50
0
82
0
87
0
77
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13098
0
12811
1
12109
0
11878
5
9385
0

حرص العرب قبل الإسلام على تنشئة أبنائهم على الأخلاق الحميدة والأعراف التي ارتضوها في حياتهم، كما حرصوا على توريثها لأبنائهم، مثلما ورثوها من أسلافهم، كما نلحظ في وصية عبد قيس بن خُفاف البُرجميّ لابنه (جُبَيْل). وهذا الشاعر جاهلي لم يدرك الإسلام، ولذا فإن ما في أبياته من نصائح دينية قد تعود لكونه من الأحناف.
وقصيدته التي بين أيدينا – وهي القصيدة رقم 116 في مفضليات الضبي – تتألف من ثمانية عشر بيتًا كلها نصائح ثمينة. وقد أثنى محققًا المفضليات – أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون – على هذه القصيدة فقالا: “هي من الأدب الرفيع والخلق السامي، فهي من أولها إلى غايتها سياسة رسمها الشاعر لابنه (جبيل) اقتبسها من خُلق العربي، ومن تجاربه هو وحنكته. فهي بذلك سجل للمثل الأخلاقي العالي عند العرب، ودليل على عناية هؤلاء القوم بتربية أبنائهم، وحرصهم على السمو بها”.
يبدأ القصيدة بإخبار ابنه بدافعه لتوجيه هذه النصائح له، وهو أنه يشعر بقرب رحيله عن الدنيا، وأنه رجل عرك الدنيا وعركته، وأصبح قمينا بأن يوجه النصح. فيقول:
أجُبيــلُ إن أبــاك كــارب يومــه فإذا دعيت إلى العظيم فأعجلِ
أوصيك إيصاءَ امرئ لك ناصحٍ طَبِــنٍ بريب الدهر غير مغفل
ويبدأ نصيحته بتقوى الله، وعدم الحلف كاذبًا، وإن فعل فليتحلل من ذلك.
اللــهَ فــاتــقِــهِ وأوفِ بــنـُــذره وإذا حلفــتَ ممــاريا فتَحَـــلَّل
ثم يوصيه بإكرام الضيف، وأن استضافته واجبة عليه، ويعلل ذلك بأن الضيف عندما يرحل سيخبر من يلقى من أهلٍ وعشيرة بما فعل به مضيفوه:
والضـيـفَ أكْـرِمْـــهُ فـإنّ مبيتَـهُ حـقٌّ، ولا تـكُ لــعـنَـةً للـنــزّلِ
واعْلــمْ بأنّ الضيفَ مُخْبرُ أهلِـهِ بمبيـتِ ليلتـه وإنْ لــم يُـسْـــأَلِ
وانتقل بعد ذلك إلى معاملة الصديق، فطلب من ابنه عدم إسماعه فاحش القول، كما طلب منه الحرص على إبقاء علاقته بمن يصله، وفي الوقت نفسه حذّره من التعامل مع الخائنين.
ودع القوارص للصديق وغيرهِ كي لا يروك من اللئام العزَّل
وصلِ المُوَاصِل ما صَفَا لك ودهُ واحذر حبال الخائــن المتبدل
وقد علم شاعرنا أن المرء معرض للنزول بمحل لا يليق به، فكيف يتصرف لو وقع له مثل هذا الأمر؟ يقول لابنه إنه إذا وجد نفسه يومًا قد أخطأ المكان الصحيح، فما عليه سوى التحول عنه سريعًا، إذ لا يليق به البقاء بدار الهوان:
واترك مَحَلَّ السوء لا تَحْلُلْ بهِ وإِذا نَبَــا بِكَ مَنــزِل فَتَحــوَّل
دارُ الهَوَانِ لِمَنْ رَآها دَارَهُ أفراحل عنها كَمَنْ لم يَرْحَل؟!
ثم ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى ما يعتري الإنسان بطبعه من ميل لفعل الشر وحب لفعل الخير، فيطلب من ابنه ألا يستجيب لدواعي الشر، بل يكون سباقًا لفعل الخير، إلا إن بدرَ من العدو ما يسيئ، فعليه في هذه الحال معاملته بالمثل.
وإذا هممت بأمــر شَـرِّ فَاتَّئِدْ وإذا هممــت بأمر خيرٍ فافعل
وإذا أَتَنكَ من العَدُوِّ قَوَارِصٌ فَاقْرُص كذاكَ ولا تَقُل لم أَفْعَلِ
ولأن الإنسان معرض لأن يفتقر، فقد وجهه إلى كيفية التصرف في هذه الحال، وهي ألا يكون جزعًا هلوعًا، يبحث عما يسد خلله عند غير أهل الفضل، ويحثه على التجمّل والتصّبر حتى تنفرج كربته:
وإذا افْتَقَرْتَ فَلَا تَكُنْ مُتَخشُــعًا تَرْجُو الفَواضِل عند غير المُفضل
واسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَى وإِذا تُصِــبْكَ خَصَــاصَــةٌ فَتَجَمّــلِ
ثم طلب من ابنه أن يتحلى بالحلم في أموره كلها، وإن تصارع في فؤاده أمران واحتار بينهما فليختر أفضلهما.
واستأنِ حِلْمَكَ في أمورك كلها وإذا عَزَمْتَ على الهوى فتَوَكَّلِ
وإذا تشــاجر في فؤادِكَ مَــرَّةً أَمْــرَانِ فَاعْمِدُ للأَعَــفُ الأَجْمَل
ويختم قصيدته بحث ابنه على إكرام عابري السبيل والمضطرين والذين يمرون بضيق، (الباهشين إلى الندى)، أي المتطلعين إلى الإطعام والتكريم، ومواساتهم في محنتهم ومشاركتهم مصابهم:
وإذا لقيت الباهِشِينَ إلى النَّدَى غُبْــرًا أَكُفُهُمُ بِقــاعٍ مُمحِــلِ
فَأَعِنْهُمُ وَأْيسِرْ بِما يَسَــرُوا بِهِ وإِذا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكِ فَانْزِلِ.
* كاتب سعودي
التعليقات