الفنان الرائي والنحات الرائد محمد العادي

عزيز العرباوي*

 

يهدف النحت كجنس من الفن التشكيلي إلى إرساء الذوق الجمالي والفكر الفني لدى أفراد المجتمع، باعتباره فن الساحات والفضاءات العمومية بامتياز، حيث يتجمع الناس ويمرون كل لحظة. فهو كفن تشكيلي يعتمد على التصوير والتجسيم قادر على خلق نوع من الجمال في الأماكن العامة التي لم تعرف تطوراً جمالياً رغم وجود المهندسين في الجماعات المحلية والبلديات الذين استقالوا من مسؤولياتهم هاته واكتفوا برسم التصاميم السكنية والإدارية غافلين كل ما هو جمالي.

ويعتبر النحت، كفن تشكيلي جمالي بالدرجة الأولى، بمثابة صور تمثيلية وتجسيدية سواء كانت ممتلئة أم مقعرة أم قابلة للاختراق، حيث يشخص وجوداً مادياً لإنسان أو حيوان أو نبات أو فكرة أو إحساس إنساني خالص. وفي هذا الإطار يقول الكاتب المغربي عبد السلام أزدام في مقال له منشور بمجلة “الثقافة المغربية” في عددها 39، أن النحت “باعتباره فعلاً فنياً هو تدخل بواسطة الفكر والتخيل، والمجهود العضلي، وآليات محددة في مادة طبيعة غفل، غير متعينة، وكعماء في الوجود، أو هو تدخل في مواد مُصنَّعة، مُهمَلة، أو مُعدَّة لقابلية الاستعمال لدون صورة فنية، وتدخل النحات كذات مبدعة هو الذي ينزع عن هذه المواد الغفل وحشيتها وعماءها ليضفي عليها صورة إنسانية فنية، كي تخرج من وجود غير متعين، إلى وجود، هنا والآن، بتعبير هايدغر، وكنتيجة فنية ذات قيمة جمالية وثقافية، وكأنها خروج من العدم لتنوجد كتحفة فنية”. في هذا الصدد يمكننا أن نقول مع الكاتب أيضاً إن النحت كفعل في الطبيعة، يصير، بعد هذا الخروج من العدم، قابلاً للمشاهدة واللمس، وقد يشعر به فاقد البصر بتحسسه عن طريق اللمس مما يجعل منه شيئاً محسوساً مجنساً.

محمد العادي: الفنان الرائي

يعتبر الفنان المغربي محمد العادي من النحاتين الذين تركوا بصماتهم في هذا المجال الفني الراقي، حيث ساهم بحضوره الكبير في أغلب السامبوزيومات العالمية سواء في الخليج العربي أم في شرق آسيا، في الصين واليابان… بل كان أحد المساهمين الأساسيين في سامبوزيوم النحت الذي أقيم في مدينة الجديدة، مسقط رأسه، سنة 2000، والذي نظمته النحاتة الفنانة إكرام القباج، إضافة إلى مشاركاته الكثيرة في سامبوزيومات عديدة أقيمت في دول الخليج وفي غيرها على الصعيد العالمي. إنه فنان يشتغل على الخشب والرخام يشكل منهما منحوتات عمودية ورأسية تتسع من الأسفل إلى الأعلى حيث تضيق عند هذا المستوى شيئاً فشيئاً حتى تشكل شكلاً جذاباً مثيراً للجمهور والمتلقي النقدي. الفنان محمد العادي من الفنانين المغاربة الذين يخلقون الجدل من خلال فنه ومنحوتاته المختلفة حيث يقدم فنه رؤية فكرية وثقافية نقدية لأفكار ومواقف وثقافات متعددة ومتنوعة سواء على المستوى المحلي أم الوطني أم العربي والعالمي.

ويبقى الفنان محمد العادي من النحاتين المغاربة الذين جاؤوا إلى النحت دون أن يلجوا من قبل إلى المدارس العليا أو كليات التربية الفنية والتشكيلية، ولم يتلقوا أي تكوين خاص في ذلك، مما يجعله فناناً عصامياً بامتياز. حيث إنه فنان لا يعتمد على قواعد فنية صارمة أو على دراسات أكاديمية توجهه كفنان. مما دفعه إلى أن يتحرر من كل هذه الأشكال الأكاديمية التي قد تكون حجرة عثرة أمام المبدع في بعض الأحيان، بل في أغلبها. محمد العادي نحات من طراز مختلف، يعبر عن مشاعره وأحاسيسه الداخلية بالفن، من خلال ثقافة تتغذى على الصدق في العمل والأمانة في التعاطي مع المادة سواء كانت خشباً أم رخاماً، ومن خلال كل ذلك نجد منحوتاته الجميلة تعبر عن نبضات الروح والنفس الإنسانية المفعمة بالقيم والأخلاق والرحمة والألفة والإبداع والجمال والأمانة والرقة.

فمن خلال متابعة عمله وانهماكه الكبير فيه، نجده ينخرط بكل تلقائية وقوة جبارة كأنه شاعر مبدع يأتي من زمن مختلف. ينحت العادي منحوتاته بكل عبقرية وثقافة كبيرة، فتتحول معه المادة إلى شيء متحرك، إلى كائن حي، إلى شكل من لحم ودم. إن ما يميز مادة الفنان تلك الصلابة والقوة والصرامة تجعله ينحت أشياءه وأشكاله بطريقة تتطلب منه أن يحافظ على جأشه وقوته وإبداعيته الخلاقة. إنه فنان التعبير والتفكير، يشكِّل عمله بطريقته الخاصة التي تجعله قادراً على ترك بصمته الفنية في جمهوره المتلقي لعمله.

إن استخدام الفنان محمد العادي لمواد أخرى غير الخشب مثل الرخام والحجر والطين وحتى النحاس يجعله يفكر أكثر من مرة قبل أن يستخدمها، نظراً لكونها مواد متعددة الوظائف، وقادرة على تطويع الأشكال، ونظراً أيضاً لهشاشة بعضها (الطين مثلاً)، لكنه لا يسقط في فيما يمكن أن يفشل عمله النحتي، لأنه يدرك مدى أهمية ما يشكله وما ينحته حتى ولو كان من الطين. إن اليد التي يستعملها العادي في تشكيل مادته هي يد مبدعة تساعده على الخلق والإبداع، سواء كانت تعمل مباشرة أم من خلال استعماله لإزميل أو حتى لآلة أخرى، لأنها يد قادرة على خلق ما لا تستطيع خلقه يد إنسان آخر.

لقد ساهم الفنان محمد العادي في تربية الذوق الفني والجمالي لدى جمهوره المغربي والعالمي، واستطاع أن يخلق تنوعاً فنياً في المدن التي نَحَتَ فيها منحوتاته كأنه مهندس معماري يختلف عن المهندسين المعماريين الموظفين في البلديات والمؤسسات الرسمية والذين يتجاهلون الجانب الجمالي في أكثر أعمالهم. فالنحات في حاجة إلى إبداع شيء جميل يجذب المتلقي ويجعله ينخرط بمشاعره وأحاسيسه عند رؤية المنحوتة، فيشعر بجمالية ما يراه وبعبقرية المبدع وقدرته على تغيير السائد والمألوف والمُشَاهَد.

النحات الرائد  

لقد خلّف محمد العادي العديد من التماثيل والمنحوتات سواء على الصعيد المحلي بمدينته الجديدة، أم على المستوى الوطني وخاصة في ساحات المدن المغربية الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط… أم على المستوى العالمي كما هو الشأن في ساحات دول الخليج العربي واليابان والصين… إنه فنان يبحث عن الجمال وعن تأثيث الفضاءات العامة التي تعرف إهمالاً وتجاهلاً كبيرين. لأنه يعرف أن الفن هو القادر على تشكيل جمالية الفضاء وتحسين صورته وتغليف القبح والدمامة.

ويبقى النحات المغربي محمد العادي من أهم الرواد في هذا الجنس التشكيلي في المغرب خاصة، حيث ساهم في تجميل العديد من المدن بواسطة النصب التذكارية التي تركها في العديد من الفضاءات العامة والساحات في المدن المغربية والعالمية. ومن هنا، يتحتم علينا الافتخار به كفنان مغربي وصل إلى العالمية واستطاع أن يكون سفيراً للثقافة والفن المغربيين في العالم العربي وغيره.

*كاتب وناقد من المغرب.

@azizelarbaoui01
https://www.facebook.com/aziz.elarbaoui

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *