار بالعالم وإقامة الحوار الذي يبدأ بالتساؤل عن شاطئ الهم وأين يكون، ففي المسافة الفاصلة بين التفكير في الشاطئ بوصفه مكانا بعيدا هناك وبين إدراك طبيعته بكونه ليس بعيدا مطلقا، وإنما هو داخل الذات التي تبدأ في الحركة بين صوتين:

  • صوت الشاعر بوصفه المتحدث الرسمي للنص.
  • صوت المروي عنه بضمير الغائب الذي يعتمده الشاعر للحوار مع الكون.

والشاعر يؤكد هذا الطرح عبر الأصوات المتحاورة في سياق النص:

ثم نادى على البحر ……

تناداه من خلفه عابرون

فهب إلى القوم رُبد اللحى:

أفيكم أويس؟

ويستمر الحوار بين مجموعة الأصوات المتحاورة معتمدا على علامات لغوية وطباعية ترسخ الحوار وتقدمه نحو ما يستهدفه من توصيل: أفعال الحوار – علامات القول – علامات الحوار الصامت (يومئ للظل كالمستفز – ينظر في سُفعة الشمس – يرى الشمس غارقة في الأفول – يسأل موجاته المتعبات) وغيرها من الأفعال الدالة على ذلك الحوار الذي تقيمه الذات مع الموجودات من حولها طرحا لرؤيتها واستكشافا للعالم، ذلك الاستكشاف الذي لا يتحقق إلا بالحوار مع الأشياء، عبر ثلاثة أنواع  من الحركة تتراتب على بعضها متدرجة من داخل النص إلى خارجه:

  • حركة الذات بين الأشياء، وهي حركة بين الصور، حركة قريبة المدى، بعيدة التأثير حيث تأثيرها على التلقي واضح ومؤثر في الحركة الثالثة.
  • حركة الذات شبه المادية عبر المكان، حين تتنقل بين البحر واليابسة عبر العلامة اللغوية: “وعاد إلى البحر” تلك الجملة غير المسبوقة بما يشير إلى مغادرة البحر بالأساس، والجملة في تكرارها في صور متعددة تطرح تنوعا دالا يمنطق الحركة عبر الفضاء المكاني:

عاد إلى البحر – فقام إلى البحر – يقوم يستدبر البحر – أم يعود إلى البحر؟ – يعود إلى البحر – ثم يدنو إلى البحر” وجميعها تحيل على البحر (المعرف بأل العهدية في دلالتها على بحر ليس من الضرورة أن يتطابق مع البحر المدرك ذهنيا لدى المتلقي)، حيث تتعدد دلالات البحر وصوره الذهنية بين ما يبثه الشاعر وما يقع في ذهن المتلقي، وتكرار المفردة يجعل من تكرارها تساؤلا وجوديا عما يعنيه النص، ولأنه ليس مطلوبا أن تتوافق الصورة الذهنية للنص فإن المسافة بين التصورين تمثل في حد ذاتها حركة تمثل الصورة بؤرة لها، والشاعر لا يطالب متلقيه بالتركيز على تصور بعينه مفسحا المجال للتصورات المختلفة أن تحقق وجودها فكلما تعددت القراءات فكلها داخلة في قصد الشاعر على حد تعبير (وليم راي)، فقط وفي صورة واحدة يضعنا الشاعر أمام احتمال واحد يمثل ركيزة لصورة قد تبدو مقربة بين البحر بوصفه عنصرا دالا بربطه بعنصر آخر عبر العلامة اللغوية المتكررة والتي تكاد تكون حصرية للبحر (يعود) فحين يستخدمها مع اللفظ الوحيد غير المتكرر في النص (الظل) في قوله: “يعود إلى ظله” فإنه يفتح بابا لتأويل مغاير عبر العلاقة المؤسسة على الحوار بين البحر والظل، مع الوضع في الاعتبار أن هذا المعنى لا يستقيم تماما إذا ما أحلنا الضمير في (ظله) إلى أقرب العناصر المحتمل عودته إليها وارتباطها به، إنما يستقيم مع عود الضمير للذات، عبر شبكة العلاقات الرابطة بين العناصر المتعددة في النص، الأساسية منها خاصة (البحر – الذات) .

  • حركة ذهنية تنتجها القصيدة في ذهن متلقيها، عبر الانتقال بين العناصر ومتابعة الحوارات المختلفة، والصور المتنوعة، ومعاينة حركة الذات في الوجود.

لقد حققت القصيدة وجودها عبر الحوار وأنتجت دلالتها عبر تفاصيله، وأنجزت مشروعها الدلالي عبر قدرتها على تشكيل الحوار وصولا إلى مستهدفات النص إلى تحريك المتلقي لإقامة حواره مع العالم عبر الحوار مع نص دال، مكتنز بما يجعله دالا على صاحبه، وكاشفا عن شعريته.

 

* أستاذ البلاغة والنقد، كلية الآداب، جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *