مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

وفاء الرعودي* يتابع الأخبار.. يتابع عيون عائلته.. يحاول أن يقرأ نظراتها.. يلوذ ب …

ثمر السنين

منذ 12 شهر

167

0

وفاء الرعودي*

يتابع الأخبار.. يتابع عيون عائلته.. يحاول أن يقرأ نظراتها.. يلوذ بصورة زوجته على الجدار تبتسم له في الغياب .. وقف مرارا أمام هذه الصّورة قبلا وبكى .. بادلها أحيانا نفس الابتسام ثم سرعان ما بكى .. ساءلها مرارا زوجته هل توجد هناك في عالم الغياب مشاعر ألم؟ ..

مشاعر حنين؟ .. هل تنزف الرّوح مثلما هنا من الفقد؟ .. لم تعد هذه الصورة تكدّر لحظاته .. لم يعد يعتذر من زوجته إن صدرت عنه ضحكات من القلب وهي غائبة عن محفل الفرح لم يعد يشعر بالذنب لأنّه يستطيع أحيانا أن يستمرّ في الحياة دونها صديقة روحه وتوأمها … لم يعد يشعر بأن شطرا كبيرا من كيانه راح معها .. ينظر الآن للصّورة .. طوبى لزوجته موتها الكريم .. رحلت عزيزة .. ودّعها أحبّاؤها حتى مثواها بما يليق من تراتيب، حتى آخر لحظاتها ظلّت ترى المحبّة في عيون عائلتها.. كان يأسى على موتها ذات نوبة قلب، اليوم يبارك غيابها قبل أن تعيش ما يعيشه .. مطمئن أنّها ماتت قبل حلول نوع فظيع من الموت .. كيس أسود يوارى فيه الجسد المنبوذ ثمّ حفرة سحيقة تبلعه .. وحتى ذاك المآل يؤخذ إليه وحيدا إلا من أشخاص لا يعرفهم .. يمسكون جثّته بالحبال وقد حملتها إليهم جرّافة صدئة … ما أبشع هذا الرّحيل ..

المسنّون أكثر عرضة لالتقاط فيروس كورونا .. المسنون لا أمل من شفائهم إن أصابهم فيروس كورونا … اعزلوا كبار السنّ .. ودّعوا كباركم ..}اللّعنة لك أيّتها الأخبار الشمطاء! ينكمش بمقعده أكثر .. يرقب خلسة نظرات ابنه .. يحاول أن يفهم منها شيئا .. يحوّل عينيه إلى زوجة ابنه اليافعة تحضن ابنها وتتابع الأخبار ماذا يجول في ذهنها الآن

لطالما نادته أبي .. لطالما اعتبرته تعويضا من الله عن فقد والدها .. لطالما اعتبرها ابنته الغالية التي رزقها على كبر ماذا سيتغيّر الآن؟ .. ماذا سيحلّ بالقلوب ؟.. ينظر إلى حفيده الصّغير الرّائع لا يفهم شيئا ممّا يدور حوله .. يعود إلى نظرات ابنه .. صامت لا يتكلّم .. متجهّم الوجه لا يرفع عينيه عن التلفاز.. الأخبار ما زالت تبثّ الرّعب، بلدان تجمع المسنّين في مكان واحد وتذرهم لحجر جحيميّ .. رئيس يقول بكلّ قسوة ووقاحة {ودّعوا كباركم!..} أيّ هول يسمعه.!. من كانوا مصدر الحبّ والبركة صاروا خطرا!

من كانوا جذور الحياة صاروا تهديدا لها! … تعالي وانظري يا زوجتي الحبيبة زمانا صار فيه كبار السنّ أعشابا طفيليّة يمكن التخلّص منها لأجل حماية أشجار الشباب اليانعة .. أو ظلّي بعيدا عن هذه اللّعنة مكرّمة في موتك الوقور، الحمد للّه أنّك عشت عزيزة ومتّ عزيزة.. الحمدلله أنّك لن تعيشي عذاب المشاعر الّذي أعيشه بين عائلتنا.. لن يقضّ نومك الخوف من مصير مأساويّ .. لن تخافي أن تنظري في عيني ابنك، يطالعك الرّعب .. لن تفتحي أيّ وسيلة إعلام وتجدي خبر مسنّين تركوا لموتهم البطيء وقد طبّق عليهم قانون الحرب، أذعنوا له كالخرفان مسالمين.

{الكبار عاشوا حياتهم ليتركوا الشباب يعيش أيضا…} لن تجدي خبر امرأة أخرجت والدها من المنزل وأوصدت عليه الباب خشية منه على أبنائها ولم تثنها عن قسوتها نداءاته المسترحمة الملتاعة .. لن تسمعي أشخاصا يباركون منطق البقاء للأقوى .. ظلّي آمنة في غيابك، صرت أطمئنّ لابتسامتك في الصّورة .. صرت أطمئنّ بها عليك، يشعر بحرارة على وجنتيه، إنّها دموع قلبه، لم يعد يبصر الصّورة جيّدا، اغرورقت عيناه أكثر، لم يعد منتبها لجلسته المنكمشة كأنّها تلوذ بركن الأريكة بطريقة جنينيّة، يعتدل سريعا ويكفكف دمعه، لم يلتفت إليه أحد ما زالت الأخبار تؤلّب عائلته عليه، يلتفت لابنه ما زال مشدوها للتلفاز مقطبا، التفت لزوجة ابنه تشدّ ابنها إلى حضنها أكثر وتحوّطه بذراعيها كأنّها تحميه ممّا تسمعه، مسك عصاه قرّبها إليه ليستطيع الوقوف، شحذ قوّته وانتصب واقفا، أخذ طريقه إلى غرفته، لم يلتفت إليه أحد حتّى حفيده الصّغير الّذي كان يناديه بشغف كلّما رآه، لا يلتفت الطفل إليه .. ها هوّ يتابع بنظراته التلفاز كأنه يفهم ما يشاهده، حتى وقع العصا على أرض الغرفة لم يثر انتباه أحد سيرحل! سيذهب بعيدا، لقد وصلت الرّسالة.!

أمهلوني فقط ما تبقّى من سويعات اللّيل، كان يقصد غرفته ميّتا يطلب قبره، انتهى كلّ شيء، فلذة الكبد أصبح ربّ عائلة يخشى عليها الخطر وأنا خطر! .. لا تخف يا بني من وهبك صحّته وشبابه وعمره لن يهبك في الأخير الخطر من ترعرعت في رحمته وسقاك من حبّه واعتبرك كلّ دنيته لن يسمح بخاطر مخيف يعبر ذهنك، سأبتعد، التفت إليهم ليتأكّد للمرّة الأخيرة بأنّ الزّمن لم يعد ذات الزّمن .. ما زالوا ساهمين، رفع رأسه إلى صورة زوجته كأنّ ابتسامتها تنقبض سأفعل !

لا تخشي شيئا، سأرحل، الأمانة التي استودعتني إيّاها لأمنحها الحبّ الّذي كنت تمنحينه لم تعد تحتاج مني شيئا، صرت من يهدّد أمانتك، سأرحل، أكمل طريقه نحو غرفته ولم يكد يقربها حتّى سمع حفيده يصرخ باكيا .. جدّي إلى أين؟ .. تفكّه الأم من قبضتها ليركض إليه، تتبعه هي بدورها وتسال بمودّتها المعهودة: {أبي إلى أين؟ .. لم أنتبه لوقوفك من جانبنا .. أعتذر! .. سريعا سأجهّز العشاء لقد ألهتنا هذه الأخبار .. لطف الله بنا}

صوت ابنه أخيرا يصل إليه: {.أبت إلى أين؟..} .. تنتبه الآن بنيّ أني أغيب عنك؟!

*كاتبة من تونس

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود