مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمود أحمد علي* مهداة إلى: الشاعر/ هاشم الرفاعي صاحب (الديوان الممنوع) مسرعًا دخ …

أمن القصة

منذ 3 سنوات

525

0

محمود أحمد علي*

مهداة إلى:

الشاعر/ هاشم الرفاعي صاحب (الديوان الممنوع)

مسرعًا دخلت قصر الثقافة، لحضور ندوة الإثنين ..

في مدخل القصر رن هاتفي .. غضبت بشدة ..

فأنا لا أريد أحد أن يؤخرني عن حضور الندوة أكثر من هذا، وما أن أخرجت الهاتف، ورحت أنظر من المتصل، حتى قررتُ عدم الرد؛ بسبب أن المتصل سوف (يرغي) كثيرًا كما تعودتُ منه، وقبل أن أضع التليفون داخل جيبي، إذا بي يخترق أذني بشدة هذا الحوار الذي دار بين الشرطي الذي يرتدي ملابس ملكي، وبين عم (أحمد) مسئول أمن القصر:

– خير يا باشا ..

– خير طبعًا .. فيه شكوى وصلت إلينا تقول أن هناك شخص في نادي الأدب يكتب قصة قصيرة، ودائمًا يتكلم على النظام، فأتيتُ هنا حتى أراه وأسمعه، وحتى أتحقق من الشكوى ..

يا باشا.. هؤلاء مجموعة شباب يأتون كل يوم أثنين، (وبينفَسوا) عّن أنفسهم بكلام ..

نحنُ لا نمنع أحد من أن (ينفس) عن نفسه،  ولكن الذي يريد أن (ينفس) يبعد على النظام ..

انتابني خوفُ شديد .. بعدما عرفت أنني المقصود من هذه الشكوى .. نعم أنا دون غيري من الأدباء ..

لماذا تتوقف .. ألم تصعد لحضور الندوة ..؟!

قالها لي عم (أحمد) فرد أمن القصر.. فلا أدري هل عم (أحمد) يريد أن يورطني ..؟! أم أنه يريد أن يحذرني ..

فما كان مني أن رحت أقول: طبعًا .. طبعًا يا عم أحمد ..

قلتها وأنا أنظر إلى الشرطي الذي راح يحدق في وجهي بشدة .. أسرعتُ بالصعود إلي حجرة نادي الأدب ..

من خلفي دخل الشرطي الذي جلس في الصف الأول، وما أن رآه صديقي مقدمة الأمسية حتى رماه بابتسامة طويلة، عرفتُ مغزاها سريعًا ..

الآن .. الآن عرفتُ من كتب في هذه الشكوى ..

جلستُ أتصبب عرقًا وخوفًا ..

رحت أحدث نفسي في صمت شديد ..

ماذا أفعل ..؟!

قلتها في حيرة من أمري، وأنا أتحسس الورقة المطوية داخل جيب قميصي، هذه الورقة التي كتبتُ فيها قصتي الجديدة، التي جئتُ خصيصًا كي ألقيها على زملائي، الذين يعجبون أشد الإعجاب بقصصي ..

يا سوادي .. (أيها الحاكم أطمئن إنها مجرد أحلام) وجدتني أهمس لنفسي بعنوان قصتي الجديدة ..  

هذا العنوان قادر وحده على حبسي ..

فما كان منى أن رحتُ أطلب كوب ماء من صديقنا الذي يتبرع في كل أمسية بعمل الشاي والينسون لكل الزملاء، حتى يأتي دوره ويلقى قصيدته التي دومًا يصفقون لها، ردًا على ما يقدمه لهم من شاي وينسون ..

بيد مرتعشة .. أمسكت كوب الماء ..

في تلصص شديد، وخوفًا أشد رحتُ أنظر عن يمين تارة، وتارة ثانية عن شمالي، وفي لمح البصر رميتُ بقصتي داخل فمي المفتوح عن أخره بعد أن كورتها، ومن خلفها رحت أسهل علي بلعها ببعض الماء ..

عجبًا .. قصتي ترفض بشدة أن تُبتلع ..

فما كان منى أنني رحت أمضغ كلمات قصتي ..

سريعًا .. سريعًا .. ذابت الكلمات .. كل الكلمات، وما تبقى داخل الكوب من ماء (دلقته) داخل فمي، فنزلت كلمات القصة باكية حزينة داخل معدتي ..  

حمدتُ الله أن جريمتي لم يعد لها أية وجود ..

ماذا ستلقي على زملائك ..؟! وأنت في كل مرة تسمعهم قصة من قصصك الثائرة ..

هكذا وجدتُ شيطاني يحدثني في خبث شديد منه ..

بعد وقت قصير ..

قصير جدًا رحتُ أرد عليه:

أنا اليوم مستمعًا .. مستمعًا فقط ..

ضحك شيطاني .. ثم أردف يقول:

– أنت بهذا تؤكد للشرطي أنك المقصود ..

وجدتني أضغطُ بشدة على أسناني التي أصدرت أصوات سمعها جيدًا من يجلس عن يميني وعن شمالي ..

الآن .. الآن جاء دور القصة .. مع عاشق القصة القصيرة، الملقب بصائد الجوائز ليتحفنا برائعة من روائعه القصصية .. قالها في خبث شديد صديقي مقدم الأمسية الذي كنتُ أظن كل الظن أنه صديقًا وفيًا ..

نظرتُ إلى الشرطي، فوجدته متحفظًا، يحدق في وجهي بشدة .. جذبني شيطاني وأعانني على الوقوف، وهو يضحك ساخرًا .. الكلمات تأبى الخروج ..

لساني ظل يتحرك داخل فمي في خوف شديد ..

ما هذا..؟! هناك شيئًا يتحرك داخل فمي، ربما تكون كلمة أو جملة من قصتي متبقية داخل فمي ..

حاولت بلعها ولكنني لم أستطع .. فما كان منى أنني مددتُ أصابعي داخل فمي كي أخرجها، فإذ بها قطعة كبيرة من ضرسي، قد تساقطت أثناء فرمي للقصة ..

وجدتني أنظرُ تارة إلى من كان وفيًا ..

وتارة ثانية أنظر في خوف وقلق شديدين إلى الشرطي الذي يود سماعي، وتارة ثالثة أنظرُ إلى قطعة الضرس التي في يدي، وتارة رابعة أنظر إلى سقف حجرة نادي الأدب، وأنا أهمس في رجاء وتمنٍ .. يارب ..

مبتسمًا رحت أقول:

قصة قصيرة .. بعنوان خلع الضرس ..

الحمدُ لله الذي قدرني ربي على خلع جزء متبقي من بقية ضرس مسوس .. أدعو الله تعالى أن يقدرني واخلعه نهائيًا من الكرسي ..

هنا توقفت .. بادرني مقدم الأمسية بصوت مسموع، وبلهجة غاضبة وأمره، وهو ينظر إلى الشرطي:

– جميل جدًا، ولكن من هو الذي تقصده وتتمني أنك تخلعه نهائيًا من الكرسي ..؟!

قالها فى خبث شديد، وحرفية أشد .. وجدتني أوزع ابتساماتي بينه وبين الشرطي، ورحت أقول في ثقة ودون خوف:

أقصد .. المسمار .. المسمار الموجود في منتصف الكرسي الذي يؤرق جلوسي ..

(صفق الحضور بشدة).

*كاتب من مصر

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود