وفي هذا المقال سوف نحاول قراءة أحد أعماله
قراءة اللوحة :
تبتني اللوحة من مشهد سريالي مترابط في عناصره المكونة من أرض وسماء وطريق وشجرة وذراع ويد بشرية وأصابع وغصون.
فقد مزج الفنان بين هذه العناصر لإظهار العمق والحجم والحركة والزمان والمكان والأرض والإنسان وربط الشكل بالمضمون مدركًا أن المظهر الخارجي للأشياء، لا يمثل الحقيقة، فأغلب أشكال الحقيقة يكّمن بالجانب الضمني من النفس الإنسانية، أي جانب اللاشعور، و في الواقع الكامن الذي يكمن وراء الواقع الظاهر، وإن الحقيقة العامة الشاملة هي التي ينطوي تحتها كل مجاز، وكل حلم، وكل ما هو مكبوت واقعياً.
التعيينات :
ومن التعيينات التي أكد عليها الفنان في لوحته السريالية الشجرة والذراع، فقد اختزلهما في أيقونة واحدة، موازيًا بين الحداثة والموروث وبين احتدام المؤثرات والرموز ليحقق بأدواته وتقنياته وأسلوبه تجريداً شاعرياً يطابق أفكاره ورؤاه، وأحلامه، المكتظة بالدلالات المتنوعة للمضمون ؛ التي تشكلت وتداخلت واندمجت في العقل الباطن وفي اللاوعي وأشتغل عليها الفكر حتى تجسدت بإشراقات واعية في قالب جمالي مميز، يتسق فلسفياً مع مفردات الحياة ومضمونها ووفق وفق آلية نفسية تلقائية نابعة من أعماق الفنان ونظرته للحياة والطبيعة والارتقاء بالأشكال الطبيعية إلى ما فوق الواقع المرئي مستخدما الأشياء الواقعية كرموز للتعبير عن أحلامه بتمثيلات سريالية.
وقد عرف الشاعر “اندريه بريتون” السريالية في إحدى كتاباته بقوله:
“دعونا لا نغفل عن حقيقة أن فكرة السريالية تهدف ببساطة إلى الاسترداد الكامل لقوتنا النفسية من خلال وسيلة ليست سوى الانحدار المذهل إلى أنفسنا، والإضاءة المنهجية للأماكن الخفية، والظلام التدريجي من أماكن أخرى”.
الشجرة والذراع :
ربط الفنان بين الشجرة الذي استلهمها من بيئته وذراع الإنسان كإشارة إلى عمق المضمون ودلالاته الفلسفية.
إذ إن العلاقة بين الإنسان والشجر من أقدم العلاقات التي جمعت بين الإنسان وأي كائن حيّ. ولهذا شكّلت الشجرة رمزية في كثير من الثقافات، كرمز للبقاء والصمود والتحدي، والتشبث بالأرض والوطن، فهي تمتد بجذورها في أعماق الأرض وتصمد ضد أي تيارات تحاول أن تجتثها من مكانها وهذه الصفات تتشابه في دلالاتها وتناظراتها مع الطبيعة البشرية والإنسانية.
فقد استطاع الفنان أن يخلق تناظر ضمني وتناظر شكلي، وتناظر رأسي بين الشجرة والذراع، وتناظر أفقي بين طاولة الشطرنج والطريق.
الزمان والمكان في اللوحة :
الزمان: تمثل الزمان في اللوحة في الشجرة، وكما نعلم أن الأشجار تنمو وتكبر أمام نظر الإنسان، ومنها ما يكون كبيرًا ولكن متساقط الأورق مثل التي في اللوحة.
وقد أشار الفنان إلى الزمان من خلال تشكل حياة الشجرة المرحلية، حيث تمثل في حياتها خط زمنياً يعبر عن الولادة والحياة والموت والبعث ويكون مثلاً للخلود عندما يُعمّر ويتخشب، ولعل هذا المعنى يذكرنا بقول الشاعر البردوني:
“تخشّبتُ والأيام مثلي تخشَّبَت
أتمضين يا أيام؟ من أين؟ حاولي
من الآن حاول أنتَ .. كيف تريدني؟
سكت لماذا؟ هزّني من مفاصلي
أأروي حكاياتي؟ جفوني محابرٌ
لأقلام غيري، حبر غيري أناملي”
وهذا التناص يلتقي فيه الشاعر مع الفنان في نفس الموضوع ولكن كلاً بأسلوبه وأدواته الخاصة.
المكان: ارتباط الشجر بالأرض دلالة مكانية، إنه ارتباط بالوطن الأم حيث تدل الشجرة على المكان بقامتها المنتصبة، كما تشكل أيضاً رمز للكرامة والاستقامة.
الشطرنج :
وضع الفنان لعبة الشطرنج في اللوحة في بداية الطريق الممتدة إلى نهاية الأفق لما لها من رمزية مركبة متعددة الخيوط والدلالات التعبيرية.
حيث أن لعبة الشطرنج فيها خطوط تقاطع كثيرة تتشابه مع لعبة الحياة التي نعيشها ؛ فهناك معسكر الخير والشر ولكل شخص دور معين، وخطوات محسوبة، وأن هناك مسارات وطرق نسير عليها ولكن هناك معسكر ينتصر في النهاية.
قد يكون أبيض وقد يكون أسود، فعليك أن تحسب حساب كل خطوة تخطوها في حياتك وأن تعرف ردة فعل الآخر.
بالإضافة إلى كل ما سبق فإن الشعراء قد تناولوا الشطرنج من جانب آخر، وهو جانب رمزياتها ودلالاتها، فهي ترمز لتقلب الأحوال في الدنيا، وتقلبات الدهر الغريبة، التي تتقلب كالحرباء، وفي ذلك يقول ابن اللبانة :
والدهر في صبغة الحِرباء منغمس ألوان حالاته فيــها استحــالات
ونحن مـن لعب الشطرنج في يده وربمــا قُمــرت بالبيدق الشاة
انفض يديــك من الدنيا وساكنها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
و يقارن المتنبي بين معارك الشطرنج، ومعارك الواقع، ويرى أنْ لو كانت حروب الدنيا كحروب الشطرنج “لباقينا ” مع الدهر كالجبال …. ولكن هيهات
حيث يقول:
أرى الشطرنج لو كانت رجالا
تهـزُّ صفائحاً وقناً طِوالا
ولكني أرى خـشـباً ضعيفاً
إذا شهد الوغى لم يَدع آلا.
وفي الأخير اللوحة أبوابها مفتوحة للقراءة والتأويلات المختلفة وتحمل قيمتها في ذاتها.
كونها تحمل رموزًا مركبة متعددة الخيوط وذات معاني عميقة فهي بحد ذاتها لغة بصرية رمزية انزياحيه يمكن تفسيرها حسب ثقافة المتلقي ومعرفته التشكيلية والفنية.