مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

هاني الحجي* تخرجُ من عملِك. أشعةُ الشمسِ تجلدُك بسیاطِ حرارتِھا، أنتَ تتسلى مع ح …

الرجل الذي نسي مفتاحه

منذ سنتين

278

0

هاني الحجي*

تخرجُ من عملِك. أشعةُ الشمسِ تجلدُك بسیاطِ حرارتِھا، أنتَ تتسلى مع حبیباتِ العرقِ المتناثرةِ على صفحةِ جبینِك تسیلُ كبقايا مرزابٍ يصبُّ على تجاعیدِ وجھِك، تنزلُ من سیارتِك لتذھبَ إلى أحدِ المطاعم، تتذكرُ أنك نسیتَ المفتاحَ داخلَ السیارةِ، تعودُ لتحاولَ أن تفتحَ سیارتَك.
الشمسُ تُخرِجُ ألسنةَ لھبِھا لتسخرَ منك بحرارتِھا، لو كان الأمرُ یقتصرُ على حرارةِ الشمسِ ربما تحملتَھا، لكنك كنت تستقبلُ ركلاتٍ من الكلماتِ لبعضِ المارةِ، وتتحدّفُ علیك برامیلٌ من الألفاظِ النابیةِ والعباراتِ القاسیةِ لبعضِ الفضولیین.

أنت تتساءلُ: لماذا لا ینسى المواطنُ مفتاحَه في سیارته وتزدحمُ آلافُ الأسئلةِ والھمومِ في رأسهِ منذُ خروجِه من العملِ وعبورِه في الشوارعِ المزدحمةِ، لو أجرت مصلحةُ الإحصاءاتِ تعدادًا للمواطنین الذین ینسون مفاتیحَھم في سیاراتِھم سیتوصلون إلى أن أكثرَ من نصفِ المواطنین ینسون مفاتیحَھم في سیاراتِھم. قد یرى البعضُ أن ھناك احصاءاتٍ أهم يحتاجُها المواطنُ، لكنك مقتنعٌ أن وجودَ إحصائیةٍ عن عددِ الذین ینسون مفاتیحَھم في سیارتِھم، سیستفیدُ منھا علماءُ النفسِ والاجتماعِ لمعرفةِ الحالةِ النفسیةِ والاجتماعيةِ التي یعیشُھا المواطنُ وتأثیرِ الحالةِ الاقتصادية على ذاكرةِ المواطنين.

أنتَ لا تزالُ تتسلى بهذه الأفكارِ وتحاولُ أن تفتحَ بابَ السیارةِ، تعبرُك مجموعة من النماذجِ البشریةِ وكلٌّ یقدمُ اقتراحًا. بعضھم یتطوعُ لیحاولَ أن یفتحَ معك سیارتَك وعندما یفشلُ یتأففُ ویتركُك وحيدًا.
جاءك رجلٌ یبدو من مظھرِه ومن شنطتِه والكتابِ الذي یحملُ ومن نظارتِه والكرفتةِ الحمراءَ التي یرتدیھا أنه أستاذٌ جامعيٌ. تأكدَ لك ذلك بعد إلقائِه محاضرةً علیك وأنتَ تحاولُ أن تفتحَ سیارتَك رغمَ حرارةِ الشمسِ.
“یا أخي أنت وأشكالك سبب بلاء الأمة لو كنا نعرف قیمةَ المفتاحِ لما سقطَت الأندلسُ، الغربُ أخذَ مفتاحَ حضارتِنا بنوا بھا حضارتَھم، أما أنت وأمثالُك فتنسنون المفتاحَ بكل سھولة”. 

أنتَ تحاولُ أن تُفھمَه أنك لست الوحیدَ الذي ینسى مفتاحَه في سيارتِه.
أنتَ تقولُ أن المواطنَ یكدحُ طوالَ ذروةِ شبابِه ویستلفُ ویأخذُ قروضًا من صندوقِ التسلیفِ وترھنُ البنوكُ سنواتِ عمرِه لتعطیَه قرضًا، لیجمعَ مھرَ الزوجةِ ویسددَ تكالیفَ الزواجِ حتى ینعمَ ببیتٍ وأسرةٍ، في النھایةِ تطلبُ منه زوجتُه أن یحضرَ لھا الغداءَ من المطعمِ.
كنتَ تقولُ ذلك لأحدِ العابرین الذي انتقدك لأنك نسیت مفتاحَك وقالَ لك ذلك لأنكم تبحثون عن المعلماتِ من أجلِ الراتبِ وتتركون رباتِ البیوتِ.
حاولتَ أن تُفھمَه أن زوجتَك أيضًا ربةَ بیتِ، لكن أصبحَ المتزوجون یأكلون في المطاعمِ أكثرَ من العزابِ، لأن زوجاتِنا ینمن للظھر ونحن نكدحُ من الصباحِ لنوفرَ المعیشةَ الكریمةَ لھن، ثم یشاھدن المسلسلاتِ التركیةَ ویتحسرن على عدمِ رومانسیةِ أزواجِھِن.
یتركك وأنت تحاولُ فتحَ السیارةِ، یخرجُ صوتُ أغنیةٍ من المذیاعِ، یأتي رجلٌ یمسدُ لحیتَه وھو یستغفرُ ویعظُك. 
– طبیعي أنك ستنسى المفتاحَ ما دمت تستمعُ للغناءِ! ألم تعرفْ أن الغناءَ یمیتُ قلبَ المسلمِ، حاولت أن تفھمه أنك كنت تستمعُ للأخبارِ قبلَ أن تنزلَ من سیارتِك من باب (من لم یھتم بأمورِ المسلمین فلیس منھم) إلا أنه غادرَ وتركك وھو یستغفرُ اللهَ، الشمسُ تلفحُك بلهيبِها وأنت تحاول أن تفتحَ سیارتَك، یقفُ أمامَك أحدُ العمالِ الآسیویین لیخبرك أنه عند كبري البطحاء توجدُ محلاتٌ لفتحِ جمیعِ أنواعِ السیاراتِ. تركب لیموزین، العاملُ الباكستاني یسردُ علیك قصصًا عمن نسوا مفاتيحَ سیارتِھم وأخذھم للكبري وھناك من نجحَ ھو شخصیًّا في فتحِ سیاراتِھم وبعضھم لم یتمكن.

ویعطیك محاضرةً عن نوعیةِ المشاكلِ ولا ینسى أن یحدثك عن أنواعِ المفاتيحِ لها.
تصل لكبري البطحاء، یقابلُك عاملٌ بنغاليٌ یقولُ أنه یستطیعُ فتحَ جمیعِ السیاراتِ، یأتي معك وھو یقولُ أن لدیه مفتاحًا يستطیعُ فتحَ جمیعِ السیاراتِ.
أنت غیرُ مصدقٍ، لكنك مضطرٌ أن تسیرَ معه! تستغربُ عندما يفتحُ سیارتَك. أنتَ تقولُ أن ھذه العمالةَ أصبحت تملكُ مفاتیحَ لجمیعِ أنواعِ مشاكلِنا، تعطیه خمسین ریالًا، تركبُ سیارتَك وأنت تحمدُ اللهَ، تتذكرُ أن فلوسَ الغداءِ أعطیتَھا العاملَ وستدخلُ في معركةٍ أخرى مع زوجتِك لأنك لم تحضر غداءً من المطعمِ!

* كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود