أدب التواصل بين خفوت النقد ولُجة التطبيل

 

إعداد حصة البوحيمد :

من المؤكد أن مواقع التواصل الاجتماعي وما أحدثته من  ثورة في عالم الكتابة الأدبية وفي التلقي لها في آن واحد، تثير شهوة الكثير من الكُتاب والمبدعين للنشر باعتبارها منصة إبداع وظهور وإندماج حضاري  وتلاقح ثقافي بتعدد المنابر واتساع مساحة النشر وسهولة تواصل الأدباء والكتاب على اختلاف مواقعهم ومجتمعاتهم وتوجهاتهم ومناهلهم بل إنها  أعادت البعض منهم من غياهب الصمت إلى ألق الإبداع من جديد ورسمت طريق البداية لأقلام ناشئة وجدت في ساحة تلك الوسائل الضوء الأخضر للانطلاق، ورغم هذه الإيجابيات إلا أن هناك خُفوت ملحوظ لصوت الناقد الأدبي في الساحات  الإبداعية، وتراجع للنقد الهادف المستند إلى منهجية صلبة، يقوّم الأعمال الأدبية، ويساهم في إظهار قصورها أو جماليتها وعناصرها الإبداعية

فغالبية الانتقادات الموجهة لنصوص الأدباء، تتسم بالإطراء والمديح والتطبيل”، وقلما نعثرعلى نقد موضوعي سليم يظهر الهفوات والثغرات  بهدف التوجيه و الارتقاء، فالحاجة ماسة إلى ثقافة نقدية في عالم التواصل الاجتماعي تقي أدبنا من الترهل ولغتنا من التدهور. 

وبين الواقع والمأمول في ساحات (السوشيال ميديا) تحاور فرقد الإبداعية بعضاً من الأدباء والنقاد من خلال طرح المحاور التالية :

مواقع التواصل الاجتماعي مزدحمة بالمبدعين في فنون أدبية مختلفة، وجلهم يشتكون غياب الناقد الحقيقي أو صمته:

ـ كيف ترى الحضور النقدي في ساحات التفاعل الاجتماعي؟ وما أثر ذلك على الخريطة الإبداعية؟

نصوص مجندلة في العراء بلا معالجات نقدية

يعلق القاص والروائي والمستشار / محمد ربيع الغامدي على نسبة الحضور النقدي في ساحات التواصل بقوله :

 يسجل النقد غياباً واضحا على صفحات الشبكة العنكبوتية، وهناك جزء كبير مما نعتبره نقداً يميل نحو الجانب الانطباعي أو يعتمر عمامة المراجع اللغوي والمدقق الإملائي غالباً.
المبدع حين ينشر على الانترنت ينشر متطوعاً، ويقدم نصه هدية تلقائية للقارئ والناقد، يأخذ فرصته في التعبير، ويعطي للقارئ فرصته في القراءة، وللناقد فرصته في النقد وتطوير آفاقه النقدية باعتبار الكتابة حصاناً يجر عربة المخيال النقدي.
زوروا موقع القصة العربية (على سبيل المثال) وتأملوا ذلك المحيط الهادر من النصوص القصصية ، ومع ذلك فهي نصوص مجندلة في العراء من غير معالجات نقدية مما حول الكتاب أنفسهم إلى نقاد يتبادلون المديح وقليل من نقد انطباعي نضيد.
لدينا مبدعون كثيرون، في شتى محاضن الابداع، لكن نسبة من ذلك يبدو تحليقاً خارج السرب، أو مساحات خارج التغطية، بينما هي في حقيقتها تباري النجاح وتقاربه عدا عن كونها رصيداً هائلاً للحراك النقدي كان يمكنه أن يسك وأن يسبك منها أطناناً من المسبوكات غالية الثمن.

طغيان أنصاف الأقلام النقدية الانطباعية

ويبرر  الكاتب والروائي / عبدالقادر سفر الغامدي

أسباب هيمنة  الغث  وغياب النقد المنهجي بقوله  :

لاشك أن الثورة التقنية الهائلة في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي المختلفة قد ألقت بظلالها على كثير من مظاهر الحياة ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحركة الأدبية والنقدية المصاحبة لها
ومن خلال استخداماتي الفعلية لكثير منها أجد الآتي : 

– وجود العدد الكبير ممن يمارسون الكتابة الإبداعية على صفحات تلك المواقع كـ (تويتر والفيس أو نافذة الواتساب) التي تهيمن عليها فكرة (المجموعات الثقافية أو الأدبية والفنية أو العامة )
والتي وجد فيها الكاتب متنفساً يستطيع من خلاله أن يكتب ما يشاء بعد أن كانت هذه الفرصة غير متاحة عبر الصحف أو وسائل الإعلام التقليدية

– يتمايز الطرح في نوع ما يُكتب من الكُتّـاب على اختلاف مناهلهم
بين الجيد القليل والغث المنتشر، معتقداً كل كاتب أنه الأديب أو الشاعر والقاص الذي لم يجد الزمان بمثله

– إن السبب في ما قلته سابقاً هو غياب النقد الحقيقي لتلك الأقلام الناشئة التي تحتاج إلى توجيه حقيقي والأخذ بيدها بعيداً عن كلمات الثناء والمديح السائدة التي نراها من كل من يدّعي عملية النقد بينما يحتاج إلى من يقوم عليه

– حين نقول غياب النقد الحقيقي فنحن نعني غياب النقد القائم على منهجية واضحة الذي لا يرتكز على مدرسة نقدية واضحة أو ممارسة واعية الا ما ندر وهذا النادر أضحى وبات يجد ذاته غريبا عن الساحة لطغيان أنصاف الاقلام النقدية الانطباعية التي لا تجيد سوى رصف كلمات مكررة أو عبارات ثناء ممجوجة خاصة حين يكون القلم الذي يكتب قلما نسائياً

ما زال الوقت مُبكراً للحكم على تفاعل الناقد

ويدلي البروفيسور بابكر علي ديومة من السودان /

أستاذ النقد الأدبي المُعاصِر بجامعة الملك سعود برأيه حول غياب الناقد عن ساحة الإبداع بقوله :

  مثلما أثر انتشار ساحات التواصل الاجتماعي على عدة مناحي في الحياة اليومية، فقد امتدت تداعياته لتطال الإبداع الأدبي عموماً، وبالضرورة ما يُصاحِبه من نقد. يتخِذ النقد من العمل المُتكامِل مركزاً لاهتمامه، قارئاً بين سطوره، واضِعاً أمام ناظريه استجلاء ما قد يعوق فهم القارئ عن استيعاب مرامي الكاتب، ومعاونة هذا الأخير في تفادي ما قد يشوب إنتاجه من خلل، وتلك لعمري هي مهمته الرئيسية. أما اليوم فيجد من يود التعليق على عمل أدبي تنشره وسائل التواصل، يجد أمامه كماً متناثراً من أعمال أدبية مُجتزئة يصعب الوصول لنواتها المركزية. إذ من النادِر العثور على موقع يُقدِم للقراء رواية مُتكاملة، تُمكن الناقِد من الاطلاع عليها، والتثبت من مواضِع قوتها، وجوانب ضعفها.  

  للعمل الأدبي نواة مركزية كما سبقت الإشارة. تلك النواة هي ما يُمكِّن الناقد، أي ناقِد، من الولوج إلى مرامي الكاتب، والطرائق التي يتبناها للوصول إلى ما يصبو إليه من نتائج، ومعلوم أنه لا يتأتى بلوغ ذلك سوى بالاطلاع على مُجمل العمل موضوع النقد. بل قد يتطلب الأمر أحياناً الاطلاع على أعمال كاتب ما قاطِبة بغرض استجلاء غموض ورد في أحد أعماله. ذلك أن الكُتاب والمُبدعين غالِباً ما يسيرون في خط واحد، وتتملكهم فِكرة بعينها يودون التعبير عنها، ولو تنوعت أساليبهم من عمل لآخر. تلك الفكرة هي ما يُطلق عليها الأسطورة الذاتية، أو ما يشير إليها النقد الأدبي المُسترشد بالفكر الفرويدي بــ “الهوس الذاتي”، على اعتبار أن الإبداع الأدبي، كما الأحلام، ينبع من العقل الباطن للمُبدع الذي يُعبر عنها بصور ملتوية في محاولة لتحاشي تبعات ما قد يفرضه عليه المجتمع من رقابة. تلك نقطة أولى جوهرية، ألا وهي عدم حِرص الساحات على تقديم جُملة أعمال المُبدِع، حتى يتسنى للناقد الغوص في أعماقِها للوصول إلى الفكرة الجوهرية التي تتملك ذهن صاحِبها.

  للنقد مدارسه المُختلفة. من تلك المدارس ما يهتدي بالأطر الاجتماعية، سيما في الأدب الواقعي، ومنها ما يسترشِد بعلم النفس الإكلينيكي، وبعضها يعتمد على عِلم اللغة في دراسة المُفردات المُتكررة والصور المُلِحة في العمل الإبداعي وعلاقة ذلك برؤى ونفسية كاتبه، والأثر الذي يود تركه في نفسية من يقرأ له.  

    يجمع الإبداع المُلتزم بين جانبين: الاجتماعي والأدبي. ونعني بالإبداع المُلتزم ذلك الذي يتخذ من الواقع الحياتي المُعاش نقطة لانطلاقِه، لأن هنالك بعض الأعمال، سيما في مضمار الشعر، تنطلق من التهويمات، وتعتمد في الغالِب الأعم على المجاز وشطحات الخيال. ولعل ما يضع الناقد في حيرة اليوم لهو  التحام الجانبين، حتى أنه ليصعب التفريق بين ما هو أدبي، وما يندرج تحت إطار المُجتمعي في الكتابات التي تورِدها ساحات التواصل. إذ أوشكت المعايير التي تُعرِف الإبداع على الاندثار بفعل سيطرة الهموم الحياتية  أصبح الكُل كاتِباً، وتُسطر أقلام الجميع المظاهر، الإيجابي منها والسالب، التي تدور في ثنايا المجتمع. الرواية ذاتها ضعف أثرها، إن لم نقل إنها أضحت في طريقها للاضمحلال، إذ سحب القراء البساط من تحت أقدامها، بمعنى أنها، أي الرواية، اعتمدت فيما مضى على المادة المُستمدة من تصوير خفايا الواقع الاجتماعي، أما اليوم فكل مُشارك في ساحات التواصل يشير، وأحياناً مُستعيناً بالصوت والصورة، لتلك الخفايا. لم يبق اليوم أمام المُبدعين، في مُعتقدي، سوى نبش ما ينزوي في دهاليز ذاكراتهم، والتحدث عن تجاربهم الذاتية، فتجارب ومُعضلات المُجتمع أصبحت في متناول يد الجميع، ولا يحتاج القراء لرواية تشرح لهم أبعادها. لي صديق دأب على مُتابعة ما أكتب من أعمال روائية مُبدياً إعجابه بها. نصحني في آخر مرة ألتقيه بعدم إجهاد نفسي في الكتابة، لأننا نعيش اليوم “في رواية كبرى” حسب تعبيره. صدقته، فرواد ساحات التواصل الاجتماعي يعيشون روايات كبرى، كل في نطاق مُجتمعه!  

    ولعل المُتابع لما يُنشر في تلك الفضاءات، لا يعثر على ما يستدعي تدخل الناقد. إذ يُلاحظ المرء أن جل ما يُنشر لهو تأملات شخصية قصيرة، فلسفات ذاتية محدودة، إعجاب بقول أو فعل قام به الشخص ذاته، أو اقتبسه من أقوال وأفعال الآخرين. تلك تدخلات لا يملك الناقد إزاءها سوى الإعجاب، أو الاستهجان. وبالطبع فإن الإعجاب، أو الاستهجان لهما من أولى درجات النقد، بيد أنه نقد مبتور لا يوضِح دواعي الاستحسان، ولا يُبرِز أسباب النفور. ثم إن الساحات لا تُفرد المساحة الملائمة للناقد لإبداء رأيه، إذ تكتفي بلفظة (أعجبت)، والتي غالِباً ما تُخصص للرد من جانب صديق لمن يسطر إحدى تلك الخواطر الممعنة في الذاتية.   

 ولئن كان البعض يعيب على الناقد صمته، أو لنقل عدم اكتراثه بما تنشره الساحات، نقول لهؤلاء: إن النقد لم يكن مُحايداً في يوم من الأيام. إنه، شأنه شأن بقية النشاطات الاجتماعية، يعتمد على الصداقات والصِلات. فالذي يود ذيوع أعماله يلزمه السعي حتى تحفى قدماه ليستكتب ناقِداً ذائع الصيت. فجل الأعمال التي نالت الصيت وقفزت إلى مصاف العالمية مُتجاوزة حدود البقعة التي أنتجتها، لا تعود شهرتها دوماً لرقيها الإبداعي؛ وإنما لحظوتها بالكتابة عنها. إذ غالباً ما يكتب عنها ناقِد صديق، أو من المعارِف، أو من أولئك الذين يرتبط بهم المُبدِع في العمل أو الحياة الاجتماعية. هؤلاء، وبحكم قُربهم من كاتب العمل، يضفون على تقييم عمله ما يكنون لصاحبه من حب ومودة. فالناقِد، إذن، غير متوفر لملاحقة ما يُنشر في الفضاء الالكتروني، إذ يستلزم تدخله الاتصال المُباشِر، والعلاقات الشخصية اللصيقة.  

ثم إن جل نقاد اليوم لا يقرؤون. إنهم يستقون المعلومة من بعضهم البعض في إحدى تلك اللقاءات أو الحفلات الاجتماعية، ثم يشرعون في المدح دون الالمام بفحوى ما يمتدحون. لعل ذلك ما يُفسِر اهتمام الجميع بعمل واحد يتدافع الكل لتناوله، حتى كأنه لا يوجد سواه في الساحة الإبداعية!

 خِتاماً نقول إنه ما زال الوقت مُبكراً للحكم على ما سيصير عليه تفاعل الناقد مع ما يُنشر من إبداعات في تلك الفضاءات، نظراً لأنها حديثة النشأة لم تتضح معالمها، ولم تكتمل استراتيجياتها بعد. ولعلها ستستقطب مُستقبلاً النقاد إن هي وفرت لهم الظروف المُثلى لمزاولة مهنتهم، كأن تقوم مثلاً بتمليكهم مُجمل أعمال المبدع وليس شذرات منها. وأن تُفسح حيزاً أكبر لمداخلاتهم، وعدم حصر تقييمهم في أسطر معدودات لا تُلقي الضوء على الجوانب الرئيسة في العمل موضوع النقد. كما ينبغي عليها التنسيق فيما بينها حتى لا تظل جهود الناقد محصورة في ساحة واحدة وحيز ضيق لا تستفيد منه جمهرة القراء، كما لا يُساعد في ذيوع العمل الإبداعي نفسه. إذ ليس هنالك ما يحول دون تبادل تلك المواقِع ما يردها من أعمال نقدية تُساعِد في إثراء حركة الإبداع. كما ينبغي على الناقِد العمل، قدر الإمكان، على التخلص من نزعة المُحاباة، والخروج من دائرة المعارف والصداقات، ففي ذلك تضييق لمجال عمله، وظلم لأعمال جديرة بالإشادة، بيد أنها تلقي العزوف والتجاهل من لدنه. إذ أن موقفاً كهذا قد يؤثر على نفسية المُبدع، ويصرفه عن مواصلة المشوار. ذلك أن أي عمل يرى النور، ولا يجد من يستحسنه، أو حتى من يستهجنه، قد يصرف كاتبه مستقبلاً عن الشروع في عمل آخر. وفي ذلك خُسارة أيما خُسارة ليس على المُبدع فحسب؛ وإنما على القراء الذين يتوقون للمزيد ممن يتوسمون فيه الإبداع.

ما يُكتب اليوم أغلبه كطائر فقد جناحيه

ويضيف الروائي /  عبدالواحد محمد من مصر

الساحة الثقافية العربية من المحيط إلي الخليج أصبحت حقيقة تعاني من غياب النقد الموضوعي على منصات وسائل التواصل الاجتماعي الفيس بوك وغيره من الوسائط الرقمية نظراً لغياب المبدع الجاد وسهولة عملية النشر الالكتروني لكل من لا يملك أدني موهبة لذا انحصر دور النقد في بعض الأعمال الأدبية الهادفة لبعض الكتاب والمبدعين الذين يكتبون بوعي وصدق في إذكاء المعرفة التي تمنح العقل القدرة على التفكير لذا نجد ما يكتب اليوم أغلبه مثل طائر فقد أجنحته وتحول إلي جليس دائم في فراش من قش، لكن هذا لا يزعجنا لأنها مرحلة مؤقتة من مراحل انعدام الوزن التي يمر بها الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وتأثير ذلك على الخريطة الإبداعية هو إنتاج أعمال ثقافية لا تقرأ كما كانت في السابق يقيناً وهذا يدعونا إلى  قراءة المشهد الثقافي العربي برؤية مختلفة حتى نبث الأمل في جيل الشباب العولمي الذين يكتبون بلا هوية بل أرى أيضا لهم العذر فيما وصلنا إليه من تدني ثقافي عربي وعلينا وضع أسس من حرية التفكير تتفق مع طبيعة المنتج الثقافي في مؤسسات التعليم والثقافة العربية دون حواجز حتي نرى إبداع عربي يحرك العقل صوب ما هو إبداعي في منارات الحياة.

 المحتوى الفارغ يسيطر على مواقع التواصل

وتفيد الكاتبة و الروائية فاطمة آل تيسان بأن :

الحضور ضعيف جداً بل لا نغالي إذا قلنا أن النقد بمفهومه العميق مفقود في مرحلة تسيطر الفوضى والمحتوى الفارغ على مواقع التواصل الاجتماعي و تحظى بمتابعة شرائح متعددة في المجتمع وهي ترى أنه المتنفس الذي تجد فيه التسلية والفكاهة وتتعرف من خلاله على كل جديد
الأثر لا شك سيكون سلبي ويضعف الإبداع بشكل عام بل ويعزل شريحة كبيرة من المبدعين عن التفاعل مع المحيط حولهم أو مع مبدعين يشاركونهم نفس الاهتمامات ونلاحظ الآن ندرة بروز المبدعين في الأدب تحديداً بينما تعج الساحة بآخرين في مجالات مختلفة هي المكتسحة حالياً ولها جمهور ومتابعين بالملايين

الناقد أصبح صديق الكاتب وليس ضميره 

وعن مفهوم النقد الحديث تفيدنا الكاتبة والروائية رانيا محيو الخليلي من لبنان بقولها : 

  التطور التكنولوجي لم يقتصر على أساليب الحياة وحدها وإنما شمل مفاهيم فكرية وأدبية اعتقد البعض أنها ستكون بمنأى عن هذا التطور. الأديب سواء أكان شاعرًا أم روائيًا هو مرآة عصره يوثق حاضره ليعكسه تاريخًا لمستقبله. لكن للأسف بعض تلك المفاهيم تأثر بالمادة وغابت عنه القيمة الفكرية التوثيقية للحاضر، لن أتحدث عن جودة الأعمال الأدبية التي انحدرت وتوجهت نحو التقليد والاستخفاف بعقل القارئ، سأتحدث في هذه المقالة عن دور الناقد في محاولة استجماع هذه الرؤية المتناثرة وإعادة بناء هيكلتها لاستعادة بريق نهضة أدبية سابقة.

 النقد هو مهارة في فهم النص من خلال دراسة علمية مُعمقة له مُترافقة مع ذائقة أدبية قادرة على التمييز بين النص الجيد والنص الرديء ، بالإضافة إلى التخصص، النقد يتطلب موهبة في تذوق النص والتماس جماليته أم تبيان الخلل في جوانبه. لكن مع استبعاد الأثر الأدبي عن القضايا الأساسية الملحة الأخرى التي تشغل عالمنا، تراجعت جدية النصوص كما تراجعت المصداقية النقدية. الناقد أصبح صديق الكاتب في الوقت الذي يجب أن يكون فيه الناقد ضمير الكاتب. قلتُ «ضمير الكاتب» ولم أقل «جلاّد الكاتب» لأنه برأيي المتواضع دور الناقد يجب أن يكون إيجابيًا يساهم في تطوير النتاج الأدبي ولا يقوم بعملية إقصاء قاسية تعيق الكتابة الإبداعية إن وُجدت. لكن ما حصل اليوم أنه بهذه «المُصادقة» أو «الألفة» بين الكاتب والناقد لم يعد هناك محاسبة للنفس ومراجعة للنص من قِبل الكاتب، فالنقد تحوّل إلى نوع من تجميل إن لم نقل ترقيع، وقد يقوم أحيانًا بدور انتقامي شرس في حال وجود خلاف شخصي بين الناقد والكاتب. وهنا أتى دور الناشر لتعميق الهوّة، فهو لا يكترث لجودة ما ينشره بقدر اكتراثه لقدرة الكاتب على دفع ثمن الطباعة والنشر والتوزيع، فأصبح الكاتب ملكًا يخدمه الناشر ويؤمن له الناقد الرفاهية المرجوة، بينما القارئ لا يعرف إن كان يُصفّق أم ينتقد في أجواء ملأها الحبور والتصفيق والتهليل. إنها مشهدية حقيقية وغير مُبالغة نراها في أعداد المُتابعين على مواقع التواصل، وفي نشر اقتباسات خالية من المضمون الحقيقي لكنها تحمل توقيع من سوّق له الناشر ورفعه الناقد الصديق. ولو غرّد رأي خارج السرب لانهال المعجبون عليه بالإساءة، لأنه فقط غرّد خارج سرب ما سوّق له الناقد والناشر وصفق له المتابعون. من مدة تفاجأت من إدارة أحد معارض الكتب العربية التي تعرّف عن ضيوفها من خلال أعداد متابعيهم على مواقع التواصل، وهنا تساءلت: هل بإمكاننا تقييم الجودة الأدبية من خلال عدد المُتابعين؟!

 تخصصت في الأدب ومُدركة أن النص يخضع لمعايير علمية عديدة قبل وصفه إبداعًا أدبيًا تعلّمنا في صفوف الماستر أننا لنختار أديبًا نعمل على نصوصه لا ننظر إلى شعبيته وإنما إلى مقياس جودة نصه من حيث الفكرة والأسلوب الكتابي. وهنا أذكر جيدًا أنهم وضعوا لنا لائحة بأسماء الكتاب الذين لا تُقبل دراسات أكاديمية عن أعمالهم، وسأذكر منهم بابلو كويلو ودانيال ستيل رغم أنّ كتبهم تباع بالملايين وتُرجمت إلى لغات عديدة، لكن رواياتهم تُعتبر «ترفيهية» ولا قيمة «أدبية» تتيح مجالاً لدراسة أكاديمية مُعمّقة عنها. هناك أسماء عربية كبيرة خاضعة لخانة الترفيه هذه أيضًا لكني لن أذكرها لأني إن ذكرتها الجمهور العربي سينتفض بشدة ويسيء لهذه المقالة وهو يتهمني بالإساءة إلى كاتبه المُفضل، لأننا وصلنا إلى مرحلة نمجد فيها العدد على حساب تمجيد جودة العمل. الأمر الإيجابي أنّ النقاد الأكاديميين المتخصصين يدركون حقائق النصوص التي تقع بين أيديهم ولا يخفون حقيقتها أمام الطلاب تاركين الساحة لمن هم محسوبين على النقد الجماهيري العددي للعبث في ذائقة القراء.

 من مدة كنت أقرأ رواية «بيار وجان» للكاتب الفرنسي غي دو موباسان، الرواية كانت بنسخة قديمة اشتريتها من سنوات عديدة، كان في مقدمتها مقالة كتبها موباسان عام 1887 ينتقد فيها رأي النقاد على اعتبار أن رواية «بيار وجان» لا ترتقي إلى مستوى رواية، اعتبروها قصة طويلة أو رواية صغيرة أو ما أصبحنا نسميه اليوم «نوفيلا». بدأ المقالة بهذا المقطع الذي قمتُ بترجمته عن الفرنسية:

«لستُ بوارد الدفاع عن هذه الرواية الصغيرة، بل على العكس الأفكار التي سأُحاول طرحها تدخل في سياق النقد لجهة الدراسة النفسية التي تطرقتُ إليها في رواية «بيار وجان». سأُناقشُ مفهوم الرواية عمومًا. لستُ الروائي الوحيد الذي يتوجه إليه نفس النُقّاد بنفس الاتهامات. هم يقومون بذلك مع كل إصدار  روائي جديد».                    

  الرواية الغربية بلغت قمة نجاحها لوجود نقاد جديون لم يتقاعسوا عن القيام بمهمتهم التطويرية وحث الأدباء على الإبداع. موباسان، رغم إنكاره القيام بالدفاع عن روايته، لكنه فعليًا دافع عنها في مقالة يمكن اعتبارها مدماكًا يبرهن عن وثاقة العلاقة بين الروائي ونصه، وبين المجابهة المُثمرة بين الناقد والكاتب. موباسان شمل كل الروائيين الآخرين في مقالته هذه وكأنه يود شن حملة من قبل الروائيين في مواجهة النقاد. ورغم هذا الجو المشحون لا يسعنا القول إلا إنه واقع صحي. كان دور الناقد يدور حول تشريح النص قبل الاعتراف به «رواية»، لأن كلمة «رواية» لها مقياس وميزان وليست مجرد قصة نكتبها وننشرها. الكتابة بالعموم هي فعل إبداعي يتضمن مقاييس من ناحية الإلمام في الموضوع المطروح، بمعنى آخر هي ثقافة فكرية واجتماعية. كما أنّ الكتابة يجب أن تشمل معايير في أسلوب الكتابة، بمعنى ضرورة وجود موهبة وقدرة على التواصل مع القارئ والتأثير فيه. الناقد هو محامي الدفاع عن ذائقة القارئ الذي يوقظ حسّه النقدي ليلتفت للتفاصيل الأخرى التي يحتويها العمل الأدبي. عندما يكون النقد البنّاء حاضرًا يصبح الكاتب حريصًا على جدية جلوسه خلف منضدة الكتابة وهو موقن أنّ لديه مسؤولية تجاه القارئ سيُحاسبه عليها الناقد، الأدب هو ضمير الأمة في زمانها الماضي والحاضر والمستقبلي، لذا عندما يتراجع الدور الأدبي من كتابة ونقد، بكل تأكيد سيتراجع الدور الثقافي الريادي في المجتمعات.

في العقدين الأخيرين تراجعت نسبة القراءة لدى الشعوب العربية لاسيما تلك الشعوب التي تعاني حروبًا وأزمات هجرة ولجوء، وعدا عن ذلك التراجع القسري حدث نفور بين القارئ والأعمال الأدبية العربية لعدم جدية معظمها لا سيما في مجال الرواية، وحلت مكان الكتاب منصات التواصل الاجتماعي التي لا تخضع لأي معيار أدبي أو لغوي وأصبح معيار النص الجيد مختلف عن معيار المنشور الجيد، وتعززت السطحية الفكرية والثقافية لا سيما مع لجوء نجوم مواقع التواصل لطباعة خربشاتهم في كتب تباع ويسوق لها ولكاتبيها في المعارض ومنصات بيع الكتب. وتراجع تدريجياً دور الناقد لا سيما ذلك الملتزم بصفحات الكتب والذي لم يجذبه بريق منصات التواصل، واقتصر دوره على البقاء ضمن حيّز النصوص الأدبية التقليدية والأبحاث والدراسات الأكاديمية. وإن صودف منشور أو تغريدة متقنة وجدية لا يفهمها القارئ، وأحيانًا يُحملّها أبعد بكثير مما تحمله من مضامين أصلية وعميقة، ويأتي ذلك نتيجة ضحول الفكر نحو القدرة على استيعاب المعاني المترفة بقيمة أدبية.

 لا يسعني القول أن واقعنا الأدبي والثقافي في خطر لأنه لا تزال هناك ثلّة من القراء والكتاب والنقاد الذين  يتعاطون مع الكتابة على أنها عمل جدي ومهم، ويدركون أن تسميم العقول وتنويمها أخطر بكثير من تسميم الجسد وشلّه عن الحركة، لأنه طالما العقل يعمل فالجسد لن يفقد نشاطه مهما بلغ من مراحل إرهاق وعجز.

  أول درس تعلمته في الجامعة: «الوصول إلى الرأي العام يمر من خلال الإعلام ومن خلال الأدب»، لكن دور الإعلام اختفى وراء المظاهر الفنية التسويقية ولم يعد يكترث لأهمية تفعيل الدور الثقافي الريادي، فأصبح تركيز الجيل الصاعد على أن يصبح مشهورا، والفن هو أقصر وأسهل طريق لبلوغ ذلك، مما ساهم في تراجع جودة الفن أيضًا. أما الأدب فأصبح حكرًا على من يمتلك المال للنشر والتسويق، فدور النشر لم تعد تُخضِع الأعمال المُقترحة عليها على لجنة تقوم بتقييمها، الناشر وصل في بعض الأحيان لأن ينشر دون قراءة ما ينشره.

      وبقيت الكلمة الصادقة تصارع لتصل إلى القلوب والعقول وتخبر الحقيقة عن واقع أخفى الحقيقة. حقيقة أن للكلمة مجد يجدر بالناقد ترسيخه عبر التأكيد على جودته أم عدمها، كما يحق للقارئ وللكاتب الاعتراض ضمن أصول العقل والفكر والكلمة. لا يجدر بالقارئ أن يبقى مقيّدًاً بالسرب إن وجد نجمة تلمع في مكان آخر، كما أنه لا يجدر بالكاتب الاستهتار بدور الناقد أو أسره في نفس سرب القارئ. العملية مترابطة وستتمكن من بلوغ أوج نهضتها إن لم يتخاذل القارئ والناقد والكاتب كلّ عن دوره.

  الذائقة حرّة، الصدق وحدَهُ يجذبها كما الفراشة التي تحوم حول زهرة فواحة. كل إنسان يمتلك حدسًا واعيًا بمقدوره تمييز مضمون وخلفيات ما يقرأ. هذا لا يعني إقصاء دور الناقد، بل على العكس إنّه دعوة ليعود الناقد بكل جرأة وتجرد للقيام بمهامه بعيدًا عن مدى تقاربه أم تباعده مع الكاتب.

 أدب الكلمة سواء كان نصّاً أم منشورًا أم تغريدة يستحق أن نوليه مصداقيتنا ليس في الكتابة والقراءة فحسب وإنما في النقد أيضًا.           

5 thoughts on “أدب التواصل بين خفوت النقد ولُجة التطبيل

  1. رساله. إلى فرقد
    زودتني ابنتي الكاتبة والأديبة حصه سعد ابوحيمد ، زودتني بنسخه. من مقال لها في فرقد
    وفرقد كما علمت مجلة أدبية يحرر ها نخبة من الادباء والمفكرين وتصدر كل شهر مرتين و اسلوب المجلة في النشر هو الكتروني وفي صفحات التواصل، وابنتي التي زودتني بمقالها وبعد الاطلاع عليه ابديت اعجابي وشكري لها. وفخري بانها تشارك في نشرالثقافة والادب. و قد ركزت في مقالها على النقد الادبي والناقدين. وخاصة ادب التواصل ، وكان مقالها. ممتاز وبليغ. هنأ تها عليه ، وانامتفق معها على لزومية النقد. لانه يعتبر مرآة للكاتب ووسيلةلرفع سقف جودة النص ، ولكنني اختلفت معها لانها اقتصرت في دعوتها على النقد المنشورالبسيط في ادب التواصل ، وقلت انك يا إبنتي مثل قائد جيش عرمرم ومدجج بالسلاح استعداداللحرب ، غير انه ليس هناك من يحاربه ، وقلت لابنتي. اين النص اين النصوص اين الروايات والقصص التي تلحين على النقاد ان ينقدوها، فوالدك على سبيل المثال لديه اكثر من عشرين رواية مرخصة ومنشورة، ولديه اكثر من ثلاثين قصيدةوطنية وعاطفية واعطي مثالا لمطلع قصيد وطنية عنوانها. ( قصة وطن ) وهذا مطلعها
    سألت التاريخ عن نجد ماقال سألته عن ملاحم جرت. فيها
    يا نجد سألته عن سيرة ابطال سطرو بطولات التاريخ يرويها
    كان الزمن خمسه شهر شوال ثلاثةعشر تسعتعشر النصر فيها
    حرر الابطال نجدًالمبشر قال الملك لله ثم عبدالعزيز واليها
    هذا نموذج من القصائد الوطنية ، ابنتي ، قبل ان اختم قولي اود ان اشير الى انالقراءة والقراء في حالة من الكساد والفقر للاسف ، اذ انصرالشباب الى الملهيات الالكترونية ، اكتفي بماكتبته. وادري انك محرجة من نشر ادب والدك في حين أنني أتمنى النقد والناقدين، وفقك الله أنتِ وزملائك ، الكرام ، واتمنى لفرقد النجاح والتألق، شاكرا لمحرريها الذين سخروجهدهم وفكرهم لوطنهم وشعبهم
    سعد محمد ابوحيمد جده هاتف ٠٥٠٤٥٩٨٢٧٧
    مدير تعليم بنات وريس بلدية سابق
    و هاوي الكتابه الادبية
    عشرين روايه مرخصه ومنشوره وثلاثين قصيدة وطنيه وعاطفيه ، وحتى تاريخه لازال يتعلم

  2. ملف هام جدا شكرا استاذة حصة لمونك لتقنين لفت انتباه القراء و النقاد والمهتمين بالأدب في ظل المساحات الاسفيرية الممتدة طولًا وعرضًا عبر المواقع الاجتماعية المختلفة والتي أصبحت تفرخ جنينا مشوها برغم انها تتيح للموهوبين بعض المساحات لكنها تنتزع بواسطة غير المجودين .
    التحية لمن ساهم في قضية العدد من الأدباء والنقاد المحترفين والمخضرمين حماية للاب ولغة الضاد

  3. جميل ما طرح.. وموضوع بحاجة للمزيد والمزيد من الكتاب .. فبدون النقد المعياري ستضيع البوصلة

  4. يقول د. منال يحي بن سميح ( كيمياء الأشعة و النباتات - مستشاره في النباتات الطبيه ، عضو في جمعيه الغذاء و الدواء):

    مما لا يخفى عن الكثير انه في النصف الثاني للقرن العشرين بدأ الترنح و مكابدة الصعاب أمام غزو المفردات الإنجليزية و الفرنسية على اللغه العربية و اتضح ذلك للجميع ، ألا أن مجامع اللغة ألعربيه تثابر و لم تعجز عن ابتكار البديل لتقوية خصائص اللغة ، فنجد ان مفردات اللغة المعربه كثيره حتى و ان أهملها بعض متخصصي اللغة . و مما أراه انه من خلال وسائل التواصل المتداوله بكثره الان نستطيع اضافة المزيد لتقوية لغتنا حيث ممكن استخدامها كمنفذ للنقاد المغمورين و النحويين المبتدئين للبروز كما برزوا مشاهير السوشال ميديا حيث بهذه الطريقة نعبر اكثر من طريق للوصول الى روما ، فقد يجد هؤلاء النحاه ارض خصبه لمساعدة أنصاف الأقلام و الصعود معهم ثم تحسين مستوى الكتابة الأدبية و النقد البناء و اخيرا إعطاء لغة القران جزء من حقها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *